قدّم مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ورقته البحثية التي حملت عنوان (لجان التحقيق في العراق كثرة المهام وغياب النتائج)، في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي عُقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية.

أدار الحوار الدكتور حميد الهلالي، عضو مجلس محافظة سابق وحقوقي، واصفا هذا الموضوع "بأنه يشغل بال كل العراقيين وكل المهتمين بالشأن السياسي ولسببين أساسيين، وذلك لأن مجلس النواب العراقي أعطي مهمتين رئيسيتين وهما مهمة تشريعية وأخرى رقابية، وكلا المهمتين مرتبطة الواحدة بالأخرى، فعلى سبيل المثال، لا يمكن إجراء تقييم جيد من دون وجود رقابة، هذه الرقابة توثق حالة تنفيذ هذا الموضوع بطريقة صحيحة، بالتالي فأن أفضل وسائل الرقابة على التشريع هي ثلاثة وسائل".

أولا: وسيلة الاستجواب

ثانيا: وسيلة السؤال المباشر

ثالثا: وسيلة لجان التحقيق

بالتأكيد، فإن لجان التحقيق ولجان الرقابة المالية لم ينص عليها الدستور العراق الذي شرع في العام (2005)، ليؤكد من خلال ذلك على تسمية هذه اللجان وآلية تشكيلها، وهي تعتبر مثلبة كبيرة على الدستور العراقي، باعتبار أن أغلب الدساتير نصت على وجود تلك اللجان التحقيقية، لذلك حاول مجلس النواب العراقي أن يستعيض عن ذلك.

فشرع قانون في العام (2007) وهو ينص على وجود اللجان التحقيقية وأعطاها مهمات، وهذه المهمات تتسع لاستجواب أي شخصية، بما فيها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبقية الوزراء والجهات الحكومية الأخرى، هذا وقد أعطاها القانون صلاحيات مطلقة بخصوص متابعة البيانات والاستمارات، وكذلك فيما يخص استجواب القضاة والتدقيق وسير الإجراءات.

طبعا تقف أمامنا معضلة كبيرة تتعلق في الكيفية التي تتشكل فيها اللجان، خاصة وأن هذا التشكيل مرتبط بالمعايير التي تحددها الكتل، في بداية الأمر تشكل لجنة التحقيق من خلال طريقين: الأول رئاسة البرلمان تقدم طلب من أجل تشكيل لجنة حقيقية، والطريق الثاني هو تقديم طلب رسمي بإمضاء (50) عضو برلماني لتشكيلها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تشكيل اللجنة التحقيقية تمر بخمسة مراحل، وهذه المراحل هي في غاية الأهمية والصعوبة، فعلى الجانب الأول هناك قضية تتعلق في كيفية إقرار هذه اللجنة، خاصة وأن عملية الإقرار عملية صعبة جدا، وهي تحتاج لاتفاق الكتل المختلفة على تشكيل هذه اللجنة، ثم تعرض في مجلس النواب لتأتي بعد ذلك محنة التصويت عليها، ثم تأتي مرحلة سير الأعمال في داخل هذه اللجنة، والنتائج التي تتوصل إليها هذه اللجنة، بعد ذلك تأتيك إشكالية إقرار هذه النتائج.

وكل واحدة من هذه المراحل هي مراحل شاقة وعقيمة، خصوصا وأن هذه اللجان هي إمتداد طبيعي لتشكيلات الكتل، لذلك يراعى في اللجان عادة التوزيع الاثني والتوزيع السياسي للكتل، ويحدد للجنة الحد الأعلى (15) عضو، ولكن تم مراعاة حالة التكوينات الاثنية في العراق، بمعنى آخر كل لجنة لابد أن يكون فيها (شيعي، سني، كردي)، ثم يجب أن تراعى خصوصا النسب الموجودة في البرلمان.

بطبيعة الحال، الملاحظات التي سجلت على النواب في إطار اعتماد الآلية هو ضعف الثقافة القانونية، لاسيما وأن أغلب أعضاء مجلس النواب العراقي هم لا يمتلكون الثقافة القانونية، التي تؤهلهم لإجراء التحقيق بالطريقة الصحيحة، لذلك نجد التحقيق يبتعد عن الموضوع الأساس، ومن هنا اتخذت إجراءات بهذا الخصوص، وذلك على أمل أن يأخذ هذا التحقيق الجانب القضائي، أو الاستعانة ببعض الخبراء القانونيين.

وكذلك هو لم يصل للحد المطلوب كي تنجح لجان التحقيق، بالمناسبة هذه اللجان عندما تشكل هي تعطى صلاحيات واسعة، ولكن للأسف الشديد كل هذه الصلاحيات تسحب تلقائيا من هذه اللجان، وبالتالي تتحول تلك اللجان إلى عالة، وهذا مما أوجد حالة من القطيعة بين مجلس النواب والشعب العراقي، والسبب في المقام الأول فإن أغلب لجان التحقيق لم تصل إلى نتائج، بل حتى النتائج التي تتوصل إليها لجان التحقيق يتم تمييعها، بالنتيجة خلقت فراغا بين مجلس النواب وبين الشعب.

بالتالي تقف خلف فشل لجان التحقيق أسبابا معينة، وهي التي أدت إلى تفشي ظاهرة الفساد وسوء الإدارة، ومن الأسباب الأساسية لفشل أغلب إجراءات ومقترحات التحقيق هي:

أولا: غلبة الصفة الحزبية والطائفية على تشكيل اللجان.

ثانيا: غياب المهنية والاستقلالية في عمل اللجان، وشيوع لغة المجاملة والمحاباة.

ثالثا: وجود لجان اقتصادية لدى أغلب الكتل عملت على شرعنة الفساد.

رابعا: غياب الرقابة الشعبية.

خامسا: غياب المعارضة.

سادسا: غياب واضح لدور المدعي العام والاضطلاع في تحريك الدعوى القضائية.

هناك مجموعة من لجان التحقيق التي تم تشكيلها في العراق، فعلى سبيل المثال: اللجنة الأولى كانت (لجنة التحقيق في صفقة السلاح الروسي)، وهذه اللجنة حققت في قيمة الصفقة البالغة أربعة مليار ومائتان مليون دولار، ولكن للأسف الشديد ورغم توصل اللجنة لنتائج معينة إلا أنها لم تنفذ، بل على العكس من ذلك بقت نتائج التحقيق حبيسة إدراج مجلس النواب.

أيضا لجنة التحقيق في سقوط الموصل وهي من أهم اللجان التي توصلت إلى نتائج معينة، حيث تم تقدير الخسائر بـ(20) مليون دولار وهي قيمة الأسلحة، كذلك سقوط المحافظة والتدمير والتهجير الذي لحق بها، وبطبيعة الحال، فإن هذه اللجنة توصلت إلى نتائج متقدمة ولم يأخذ بها، أيضا هناك لجنة تتعلق بهروب سجناء أبو غريب، ولجنة أخرى تخص المنافذ الحدودية، وكذلك الحال بالنسبة للجنة عقود وزارة النفط، ولجنة عقود الكهرباء، ولجنة صفقات البطاقة التموينية، بالإضافة إلى اللجان التي شكلت لتقصي ملف فساد مستشفى عسكري وهمي خصص له (مليار دولار).

النتيجة التي توصلنا لها أن أغلب هذه اللجان، هي لجان تصب في مصلحة الكتل السياسية وليس في مصلحة مجلس النواب، والدليل على ذلك، فإن هذه اللجان عندما تشكل يراعى بها فكرة تسويف القضايا بدل معالجتها، لذلك تم طرح سيناريو معين (إذا أردت إفشال موضوع ما شكل له لجنة)، وأقرب مثال على ذلك، في قضية سقوط الموصل هذه اللجنة توصلت لنتائج غاية في الأهمية، وقد تم قراءة هذه النتائج في مجلس النواب، وتوصلت إلى حقائق مهمة بخصوص الجهات المسؤولة عن هذا التقصير، وكان من بينها أطراف كبيرة في الدولة العراقية مثل القائد العام للقوات المسلحة ومحافظين، ولكن تم التغاضي عن كل تلك النتائج وتم تمييعها، والسبب يعود لمبدأ (المقايضات السياسية)، بمعنى أدق هناك نوع من المهادنة المتبادلة بين الكتل السياسية، لذلك نجد عدد لجان الفساد المالي والاداري التي تم تشكيلها أكثر من (35) لجنة خلال ثلاثة دورات انتخابية.

هذه اللجان بمجملها -ولله الحمد- لم تتوصل إلى نتائج فعلية وحقيقية، وبالتالي هي لم تؤدي إلى تغيير مسار مجلس النواب، كذلك فإن طريقة تصويت مجلس النواب على نتائج اللجان هي واحدة من المثالب، خصوصا وأن النتائج التي تتوصل إليها هذه اللجان هي تعطى إلى لجنة قضائية لتطبيق هذه النتائج، عندها يتم ترتيب الإجراء المطلوب.

وللخوض أكثر في تفاصيل هذا الموضوع نطرح السؤالين التاليين:

السؤال الأول: هل من فائدة حقيقية في تشكيل لجان التحقيق في العراق؟

جزء من المهام الرقابية

- د. حسين أحمد السرحان رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يعتبر أن لجان التحقيق هي جزء من المهام الرقابية لمجلس النواب والسلطة التشريعية العليا، علما أن اللجان التحقيقية هي ليست مرتبطة بالسلطات التشريعية سواء من مجلس اتحادي أو مجالس المحافظات، هذه اللجان ربما هناك صلاحيات لأصغر الدوائر كي تشكل لجان تحقيقية، وذلك للوقوف على مشكلة معينة لمحاسبة المتسببين ولتقويم المسار والحفاظ على المال العام، لكن بشكل عام طبيعة تشكيل هذه اللجان ينم عن وجود اشكالية سياسية يعيشها النظام السياسي في العراق، وهذه الاشكالية عقيمة ومرتبطة بعدة حلقات مغلقة، وهذه الحلقات المغلقة تسمح لهذا المجلس وغيره من أن يأخذ دوره، فالقضية لا تتعلق بمجلس النواب كونه لا يرفع نتائج التحقيقات لمجلس القضاء الأعلى، الذي تصطف أمامه مئات قضايا الفساد التي رفعت إليه من جهات متعددة.

لذا فالقضية قضية نظام سياسي، بالتالي فإن لجان التحقيق التي يتم تشكيلها لا تعدو كونها وسيلة من وسائل التمييع، بل ربما هي نوع من أنواع الإغفال والاستغفال للرأي العام، والسبب في ذلك، لأن طبيعة تشكيل مجلس النواب العراقي فيه إشكالية كبيرة لعدم وجود المعارضة، فعادة الحكومات تنبثق من الكتلة الأكبر، لكن في الأنظمة البرلمانية عادة الحكومات تشكل من الكتلة التي تمثل الأغلبية السياسية أو الأغلبية النيابية في البرلمان.

بالمقابل هناك كتلة أخرى تشكل نوع من الرقابة الشديدة على هذه الكتل، والسبب هو وجود طموحات انتخابية لدورات قادمة، بالتالي فإن غياب المعارضة هو الذي يؤدي إلى تلك النتائج، علما أنه من الجيد وفي ظل هذه التشكيلات أن تكون كل الكتل السياسية ممثلة في مجلس النواب، وكل الكتل تكون ممثلة باللجان النيابية، وكل الكتل ممثلة في كل الحكومات، وكل الكتل ممثلة بالدرجات الخاصة، وكل الكتل ممثلة بالهيئات القضائية، ومجلس النواب يصوت على قرار اللجنة التحقيقية، فهذا الأمر بحد ذاته وفي ظل هكذا نظام هو شيء جيد، لكنه لا يصل إلى نتيجة.

نقص شديد بالدستور العراقي

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم للدفاع عن حقوق الإنسان، يرى أن لجان التحقيق في العراق خصوصا تلك اللجان التي تشكلها المجالس المنتخبة من مثل مجالس المحافظات ومجالس الأقضية ومجلس النواب، ففيها إشكالية وجودية، خاصة وأن المسائلة المنظمة في الدستور العراقي فيها إشكالية حقيقية، لأنها كانت عبثية ومجتزاه وغير منظمة تنظيما قانونيا سليما.

المشرع العراقي وفي المادة (610) حينما تطرق إلى الاستجواب أعتبره آخر الحلول، فأي مسألة لابد أن تبدأ بمرحلة تسمى (التحري وجمع الأدلة)، فعندما أريد إتهام رئيس الوزراء بأنه سبب من أسباب سقوط مدينة الموصل، لابد أن يسبق الإتهام مسألة التحري وجمع الأدلة، هذه المرحلة أي التحري وجمع الأدلة غير موجودة في العراق في ظل دستور عام (2005)، وفي ظل النظام الداخلي لمجلس النواب والذي أقر في العام (2006) ونشر في شهر (شباط /2007) ولم يحمل رقما في الوقائع العراقية، وهذه أيضا إشكالية حقيقية وقع فيها مجلس النواب ووقعت فيها دائرة الوقائع العراقية.

وبعد عملية جمع الأدلة لابد من الانتقال لمرحلة التحقيق التي تسبق الاستجواب، المشرع العراقي قفز مباشرة للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة الاستجواب، بينما الاستجواب من الخطأ أن نذهب إليه قبل أن نصل إلى الاتهام، لذلك نلاحظ أن مجلس محافظة كربلاء عندما أقال المحافظ خسر القضية أمام محكمة القضاء الإداري، أيضا في الناصرية تم إقالة المحافظ وفي اليوم الثاني المحافظ ربح القضية في المحكمة الإدارية، والسبب هو جهل أعضاء مجلس المحافظة بالقانون، وكذلك جهلهم أصلا بمراحل المسائلة الإنضباطية أو التأديبية، علما أن توجيه المسائلة بثلث أعضاء مجالس المحافظة لا يشكل نهاية المطاف، بل هو يمثل حالة القفز على القانون، أولا ينبغي أن تشكل لجنة تسمى (لجنة التدقيق أو التحقيق أو تقصي الحقائق)، فهذه هي بداية التهيئة للاستجواب او للسؤال البرلماني أو لطرح موضوع عام للمناقشة، فقبل هذا الكلام وعندما تريد أن تستضيف وزيرا أو تستضيف رئيس وزراء، أو تستجوب رئيس الوزراء أو تستجوب وزيرا، دون أن تكون لديك رؤية كاملة وتكون لديك أدلة ثبوتية مقنعة، يكون عملك عبثي وغير منتج.

في العراق الآن، اللجان التي تم تشكيلها هي كانت تسبق عملية الاستجواب، لكن المشكلة تتمحور في فهم أعضاء هذه اللجان لدورهم الحقيقي، والسبب لأن العلاقة التي تربط المكلف بخدمة عامة بالمرفق غير واضحة عند الدستور العراقي، فهناك نقص شديد وإيجاز شديد مخل بالدستور العراقي، فهو لم ينظم طبيعة العلاقة التي تربط النائب بمجلس النواب، ورئيس الجمهورية برئاسة الجمهورية، ورئيس الوزراء بمجلس الوزراء وعلاقته بمجلس النواب، هذه العلاقات القانونية والعلاقات التنظيمية الثنائية وهذه الثنائيات، الدستور العراقي اقتصر عليها بمادتين فقط، في حين الدستور المصري لعام 1971 هناك بحدود (17) مادة، وفي دستورهم المعدل لعام 2014 هناك بحدود (26) مادة، ينظم من خلالها هذه العلاقات الثنائية البسيطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومجلس النواب.

فنحن على سبيل المثال، مجلس الإتحاد الذي هو يعتبر المحكمة التي تحاكم كبار المسؤولين الإداريين في العراق وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، أصلا لم يشكل هذا المجلس، وأصبحت محاكمة رئيس الجمهورية على مجلس النواب وهو المجلس الأدنى وليس الأعلى، وهذا خلل بنيوي في الدستور العراقي، لذلك أساس المشكلة تكمن في فهم هذه الثنائيات التنظيمية وفي فهم المسائلة الانضباطية للمكلف بخدمة عامة، فالخلل هو غياب الفكرة عن ذهن المشرع عن الجهة التي تجمع الأدلة.

في مصر مثلا تسمى النيابة الإدارية وهي مشكله بقانون رقم (117) والصادر في العام 1958 ولا يزال نافذ إلى الآن، وهي تحقيق وتدقيق في أبسط المخالفات ومهما كانت الجهة، وبالتالي هي ترفع تقاريرها للمحاكم وإلى اللجان وإلى المجالس، هذا الغياب البنيوي فيما يتعلق بالمخالفات ورصدها عند الموظفين قبل أن تنتقل للمكلفين بخدمة عامة، في مصر نظمت من خلال النيابة الادارية، عندنا هذه الجزئية لم تنظم لحد الان، فمثلا التأديب أو الانضباط في الوظائف هو رئاسي وهذه مشكلة حقيقية، حيث يغيب فيها الحياد وتغيب عنها الضمانات الموضوعية، لذلك عندما نأتي للتأديب للمكلفين بخدمة عامة كرئيس الوزراء ورئيس الجمهورية وغيرهم، فهذا المعنى ليس رئاسي ولا مستقل ولا هو قضائي، والدليل على ذلك، حتى في إتهام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء تفصل المحكمة الإتحادية، ولكن رغم كل شيء تبقى الكلمة الفصل للسياسيين ولمجلس النواب، فهذا كفر في عالم القانون، فالمحكمة العليا يجب أن تكون لها الكلمة الفصل ولا كلمة فوق كلمتها، فحينما تدين هذه المحكمة على سبيل المثال رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى، هل يعقل أن يصوت مجلس النواب بالأغلبية المطلقة على إعفاء رئيس الجمهورية من منصبه، ففي حال لم تحصل تلك الأغلبية هل يبقى رئيس الجمهورية وهو مدان بالخيانة العظمى، فهذا ومن دون أدنى شك ضحك على الذقون.

فقدان النزاهة والاستقلالية والمهنية

- الحاج جواد العطار، عضو برلماني سابق، يفترض على اللجان أن تكون نتائجها مقبولة من الشعب العراقي، وذلك على اعتبار أن مجلس النواب العراقي يمثل المجتمع، ولكن عندما نراجع نتائج تلك اللجان نجدها غير مقبولة لدى نفس البرلمان، فمن هنا تبدأ الإشكالية، فالبرلمان عندما ينتخب لجنة للتحقيق، وهي ممثلة من جميع الألوان والأطياف نراها غير مقبولة نتائجها من ذات البرلمان، فما بالك بالشعب هذا أولا.

والسبب الثاني يعود لفقدان النزاهة والاستقلالية والمهنية، وهذا هو سبب أساسي في انحراف نتائج اللجان أو التشكيك في نتائجها، فمثلا أي تجاوز في العمل العسكري لابد أن تتوفر لجنة تحقيق عسكرية مهنية متخصصة ومستقلة تقوم بهذه المهمة، وأقرب مثال على ذلك (قضية سبايكر) وهي قضية عسكرية بحتة، فعندما تشكل لجان من شخصيات لها ميول سياسية وغير مهنية، فكيف يتسنى لها الخروج بنتائج مقبولة.

عندما تشكل لجنة عسكرية مختصة على سبيل المثال في قضية سقوط الموصل وهي تشكل حالة إنهيار عسكري، بالتالي يمكن أن تكون لجنة مستقلة نزيه تشرف على عملية التحقيق، أما اللجان البرلمانية هي تقوم بعملية التحقيق، فالنتائج اثبتت فشلها خلال السنوات الماضية.

دهاليز مظلمة

- عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وصف النظام في العراق بأنه يقوم على تجارب شكلية، فاللجان عندما تشكل ليس بهدف الخروج بنتائج، وإنما يأخذ بنظر الاعتبار الرسالة التي يراد إيصالها، بالتالي فإن لجان التحقيق في العراق هي عبارة عن دهاليز مظلمة، بل أن لجان التحقيق أصبحت مكان للمساومات وملفات للفساد، فالوزير عندما يحال إلى التحقيق ليس بالضرورة هو فاسد، بل ربما شكلت اللجنة بهدف ابتزازه.

بالنتيجة أصبحت القضية ملوثة، فالذي يعمل بأدوات ملوثة سيلوث الجرح، لذلك نحن نحتاج لضغط شعبي كثيف خصوصا وأن هذه اللجان هي فعلا تضع بصمة مهمة في بناء الدولة العراقية، أيضا إذا شعر المسؤول وإذا شعرت الجهات المعنية بأن لجان التحقيق بدأت تتغير، وبطبيعة الحال، لابد أن تتزامن تلك الخطوة من ضغط جماهيري كبير لإيجاد لجان تحقيقية واضحة.

فمن المعيب جدا في نظام دكتاتوري سابق كان هناك برنامج تلفزيوني يحمل عنوان (نفكر معا من أجل الثورة والشعب)، فحينذاك تشكل اللجان وتقرأ النتائج وبعدها يتم تعيين المقصر، علما إننا اليوم عاجزين وفي ظل نظام ديمقراطي أن نصل بلجنة تحقيقية لنتائج مرضية، فهل العراق أصبح أسير لأشخاص معينين، بالنتيجة القضية تحتاج لضغط جماهيري وتحتاج ايضا لضغط من قبل منظمات المجتمع المدني حتى تأخذ اللجان التحقيقية مداها، كذلك فإن بعض اللجان قد انسحبت بفعل الضغط والابتزاز الذي مورس ضدها، لذلك عندما تغيب المحاسبة سينفرط الوضع العام.

المحاباة ومحاولة التستر على الجرائم

- حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، يؤكد على أن الوضع العراقي القائم اليوم وبكل تشكيلاته الفرعية سواء على المستوى الاجتماعي والسياسي والبرلماني، بمعنى آخر أن الوضع العراقي قائم على حقيقة واحدة وهي المحاباة ومحاولة التستر على جرائم البعض، عندها من الطبيعي أن يبقى الحال على ما هو عليه في ظل وجود تلك الثقافة المتجذرة شعبيا ورسميا.

إسقاط فرض أو للتمويه

- الحقوقي زهير حبيب الميالي، باحث في مركز آدم، يعتقد أن لجنة التحقيق هي عبارة عن إسقاط فرض أو للتمويه من قبل الحكومة، فلجان التحقيق تلك قد ابتعدت عن المهنية وعن الشفافية، أيضا لم تحدد فترات زمنية لتقديم نتائج عمل تلك اللجان، كذلك فإن بعض لجان التحقيق تقوم على أساس الانتقام والضغينة وليس عل أساس تحقيق مبدأ الشفافية، أخيرا بعض لجان التحقيق التي تقوم اليوم هي مبنية على المحسوبية والمنسوبية.

المشكلة في البنية السياسية

- علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يرى أن المشكلة لا تتركز حول توفير الإطار القانوني والأدلة، بل المشكلة في البنية السياسية وفي الأحزاب وفي العلاقات والمصالح المتبادلة ما بين الكتل، فالكثير من السياسيين العراقيين وفي أكثر من مناسبة تم التصريح جهارا نهارا بأنهم يمتلكون أدلة أكيدة تدين الجهة الفلانية أو الشخص الفلاني، لذلك المشكلة لا تقف عند حدود لجان التحقيق بل في البنية السياسية.

ضرورة إعلامية ومادة مخدرة

- الحقوقي أحمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، وصف لجان التحقيق في العراق بأنها شكلية، وهي عبارة عن ضرورة إعلامية ومادة مخدرة يتم زرقها، وذلك حتى تخفي معالم الجريمة، ولنفرض أن هذه اللجان هي لجان جيدة وجادة ومهنية، فمن يأخذ بتوصيات لجان التحقيق؟، هل توجد جهة جادة تأخذ بتلك التوصيات؟، وهل توجد لجان جريئة وشجاعة تستطيع أن تعطي التوصيات الحقيقية، خصوصا ونحن نشاهد اللجنة الدائمية المشكلة وهي تغيب الحقيقية وتساوم عليها، إضافة إلى الهيئات الأخرى مثل هيئة النزاهة وغيرها، هي تخشى من سطوة الاحزاب والمتنفذين، فكيف يمكن لهذه الجهات أن تصرح بالحقيقة، بالتالي هذه القضية تحتاج لقوة وتحتاج لجدية كي تأخذ بالتوصيات وتحمي أفراد تلك اللجان.

نتائج لجان التحقيق تتبخر صيفا وشتاءً

- حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وصف وجود علاقة بين نتائج لجان التحقيق وبين حرارة الجو في العراق، فكلما زادت حرارة الجو في العراق تبخرت نتائج لجان التحقيق، ففي العام 2018 على سبيل المثال هناك أكثر من (20) لجنة تحقيقية شكلت ما بين رئيسية وفرعية ولم تخرج لنا بنتيجة، وآخرها كانت لجنة التحقيق بظاهرة نفوق الأسماك في دجلة والفرات، بالتالي فهي لجان التحقيق هي عبارة عن لجان شكلية لا أكثر ولا أقل.

الإختلالات الدستورية عفوية أم قصدية؟

- حيدر الجراح، مدير مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، طرح ثلاثة أسئلة عن السؤال الرئيسي: السؤال الأول هل النظام السياسي في العراق هو نظام سياسي سليم؟، السؤال الثاني هل الطبقة السياسية العراقية تمتلك فكرا ستراتيجيا أم تسير وفق نمط مافيوي؟، السؤال الثالث هل أن لجان التحقيق في النظم السياسية الديمقراطية الحقيقية (دولة المؤسسات تتشكل نتيجة لأزمة معينة) (مطاردة الأسباب التي أدت لهذه النتيجة)، أما أنها تتشكل (لتشظية الأسباب كما يحدث في اللجان العراقية ومراكمة النتائج وبالتالي تحيلها لاستيراد أزمات جديدة)، وهناك سؤال آخر هل يعد الحديث عن اللجان حديثا مجديا؟، وهل الاختلالات الدستورية الموجودة والمسكوت عنها هي عفوية أم قصدية في الواقع العراقي؟، أخيرا أن لجان التحقيق في كل نظام سياسي هي استثناء في قواعد العمل النيابي، بالتالي هل النائب العراقي يعمل طيلة السنة لخدمة الناخبين وبغض النظر عن اللجان التحقيقية التي قد تستغرق شهر او شهرين من العمل، فهذه الفترة الزمنية هل تتناسب مع أداء النائب العراقي ومع طموحات الناخب العراقي؟.

إخفاء الحقائق دون إظهارها

- الدكتور قحطان الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وصف التحقيق على أنه عملية البحث والتقصي الموضوعي والنزيه والمحايد، لكشف الحقيقة في موضوع معين وإسناد الوقائع لأشخاص وتحديد مسؤوليتهم ثم عرضهم على القضاء لمحاكمتهم، والتحقيق بهذه الصورة هو إجراء قانوني تتولاه سلطة إدارية أو سلطة قانونية، مؤطرة بإطار قانوني استنادا إلى قوانين عديدة نافذة منها: قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (13/ 14) لسنة 1990، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 وغيرها من القوانين والقرارات النافذة.

لجان التحقيق هي سلطة التحقيق في موضوع معين أو في قضية معينة، تشكل هذه اللجان من قبل السلطات العليا، وهذه السلطة قد تكون السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية وأحيانا قد تكون السلطة القضائية، وأحيانا اللجان تشكل من قبل وزراء ومن قبل مدراء عامون، لذلك لو نظرنا إلى العراق فيما بعد 2003، نرى هناك كم هائل جدا من لجان التحقيق التي شكلت بأوامر من سلطات متخصصة، بهذه الطريقة التي شكلت بها يبدو أنها لم تهدف من وراءها إلى كشف الحقائق، وتحديد المسؤول عن مخالفة وجريمة ثم محاكمة هذا المسؤول ومعاقبته.

يبدو أن الهدف من تشكيل هذه اللجان هو إخفاء الحقائق وليس إظهارها والوصول إليها، كأنما عملية تشكيل اللجان هي عملية التفاف وتحايل وتمويه بقصد إذابة القضية وخداع الرأي العام، وبالتالي تصبح هذه القضية طي النسيان وتغلق في صفحات التأريخ، في الفترة الماضية وبالتحديد في ولاية السيد المالكي والسيد العبادي هناك إحصائية تتحدث عن ما يقارب (240) لجنة تحقيقية، شكلت بأوامر من سلطات عليا للتحقيق في قضايا هزت البلاد، وتركت آثار جدا سلبية على الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي، لكن ولا واحدة من هذه اللجان أدت مهامها وأنهت التحقيق وتوصلت إلى نتائج وأخذت توصيات، عندها أتضح من تشكيل اللجان هو قصد التمويه وإخفاء الحقائق بقصد إنقاذ هؤلاء الناس المتهمين، أو بقصد ترتيب أوضاعهم من خلال شراء الذمم أو حتى الهروب إلى الخارج، لجان التحقيق عندما تشكل يفترض أن تشكل وفق آلية ووفق شروط، أي السلطة العليا عندما تصدر أمر بتشكيل لجنة يجب أن تهيئ لها الظروف المثالية للنجاح وتحقيق المهام.

ما يلاحظ في العراق كون الاشخاص الذين يتم انتخابهم لعضوية لجان التحقيق، هم أولا أشخاص غير مؤهلين وغير مثقفين ولا يمتلكون القدرة الكافية للقيام بمسؤوليتهم، ثانيا لا توجد ظروف وبيئة مناسبة لممارسة هؤلاء لأعمالهم، وذلك لأنهم سيتعرضون لضغوط سياسية ويتعرضون للابتزاز وللرشوة ومنافع وعروض مالية، وبالتالي هذه المغريات سوف تمنعهم عن القيام بمهامهم، عندها لن نصل للنتائج المرجوة لتشكل هذه اللجان.

بالنتيجة السؤال الأساسي الذي لابد من الإجابة عنه، هل هناك فائدة من لجان التحقيق في العراق؟، ففي ظل هذه البيئة وهذه الظروف المرتبطة بطبيعة النظام السياسي، الذي يعاني من مواطن خلل عديدة، فلا جدوى من هذه اللجان إذ لم يصار إلى إحداث نقله نوعية وإحداث إصلاح حقيقي وجدي من أجل خلق بيئة مناسبة لنجاح هذه اللجان ومن أجل تأدية مهامها.

السؤال الثاني: ما هي الوسائل اللازمة التي تمنح اللجان القوة والفعالية؟ وهل تغيير النظام الانتخابي يعطي دافع قوة لهذه اللجان؟

- د. حسين السرحان، يعتقد أن طبيعة النظام الانتخابي هو السبب، بالتالي نحن نحتاج لنظام انتخابي أكثر تمثيلا للجماهير ولإرادة الجماهير، بالنتيجة نحتاج لوعي سياسي لدى هذه القوى السياسية وسلوك سياسي واعي لبناء الدولة وذو مشروع وطني، بدون ذلك سيبقى كل هذا الكلام بعيد عن الواقع، ولا يخدم المهمة الأساسية لمجلس النواب وللحكومة.

ما هي ضمانات الحيادية؟

- د. علاء الحسيني، وضع عدة مقترحات ممكن أن تعطي لهذه اللجان الفاعلية، وممكن أن تعطي لمخرجاتها نوع من القيمة القانونية التي تبنى عليها نتائج لاحقة، فلابد من التركيز على هيكلية هذه اللجان، وذلك من خلال إعادة النظر بعددها وحدها الأعلى، أي أن يكون حدها الأعلى لا يزيد على خمسة أعضاء، وذلك لأن زيادة عدد الأعضاء يؤدي إلى تشتت الآراء، وبروز نوع من التكتلات داخل اللجنة نفسها، وبالتالي يخلق نوع من الاستقطابات، هذا مما سيكون معوق للعمل وليس دافع للعمل، ولابد من إعادة في آليات هذه اللجان والقواعد القانونية التي تطبقها، وهذا غائب اليوم عن الاذهان، فأي القوانين سوف تطبق هذه اللجان، هل ستطبق قواعد إجرائية بالقواعد العامة الموجودة بالمرافعات المدنية أم ماذا تطبق، فإن قلنا أنها ستطبق قانون المرافعات المدنية ما السند القانوني في ذلك، وأن قلنا أنها ستطبق قانون خاص لأنها رقابة سياسية أكثر من كونها رقابة انضباطية، وذلك لأن الرقابة السياسية تبرز من خلال الاستجواب، أما هذه اللجان فعملها عمل قانوني وليس عمل سياسي، وبالتالي لا نستطيع أن نشخصها جزء من الرقابة السياسية، إنما هي جزء من الرقابة الإدارية، فهذه الرقابة لابد من وجود سند قانوني للإجراءات الداخلية التي تقوم بها، حيث عندما تطلب من أحد الدوائر الرسمية بعض المستندات التي توصف على أنها من أسرار الدولة، فكيف يتم تزويد تلك الجهات ببعض المستندات التي هي سر من أسرار الدولة، وفي حال إفشائها ربما يلحق الضرر بالدولة.

وأيضا هل يستطيع النائب الإطلاع على تلك الأسرار فقط لكونه نائب في البرلمان؟، بالتأكيد الجواب كلا. لأنها من أعمال السيادة ولا يجوز الإطلاع عليها، إلا للمختصين وهم الوزير المعني والموظف المعني فقط، وبالتالي فإن كشفها أمام أي جهة أخرى يعد مخالفة للقانون وجريمة بحد ذاته، لذا العمل يجب أن يكون مهني ومحايد وموضوعي، هذه الضمانات التي تسمى (ضمانات عمل اللجنة) لابد أن تبرز، من خلال وجود تشريع كي ينظم عمل اللجنة من الألف إلى الياء، خاصة الكيفية التي يمكن من خلالها الحصول على الوثائق، وكيف تعمل بمهنية، وكيف تعمل بموضوعية، هل يمكن رد أعضائها، وهل يمكن طلب استبدال بعض أعضائها من قبل الشخص المشكو منه، فعندما يكون الوزير الذي يحقق معه هو في علاقة سلبية مع الشخص المشكو منه، بالتالي هذا الأمر قد يؤثر على عمله وعلى حياديته، وما هي ضمانات الحيادية فلا توجد لدينا ضمانات منطقية، لذا لابد أن يكون هناك تنظيم قانوني محكم ينظم عمل هذه اللجنة من الألف إلى الياء، ويمر من خلالها بمراحل المسائلة، وذلك لأن المسائلة هنا هي مسائلة انضباطية وليست مسائلة سياسية، فإذا فصلنا بين المسائلة السياسية التي صورتها الأبرز الاستجواب، وبين المسائلة الانضباطية التي صورتها الأبرز اللجان التحقيقية.

 عندها يبرز لدينا ما هي مكامن الخطأ التي وقع فيها (المشرع العراقي الموقر، مجلس النواب العراقي الموقر، مجالس المحافظات الموقرة) التي وقعت بأخطاء جوهرية، لأنها لم تصدر لنا أوامر تشريعية داخلية تنظم عمل اللجان التحقيقية، ولم تعطي السند لهذه اللجان كي تزور دوائر الدولة وتطلع على الوثائق وتسأل بعض الموظفين وتستجوبهم، بالتالي هذا السند القانوني مغيب عندنا في العراق، لذلك هو سبب من أسباب فشل عمل هذه اللجان التحقيقية، وعدم وصولها لنتائج حقيقية مبنية على أسس منطقية واستنتاجات دقيقة مبنية على أسس قانونية سليمة، بغير هذا فنحن نخوض في حلقة من الفراغ وحلقة من التراكم في الفشل هذا جانب.

من جانب آخر، يجب أن تكون هذه اللجان على مستوى المسؤولية، فلما تكون هذه اللجان هي لجان جادة في عملها ونعطيها بعض الأسس القانونية، التي من خلالها نفعل بعض القواعد القانونية الخاصة، مثلا لما يشكل عمل الوزير أو المحافظ أو غيره جريمة جنائية، من يتولى إبلاغ القضاء عن هذه الجريمة الجنائية، فلو حاكمنا قانون المحافظات لوجدنا خللا جوهريا وضع في المادة (سابعا) البند (ثامنا) وهي تتحدث عن أسباب إقالة المحافظين وهي ثلاثة، أما الرابعة فهي ليست محل البحث لأنها تتعلق بشروط العضوية حيث تخص (التسبب بهدر المال العام، عدم النزاهة واستغلال المنصب الوظيفي، الإهمال والتقصير المتعمدين في أداء الواجب والمسؤولية)، وكل واحدة من هذه هي جريمة فكيف نثبت ذلك؟، هل من خلال لجنة أستطيع أن اثبت المحافظ غير نزيه، نعم استطيع أن اثبت، لكن ما هو الإجراء الذي يبنى عليه، الإجراء الذي يبنى على ذلك، هو الاستجواب الذي في نهايته يؤدي إلى إقالة المحافظ، لكن عندما انتهت الإقالة من يتولى متابعة المخرجات التي انتهت إليها اللجنة التحقيقية والاستجواب، لان هذه التهمة أي تهمة عدم النزاهة بحد ذاتها جريمة في القانون العراقي.

أضف إلى ذلك، هناك قانونين (القانون المدني والمسؤولية المدنية) عن الإتلاف والضرر الذي حصل في المال العام، وقانون التضمين (31) لسنة 2015 الذي ساوى بين الموظف والمكلف بخدمة عامة، في مسألة إهدار الأموال العامة وأن يضمن من ماله الخاص، فمن يفعل لنا قانون التضمين وأين لجان التضمين؟، وهل شكل مجلس النواب لجنة تضمين؟، وهل شكل مجلس المحافظة لجنة تضمين؟، حول بعض الإهدار الذي حصل من قبل المحافظين ومن قبل مجلس المحافظة نفسه.

- عدنان الصالحي، يعتقد بأن الناس سواسية والظروف هي التي تخلق من هؤلاء الناس ملائكة وهؤلاء الناس شياطين، فالحكومات في الدول المتقدمة لم تكون حكومات مثالية وملائكية، لكن المجتمعات كانت بمستوى من الوعي لم تترك لتلك الحكومات مسافة كي تنحرف كثيرا، لذا كانت منظمات المجتمع المدني والنقابات والإعلام وصناع الرأي العام، كانوا بمستوى من القوة ليضغطوا على أي مكلف بخدمة عامة او موظف أن يغرد شرقا أو غربا، بالتالي كان هناك دور فاعل للصحف وللإعلام وحتى المواطن العادي، لذا نحن اليوم جزء من خلل سلطة وللإعلام كان له دور المواطن العادي، فعليه لابد أن يكون هناك ضغط على المسؤولين وعلى الحكومات وخلال فترات زمنية محددة، كي تحدد خياراتها باتجاه تصحيح المسارات المعوجة.

- حامد الجبوري، يجد أن الثقافة التي اعتاد إليها الشعب العراقي وخلال قرون ماضية لا يمكن تجاوزها بفترات زمنية قصيرة، خاصة وأن ثقافة النظم الدكتاتورية هي جزء لا يتجزأ من واقعنا الاجتماعي، بالتالي لابد على الشعب العراقي أن يؤمن بالديمقراطية أولا وباقتصاد السوق، عندها سنصل إلى النتائج المرجوة.

- الحقوقي زهير الميالي، يعتقد أن ضمان نجاح لجان التحقيق يتم من خلال تحديد فترة زمنية لتقديم تقريرها، وأن تتشكل من قبل أكفاء ومختصين في المجال التحقيقي، ثالثا أن لا تكون الإقالة أو الاستقالة هي ضمانة أكيدة لهروب المسؤول من المحاكمة القضائية.

- علي حسين عبيد، يرى أن اللجان التحقيقية هي نابعة من تشكيلات وكتل سياسية هي أساسا تعاني من خلل، بالتالي فإن تلك الأحزاب والكتل هي مبنية بطريق خاطئة، لذلك عندما تكون الأساسات غير سليمة فالنتائج حتما ستكون غير سليمة، لذا فالكتل السياسية العراقية عليها أن تعمل على إصلاح نفسها، كي تكون المخرجات صحيحة.

- حيدر الاجودي، يجد أن الحيادية هي إحدى شروط لجان التحقيق، بالتالي لا يمكن لضابط الشرطة والقاضي أن يكون هو الخصم والحكم، لذا فإن الاعتبارات الشخصية عندما تكون هي القاعدة الأساس التي تنطلق من خلالها لجان التحقيق، فهذا الأمر قد شكل عنوان أكيد لقبر الحقيقة، وهو ايضا يشكل طوق نجاة للهروب من الجريمة.

مقترحات وتوصيات

- الدكتور قحطان الحسيني، يعتقد بتحسين مستوى أداء اللجان التحقيقية وضمان نجاحها هو مرتبط بشكل عام بتحسين مستوى أداء النظام السياسي، فإن تحسن مستوى أداء النظام السياسي أكيد ستكون له تبعات مباشرة على عمل اللجان التحقيقية، لكن في نفس الوقت هناك بعض المقترحات التي تخص عمل اللجان التحقيقية منها: أولا على اللجان التحقيقية أن تتمتع باستقلالية تماما عن الحكومة وعن البرلمان، وذلك كي تكون مهنية وموضوعية ونزيهة في الوصول للمعلومات وفي رفع التوصيات.

النقطة الثانية يجب تحصين اللجان التحقيقية وضمان حمايتها من أي ابتزاز أو ضغوط سياسية، علما أن من شأن هذه الضغوط وهذا الابتزاز أن تحرف مسارها المهني وتؤدي به إلى نتيجة غير مرغوبة بها، ثالثا يجب أن تعمل هذه اللجان بشفافية، ففي عمل اللجان التحقيقية صحيح بعض الأمور تستوجب لبعض السرية، لكن بالمجمل يجب أن يكون عمل اللجنة ابتداء من أسماء أعضائها مرورا بجمع المعلومات، إلى الإجراءات الأخرى المرتبطة بعمل اللجان، يجب أن تكون معلنة وغير سرية، لأن السرية تثير الشكوك والريبة لدى الرأي العام. رابعا أن لا تستخدم لجان التحقيق كأدوات لتصفية الخصوم، فبعض رؤساء الوزراء وبعض رؤساء مجلس النواب وحتى على مستوى بعض الوزراء وبعض اللجان البرلمانية، أحيانا تشكل لجان تحقيق بقصد تصفية الخصوم والتشهير به، وبالتالي إفقاده رصيده الشعبي الانتخابي، خامسا عدم اللجوء إلى لجان التحقيق والاستغناء تماما عن القضاء، والغاية هي تحييد القضاء وتحييد القانون ومنعه عن ممارسة دوره الفعال في قضية معينة، فهناك مثلا الإدعاء العام والمحاكم المختصة وقضاة التحقيق، هؤلاء احيانا يمنعوا بدعوى تشكيل لجنة تحقيقية للنظر بدعوى مهمة وخطيرة وحساسة. سادسا هناك بعض الحالات التي تشكل فيها احيانا لجان تحقيقية هي أساسا لا تحتاج إلى لجنة تحقيقية، وذلك لأن جميع الحقائق المرتبطة بهذه القضية واضحة ومشخصة ومعروفة للجميع، وبالتالي فإنها لا تحتاج للجنة تحقيقية، بل لابد أن ترفع هذه الحالات إلى القضاء بشكل مباشر وسريع، وذلك كي يتولى القضاء النظر فيها وجمع الأدلة وإصدار الأحكام القضائية والعقوبات المناسبة للأشخاص المسؤولين عن هذه المخالفة وهذه الجريمة.

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور حميد الهلالي، بالشكر الجزيل والإمتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع، وتقدم بالشكر أيضا إلى وسائل الإعلام التي شاركت بتصوير الملتقى الفكري الأسبوعي لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7