محاولة اغتيال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي الذي انتخب في مايو/ أيار الماضي رئيسا لفترة ولاية ثانية مدتها ست سنوات، وتسبب بحدوث انقسام كبير في البلاد، اثارت مخاوف كبيرة داخل وخارج فنزويلا التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة، تشهد فنزويلا ركودا حادا منذ عام 2014، تسبب في تضخم خرج عن السيطرة ونقص حاد في السلع الأساسية، وهي الأزمة التي يلقي مادورو باللوم فيها على خصومه الذين يشنون عليه "حربا اقتصادية". ومنذ تولي السلطة في 2013، واجهت إدارة مادورو إدانات دولية واسعة بسبب مزاعم بتقويض الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان في فنزويلا.

وهذه الحادثة بحسب بعض المراقبين قد تعطي السلطات مبرر إضافي لتصعيد القمع ضد المعارضين، وفي العام الماضي، قتل عشرات المتظاهرين في اشتباكات اندلعت خلال احتجاجات مناهضة للحكومة استمرت شهورا. وشكّل مادورو جمعية تأسيسية جديدة بصلاحيات تمكنه من الالتفاف على أو حتى حلّ الجمعية الوطنية (البرلمان)، التي تسيطر عليه المعارضة. وقال الاتحاد الأوروبي ودول كبيرة في أمريكا اللاتينية إنها لن تعترف بالهيئة الجديدة.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مادورو بعد إجراء تصويت مثير للجدل لانتخاب الجمعية الجديدة. وتقول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن زعيم فنزويلا "ديكتاتور". ومع ذلك، يحظى مادورو بتأييد قوي من أنصار الثورة البوليفارية اليسارية في بلاده، إذ يراه كثير منهم مدافعا مخلصا عن إرث تشافيز.

ويصفه خصومه بأنه مستبد شرس، لا يتورع في اعتقال خصومه السياسيين بعد توجيه السلطة القضائية التي يسيطر عليها حزبه اتهامات شديدة لهم، بينما يقول أتباعه إنه يحمي البلاد من حدوث انقلاب آخر. ويواجه مادورو أزمة اقتصادية حادة، عجّل بها تهاوي أسعار النفط، الذي يوفر للبلاد أكثر من 90% من عائداتها الأجنبية. وعلى الرغم من التضخم الكبير والهجرة الجماعية خارج فنزويلا، يصر مادورو على اتباع السياسات الاقتصادية نفسها التي بدأها تشافيز، وألقى باللائمة في الأزمات التي تواجهها البلاد على "حملات التخريب" التي تشنها النخبة و"الإمبرياليون" في الداخل، بينما تتهمه المعارضة بسوء الإدارة والتوسع في الحكم السلطوي.

ويعد مادورو سياسيا مخضرما، إذ كان نائبا في البرلمان، وتولى في فترة من الفترات رئاسته. كما شغل مادور منصب وزير خارجية أثناء حكم تشافير في الفترة من 2006 وحتى 2013. وتولى لفترة وجيزة منصب نائب رئيس البلاد، ليتولى رئاسة البلاد بالإنابة لدى موت تشافيز في مارس/ آذار عام 2013.

محاولة اغتيال

وفي هذا الشأن أفاد وزير الداخلية الفنزويلي باعتقال ستة أشخاص لضلوعهم في "محاولة اغتيال" الرئيس نيكولاس مادورو. وقال الوزير، نيستور ريفرول، إن المعتقلين كانوا جزءا من جماعة حمّلت طائرتين من دون طيار بالمتفجرات وأطلقتهما أثناء احتفال عسكري في العاصمة كاراكاس. وقد توعد مادورو الضالعين في العملية بأنهم سيواجهون "عقابا شديدا لا رحمة فيه".

واتهم مادورو كولومبيا بالضلوع في هذه المحاولة، لكنه لم يقدم أي أدلة إدانة لها، بينما نفت كولومبيا هذه الاتهامات قائلة إنها "لا أساس لها". ووجهت الحكومة الفنزويلية أصابع الاتهام إلى المعارضة أيضا، وهو ما يثير مخاوف كثيرين من حملة قمع حكومية جديدة ضد المعارضة. وقد غادر العديد من قادة المعارضة البلاد مشتكين من "المضايقة الحكومية"، وذكرت تقارير أن ثمة أكثر من 200 سجين سياسي في السجون الفنزويلية.

وفي غضون ذلك أعلن وزير الدفاع، فلاديمير بادرينو لوبيز، في التلفزيون الوطني الرسمي عن تأييده وولائه غير المشروط للرئيس مادورو. وقال "نحن مصممون، مصممون على الدفاع عن وطننا ودستورنا وديمقراطيتنا ومؤسساتنا". ويقول مراسلون إن مادورو يعتمد بشدة على القوات المسلحة في بقائه في سدة الحكم وسط أزمة اقتصادية وأوضاع سياسية مضطربة.

وقعت الحادثة عندما كان مادورو يلقي خطابا أثناء احتفال عسكري بمناسبة الذكرى الواحدة والثمانين لتأسيس الجيش الفنزويلي "الحرس الوطني". وسُمع دوي انفجار في الوقت الذي ظهر فيه الرئيس في شريط فيديو سجل خطابه وهو ينظر إلى الأعلى فجأة وهرول عشرات الجنود تاركين أماكنهم في الاحتفال. وقال وزير الإعلام، خورخي رودريغيز، إن ما حدث كان بسبب انفجار طائرتين بدون طيار تحملان متفجرات بالقرب من المنصة الرئيسية.

وقالت السلطات الفنزويلية أن سبعة جنود جرحوا في الحادث. وفي وقت لاحق، قال مادورو في خطاب للأمة إن الحادث قد قوى من عزيمته وإصراره. وأضاف :"أنا بخير، وعلى قيد الحياة، وبعد ما حدث اليوم أصبحت أكثر إصرارا مما مضى على مواصلة طريق الثورة". وتابع "العدالة! العقاب الشديد! ولن تكون هناك رحمة". وقال وزير الداخلية إن ستة "إرهابيين وقتلة مأجورين" قد اعتقلوا كما دهمت قوات الأمن بعض الفنادق، وصادرت عددا من السيارات.

واتهم مادورو كولومبيا وعناصر في الولايات المتحدة بتحريك "مؤامرة يمينية" لقتله. ونفت الحكومة الكولومبية أي دور لها فيما يجري في فنزويلا، وقالت "مزاعم مادورو لا أساس لها". ونفى مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون أي ضلوع للولايات المتحدة في الحادث، مضيفا إنه "قد يكون ذريعة دبرها النظام بنفسه". في الوقت نفسه، اتهم وزير الإعلام الفنزويلي المعارضة اليمينية بتنفيذ الهجوم. وقال "بعدما خسروا الانتخابات، ها هم قد أخفقوا مرة أخرى".

وكان بذلك يشير إلى الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو/ أيار، وفاز فيها مادورو بفترة ثانية من ست سنوات. لكن قياديا شابا بالمعارضة، يُدعى هاسلر إنغلاسياس، قال "لم ندر ما الذي كان يحدث. من الصعب تصديق أن المعارضة تقوم بالمحاولة بينما لم تقم بمحاولة بهذا الأسلوب منذ 20 عاما". وفي غضون ذلك، أعلنت جماعة صغيرة غير معروفة تسمى" جنود بقمصان قصيرة الاكمام (تي شيرت)" في مواقع التواصل الاجتماعي أنها وراء الهجوم المزعوم. بحسب بي بي سي.

ولم تدعم الجماعة المذكورة زعمها بأي دليل، ولم ترد على أي طلب من وسائل الإعلام للتعليق على الحادث أو توضيح مبرراته. وأفادت تقارير صحفية أن فرق الإطفاء التي كانت في موقع الحادث قدمت رواية مختلفة عن الرواية الرسمية، الأمر الذي زاد في تعقيد ملابسات الحادث. ونقلت عن ثلاثة من رجال الإطفاء فضلوا عدم ذكر اسمائهم قولهم إن ماوقع بالفعل كان انفجار خزان غاز داخل شقة، ولم يعطوا أي تفاصيل أخرى.

امريكا و كولومبيا

من جانب اخر نفى مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وكما نقلت بعض المصادر أي علاقة لبلاده بهجوم فنزويلا. وقال بولتون على شبكة فوكس نيوز إن الحادث "يمكن أن يكون حجة دبرها نظام" الرئيس مادورو نفسه "أو شيئا آخر"، نافيا أي دور أميركي. وقال إنه إذا كانت لدى فنزويلا "معلومات ملموسة" حول أي انتهاك محتمل للقانون الأميركي "فسندرس الأمر بجدية". كما رفضت كولومبيا على الفور اتهامات مادورو حيث قال مصدر رفيع المستوى مقرب من سانتوس، لم يرغب في ذكر اسمه للصحفيين، إن "هذا لا أساس له". وانتقد سانتوس مادورو مرارا، وقبل أيام اتهم "نظامه" بأنه في حالة "إنكار كامل" لأزمته الاقتصادية والإنسانية عندما أعلن عن إجراء جديد لمساعدة مئات الآلاف من الفنزويليين الذين فروا إلى بلاده.

وقال سانتوس "إن العالم بأسره يشعر بالرعب على نحو متزايد" بسبب الوضع في فنزويلا التي قال إن سكانها "يموتون من الجوع والمرض ونقص الأدوية". وكانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين شبه معدومة منذ أن استدعت بوغوتا سفيرها لإجراء مشاورات بعد إجراء انتخابات أيار/ مايو الماضي.

وقال الرئيس الكولومبي المنتخب ايفان دوكي، انه سيرفع دعوى ضد مادورو في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. من ناحية أخرى، تعهدت كل من كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا، حلفاء فنزويلا، بدعم مادورو، حيث أدانت روزاريو موريلو، نائبة الرئيس نيكاراغوا، حادث السبت ووصفته بأنه "هجوم إرهابي جبان وإجرامي". وقال الرئيس البوليفي إيفو موراليس: "بعد فشل محاولتها للإطاحة به ديمقراطيا، اقتصاديا، سياسيا وعسكريا، الآن الإمبراطورية وخدامها يهددون حياته".

وعلى الرغم من امتلاكها لأكبر احتياطيات نفطية في العالم، تعاني فنزويلا من أزمة اقتصادية وسياسية وإنسانية، مع توقع حدوث نقص واسع في السلع الأساسية وتضخم يصل إلى مليون في المئة العام الجاري. وفي الأشهر الأخيرة، فر مئات الآلاف من الفنزويليين إلى الدول المجاورة لتجنب المعاناة في بلادهم، حيث يتهم مادورو بقمع المعارضة ومحاولة إنشاء ديكتاتورية.

ضغوط دولية

الى جانب ذلك أعلنت السلطات في فنزويلا الإفراج عن أربعين معتقل بجنح سياسية ومعظمهم من معارضي الرئيس نيكولاس مادورو بناء على قرار لرئيس الدولة. يتزامن هذا الإجراء مع ضغوط دولية كبيرة يتعرض لها مادورو بعد إعادة انتخابه المثيرة للجدل، لولاية رئاسية جديدة. وتؤكد منظمة فورو بينال غير الحكومية أن في فنزويلا حوالي 350 "سجينا سياسيا"، إلا أن الحكومة الاشتراكية تنفي ذلك.

وفي احتفال رسمي، قالت رئيسة الجمعية التأسيسية ديلسي رودريغيز لبعض السجناء الذين أفرج عنهم "أنتم المجموعة الأولى التي تستفيد من هذه التدابير. في الساعات المقبلة، ستعرف البلاد المجموعات الأخرى". ودعت رودريغيز، أمام هؤلاء المعارضين، إلى حل الأزمة التي تشهدها فنزويلا داخليا من دون ضغوط خارجية. وقالت "يتعين علينا أن نحل خلافاتنا من دون أي نوع من التدخلات". وأعلنت المحكمة العليا في البداية أن 39 سجينا أخلي سبيلهم. وفي وقت لاحق، أعلن الإفراج عن الجنرال المتقاعد أنخيل فيفاس، ليرتفع عدد الذين أفرج عنهم إلى أربعين سجينا. بحسب فرانس برس.

وبين الذين أفرج عنهم دانيال سيبالوس (34 عاما) رئيس البلدية السابق لسان كريستوبال (غرب فنزويلا)، الذي أوقف في آذار/مارس 2014 خلال احتجاجات ضد رئيس الدولة الاشتراكي. وكان سيبالوس قد شارك قبل أيام في تمرد "سلمي" في سجن أجهزة الاستخبارات للمطالبة بالإفراج عن السجناء. لكن يتعين على العمدة السابق المثول شهريا أمام السلطات وهو ممنوع من مغادرة فنزويلا والتحدث على شبكات التواصل الاجتماعي، كما قال رئيس المحكمة العليا مايكل مورينو الذي أوضح أن بنود إخلاء السبيل تختلف حسب ملفات السجناء السابقين. وأخلي سبيل 14 متظاهرا مسجونا منذ نيسان/أبريل، كما ذكرت منظمة غير حكومية، غداة قسم نيكولاس مادورو اليمين لولاية ثانية. وتحتج الأسرة الدولية بشدة على إعادة انتخابه في 20 أيار/مايو. وأمام الجمعية التأسيسية المؤلفة فقط من أنصاره، اقترح مادورو الإفراج عن معارضين مسجونين "من أجل تجاوز الجروح التي خلفتها التظاهرات والمؤامرات".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0