ترتبط وحشية النظام الأمريكي بسياساته العسكرية وجرائمه المتواصلة ضد خصومه بدءاً من إبادة الهنود الحمر الذين يقدر عددهم بعشرة ملايين انسان الى الحروب الخارجية والقاء اول واخر قنبلتين نوويتين على هروشيما وناغزاكي اليابانيتين، مرورا بحرب فيتنام التي ارتكبت فيها ابشع الجرائم ضد الإنسانية وتدمير الصومال وأفغانستان والعراق وليبيا.

كل تلك الجرائم ارتكبتها الة القتل العسكرية الامريكية، لكن لدى أمريكا سلاح ربما يوازي قنبلتها الذرية او اقوى منها بكثير، وهو سلاح الاقتصاد الذي ما انفكت تستخدمه كعصا غليظة لجلد كل من يخالف الهوى الأمريكي، سواء كان كوريا شماليا او روسيا او إيرانيا او حتى الصين ربما.

في مجال الاقتصاد تسمح القوانين الأميركية المطبقة خارج الحدود بردع الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية عن القيام بأعمال تجارية مع بلد او كيانات تستهدفها العقوبات الاميركية، كما تكشف الحرب الاقتصادية الجارية ضد ايران، وروسيا وكوريا الشمالية.

وتطبق "العقوبات الثانوية" الاميركية خصوصا على ايران من خلال استهداف اشخاص غير أميركيين (لا سيما مؤسسات مالية اجنبية وتلك التي تحاول الالتفاف على العقوبات) وتتعامل مع افراد وبلدان وانظمة ومنظمات على صلة بالبلدان المشمولة بالانتقام الأمريكي.

وظهرت للواجهة المناقشات حول ضرورة خروج الدول الاوربية من العباءة الامريكية التي تفرض قرارات لا تتلائم مع المصالح الاوربية، ولا سيما بعد الاتفاق النووي الموقع مع ايران عام 2015، حيث ستُعيدها واشنطن تدريجيا في الاشهر المقبلة بعد قرار دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق.

مليارات اوروبا في جيب امريكا

لدى أمريكا الية تسمى بـ"العقوبات الثانوية" في حالة ايران وكذلك على كوريا الشمالية وروسيا حيث استُهدف أثرياء مقربون من السلطة في نيسان/ابريل. لكن هذه العقوبات ليست السلاح الوحيد خارج الاراضي المتوافر للولايات المتحدة.

فـ "قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة" الصادر في 1977 يتيح لها تعقب اختلاسات شركة ما منذ ادراجها في وول ستريت او معاملاتها المالية التي كمر عبر الدائرة المالية الاميركية. وهذا القانون المطبق خارج الاراضي، يعطي الولايات المتحدة دور الشرطي العالمي لمكافحة الفساد الذي يتيح لها إرساء نفوذها الجيوسياسي.

وحتى الان، تمكنت من معاقبة عدد كبير من الشركات الاوروبية. ففي 2008، اضطرت شركة سيمنس الألمانية الى دفع غرامة قدرها 800 مليون دولار لأنها قدمت رشى في الارجنتين او في فنزويلا.

وفي 2014، اضطرت شركة ألستون الفرنسية لدفع 772 مليون دولار عن قضايا فساد في اندونيسيا ومصر والسعودية والبهاماس. وكانت توتال نفسها ضحية في 2013 واضطرت الى دفع حوالى 400 مليون دولار عن قضايا فساد في... ايران.

ويحتفظ مصرف "بي ان بي" الفرنسي بذكرى مؤلمة عن ذلك بعدما اضطر في 2014 الى دفع غرامة بلغت 8،9 مليارات دولار عن صفقات ابرمت خارج الولايات المتحدة، لكن مع بلدان تخضع للحظر الاميركي (ايران والسودان وكوبا) بينما تقوم المجموعة بنشاطات في الولايات المتحدة ايضا.

تذمر اوروبي

تدين الدول الاخرى حتى تلك التي تعتبر حليفة لواشنطن تطبيق القوانين خارج الاراضي الاميركية. واطلقت المفوضية الاوروبية الجمعة الماضية اجراءات يتعين على الدول الاعضاء والبرلمان الاوروبي المصادقة عليها وترمي الى طمأنة الشركات الاوروبية التي استثمرت في ايران بعد توقيع الاتفاق النووي مع ايران في 2015.

وقالت المفوضية ان "اجراءات التعطيل تمنع الشركات الاوروبية من الامتثال للعقوبات الاميركية". ويسمح قانون "التعطيل" هذا للشركات والمحاكم الاوروبية بعدم الامتثال للقوانين حول العقوبات التي يتخذها بلد ثالث، ويقضي بعدم تطبيق اي حكم يصدر عن محاكم اجنبية على اساس هذه التشريعات داخل الاتحاد الاوروبي.

وكان هذا التشريع الاوروبي اقر العام 1996 للالتفاف على العقوبات الاميركية على كوبا لكن لم يتم استخدامه. وتأمل المفوضية في ان يبدأ تطبيق هذه الاجراءات مطلع آب/اغسطس مع دخول العقوبات الاولى التي اقرتها الولايات المتحدة مؤخرا حيز التنفيذ.

ولذلك اطلقت المفوضية الاوروبية الجمعة الاجراءات الرسمية التي تهدف الى تفعيل "قانون التعطيل" من اجل الحد من تأثير العقوبات الاميركية على الشركات الاوروبية التي تريد الاستثمار في ايران.

الهند تتمرد على أمريكا

وفي سياق الغضب الأمريكي ضد خصومها، قالت الهند يوم الاثنين الماضي إنها تلتزم فقط بالعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة وليس العقوبات التي تفرضها أي دولة أخرى مثل تلك التي أعلنتها الولايات المتحدة ضد إيران.

وقالت وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج إن موقف بلادها مستقل. وقالت خلال مؤتمر صحفي "الهند تلتزم فقط بعقوبات الأمم المتحدة وليس العقوبات التي تفرضها أي دولة من جانب واحد".

وترتبط الهند بعلاقات سياسية واقتصادية طويلة الأمد مع إيران إذ أن الجمهورية الإسلامية من أكبر موردي النفط للهند. والتقت سواراج يوم الاثنين مع نظيرها الإيراني محمد جواد ظريف الذي وصل نيودلهي بهدف حشد الدعم ضد رفض الولايات المتحدة للاتفاق النووي.

وقالت الحكومة الهندية في بيان دون الخوض في تفاصيل "تحدث ظريف عن المناقشات التي أجرتها إيران مع الأطراف الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بعد قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق".

اطلق النار على قدميك

وفي جوار الهند ينذر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض عقوبات على طهران بعرقلة مشروع من شأنه أن يساهم في بناء اقتصاد أفغانستان، مما يشكل خطرا على هدف رئيسي في الاستراتيجية الأمريكية الرامية لإنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

ويجري تطوير مشروع ميناء تشابهار المدعوم من الهند في إيران في إطار ممر جديد للنقل لأفغانستان التي لا توجد لها منافذ بحرية، حيث يمكن أن يفتح لها المجال أمام تجارة بملايين الدولارات ويقلص اعتمادها على جارتها باكستان التي تتخذ منها موقفا عدائيا في بعض الأحيان.

وسيخفض بناء اقتصاد أفغانستان أيضا اعتماد كابول على المساعدات الأجنبية، ويحد كثيرا من تجارتها غير المشروعة في الأفيون، المصدر الرئيسي لإيرادات حركة طالبان.

لكن قرار ترامب بإعادة فرض عقوبات على إيران ومعاقبة المؤسسات المالية التي تجري معاملات مع طهران يلقي بظلال من الضبابية على استمرارية مشروع تشابهار، مع إحجام البنوك عن التمويل خشية وقوعها تحت طائلة عقوبات قاسية.

وقال دبلوماسي هندي كبير "أعادنا قرار الرئيس ترامب إلى نقطة البداية، وعلينا أن نعيد التفاوض حول شروط استخدام تشابهار". "إنه مسار ربما يغير طريقة ممارسة الهند وإيران وأفغانستان لأنشطة الأعمال، لكن حالة من الغموض تكتنف كل شيء الآن". بحسب وكالة رويترز.

مشروع معلق

كان مشروع تشابهار المشترك بين إيران والهند وأفغانستان، الذي جرى تدشينه في 2016، يواجه عقبات بالفعل. فهو لم يشهد حتى الآن حركة كبيرة باستثناء بعض حاويات قمح المساعدات من الهند، ومن المستبعد أن تصل أولى شحنات الفواكه الأفغانية المجففة إلى الهند قبل يوليو تموز.

وقال مصدر مطلع إن ثلاثة عقود على الأقل لتشييد البنية التحتية بالميناء تأخرت، حيث تعطلت شركتان صينيتان ومجموعة فنلندية بعد أن تُركت معلقة في ظل سعي البنوك لاستيضاح الأمر من واشنطن قبل الموافقة على ضمانات.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن التجار الأفغان الذين كانوا يأملون في بديل لميناء كراتشي الباكستاني يجدون أنفسهم الآن معزولين عن التمويل، وهو ما اضطرهم للاعتماد على نظام الحوالة التقليدي في تحويل الأموال والذي لا يعد كافيا وحده لإحداث تحول في الاقتصاد. والحوالة نظام يعتمد على الثقة يشيع استخدامه في أفغانستان ويتضمن انتقال الأموال من طرف لآخر في بلدين مختلفين.

وقال مسؤول تنفيذي كبير في أحد البنوك الأفغانية الكبرى "نعلم أن بنوك المراسلة التي نتعامل معها لن تسمح لنا بدفع ثمن الواردات التي تأتي من خلال الميناء".

وتشابهار أحد مشروعات النقل ومشروعات شبكات الطاقة التي تهدف لتعزيز تجارة أفغانستان وإرساء أسس قطاع تعدين يمكنه الاستفادة من احتياطياتها المعدنية غير المستغلة التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

وبتفادي الحدود مع باكستان، التي أُغلقت العام الماضي لنحو 50 يوما بسبب خلافات، يعتبر تشابهار وسيلة تدعم من خلالها أفغانستان علاقاتها مع الهند وقوى إقليمية أخرى.

وقال بارنيت روبن الخبير في مركز التعاون الدولي التابع لجامعة نيويورك والمستشار السابق بوزارة الخارجية الأمريكية والأمم المتحدة "الوسيلة الوحيدة لتعزيز مشاركة الهند" في تنمية اقتصاد أفغانستان ستكون "من خلال تشابهار".

تفكك تحالف الاطلسي

جيفري د. ساكس الأكاديمي ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة، كتب مقالا في موقع بروجكت سنديكيت علق فيه على انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي ومحاولته فرض عقوبات تلتزم بها الأطراف الأخرى، واكد فيه ان ذلك مخالف للقانون الدولي ويجب ان لا ينصاع العالم لهذا الرئيس المجنون.

وقال: ربما يكون بوسع الولايات المتحدة أن تتخذ القرار بالامتناع عن مزاولة التجارة مع إيران، أما أن تحاول الحكومة الأميركية منع أطراف غير أميركية من التجارة مع إيران فهو أمر مختلف تماما. لكن هذه هي نية أميركا؛ ومن واجب أوروبا والصين العمل على إحباط هذه النية لمصلحة السلام العالمي، وهو ما يصب أيضا في مصلحتهما الاقتصادية المباشرة.

ويجب أن يكون الاتحاد الأوروبي مستعدا لاستخدام عملية حل النزاعات في إطار منظمة التجارة العالمية ضد الولايات المتحدة، وأن يعرض قضيته على مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. فمن المؤكد أن الصين لن تتردد -حيثما أظهرت أوروبا الخوف- في الانقضاض للاستفادة من الفرص التجارية في إيران. وستكون الصين محقة في ذلك.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه أوروبا بحسب ما يرى ساكس ليس قانونيا أو حتى جيوسياسياً، بل نفسيا. والواقع أن قادة أوروبا يتصرفون وكأن الولايات المتحدة لا تزال تبالي بالتحالف عبر الأطلسي أو المصالح والقيم المشتركة. ومن المؤسف أن هذه لم تعد هي الحال.

لا تزال المصالح المشتركة كثيرة بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ لكن الأمر لا يخلو من مصالح متباعدة أيضا، وخاصة عندما تنتهك أميركا القانون الدولي. وأوروبا في احتياج إلى سياسة خارجية خاصة بها، تماما كما تحتاج إلى سياسة تجارية وبيئية خاصة بها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

10