بقلم: منقذ داغر وميشيل كيلفاند

لقد شاع مصطلح الشخصية العراقية الذي تحدث عنه علماء الاجتماع في خمسينات القرن الماضي حتى بات واحداً من أكثر المصطلحات تداولاً بين المختصين والعوام، وصار يستخدم في كثير من الأحيان في غير موضعه ودون تعمق أكبر في مدلولاته.  

ونظراً لكثرة ما سمعنا عن الشخصية العراقية وسماتها المميزة فقد طرحنا سؤال أولي: هل توجد فعلاً شخصية عراقية موحدة؟ بل هل أن هناك في العلم ما يسمى بالشخصية الوطنية؟ لقد كان هذا أحد أهم الأسئلة التي قادتنا في مسيرتنا البحثية التي دامت حوالي ثلاث سنوات لسبر غور الشخصية العراقية، أن وجدت.

وسنستعرض عبر سلسلة المقالات هذه أهم ما توصلنا له بخصوص الشخصية العراقية استناداً الى دراسة ميدانية للمجتمع العراقي طوال تلك السنين. تبدو الحاجة إلى اختراع قوالب كبيرة وواسعة يتم من خلالها تنميط الصفات الاجتماعية للشعوب أو الأمم أو الجماعات حاجة أصيلة في النفس البشرية.

فلطالما سمعنا وقرأنا بل وآمنا بأن هناك صفات مشتركة لشعب ما، تجعلنا نطلق عليه مصطلح الشخصية الوطنية على ذلك الشعب? فللأوربيين مثلا شخصية وللهنود شخصية وللآسيويين صفات عامة يتصرفون بها، وهكذا لكل الجماعات التي عرفها الإنسان حاضرا أو تاريخيا، وبغض النظر عن مدى دقة وصحة هذا التنميط الذي يفتقر في كثير من الأحيان إلى الأسس العلمية التي تدعمها، فإن ميل الإنسان إلى التبسيط والتنميط يجعلانه يحاول دائما رسم صورة نمطيه شاملة للشعوب والأمم والجماعات.

لقد امتلأت المكتبات بالكتب التي حاولت وصف شخصية شعب ما اعتمادا على ملاحظات الكاتب أو تصوراته. هكذا نرى محاولات كثيرة مثلا لوصف البدو أو وصف العرب أو وصف المسلمين عموما أو غيرها من الجماعات والأمم والشعوب.

في عالمنا العربي كانت لكتابات المستشرقين خاصة مع بدايات القرن العشرين، وفي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولى ومع بدايات ظهور الاهتمام الاستعماري بالمنطقة، أثر في رواج فكرة الشخصية العربية او البدوية الموحدة. فكتاب البدو للمستشرق الالماني اوبنهايم وكتاب أعمدة الحكمة السبعة للضابط البريطاني توماس لورنس لورنس العرب كان لهما أثر كبير في رسم ملامح الشخصية العربية البدوية في الغرب والتي ما زالت بعض آثارها تظهر في الكتابات والأفلام التي تنتج عن المنطقة العربية.

لقد كان العراق الحديث موضوع للكثير من الدراسات، التي نقول عنها أنها استشراقية ولكن ليس بنفس مواصفات الدراسات الاستشراقية المعروفة. ان المستشرقين والمؤرخين البريطانيين ومنهم ارنولد توينبي وهملتون جب وغيرهما، ممن كانوا بدوائر المخابرات البريطانية وضعوا كتبا صغيرة في إيدي الجنود البريطانيين عندما احتلوا العراق كما أن الضباط السياسيين الإنجليز ومنذ مطلع القرن العشرين الفُ وكتبُ عن العراق مثل مؤلفات لون كرك وارنولد ولسن وهنري دابس والمس بيل وسواهم، ممن دونوا ملاحظاتهم وانطباعاتهم عن الشخصية العراقية.

كما كتبت فيبي مار وكاكو ساكي واريك ديفيز مؤلفات مهمة عن العراق تطرقوا فيها للشخصية العراقية. لكن كتابات الأستاذ الوردي كانت الأبرز وفتحت الباب واسعاً أمام كثير من الباحثين ليبحروا في عباب الشخصية العراقية، دون أن يتساءل كثير منهم هل أن هذا المفهوم صحيح وهل توجد شخصية عراقية مميزة؟

 

* منقذ داغر: مدير الشرق الأوسط في كالوب الدولية للأبحاث. ميشيل كيلفاند:أستاذة الثقافات الأجتماعية المقارنة في جامعة ستانفورد.

.............................................................................................

*  الاراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

 

اضف تعليق