إسلاميات - المرجع الشيرازي

الإصلاح الفردي طريقنا للإصلاح الجمعي

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

(لو اصلحنا أنفسنا فإن صاحب الزمان هو الذي سيأتي إلينا قبل أن نذهب إليه)

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)

العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة تبادلية، يكون فيها التأثير متقابل، ولكن يتفوق المجتمع في تأثيره بالفرد بسبب كثرته، وكونه البيئة الاجتماعية التي تحيط بالفرد وتؤثر بقوة في أفكاره وسلوكه ومعتقداته، وفي نفس الوقت لا يمكن تصفير التأثير الفردي على المجتمع، فهناك أفراد غيروا أمما بأكملها وارتقوا بها وأخرجوها من الظلام إلى النور.

لا يمكن أن نتخيّل وجود أمة راقية بأفراد ليسوا على درجة عالية من التميّز والصلاح، فالفرد هو اللبنة التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي، ودرجة ثقافته ووعيه تنعكس بشكل مباشر على المجتمع، وكلما كانت سمة الإصلاح عالية فرديا انعكس ذلك على تفرّد الأمة وحيازتها على درجة عالية من التقدم والتطور في مضمار السباق إلى الصدارة العالمية.

إصلاح النفس بمثابة علاج طبي يحتاجه كل فرد يعاني من نقص في هذا الجانب، فالنفس غير الصالحة مريضة، ينقصها الإيمان وتعاني من مرض يخترق روحها، فالأمراض لا تقتصر على النوع العضوي، بل هناك أمراض قد تكون أقسى وأشد وهي الأمراض النفسية والروحية، وهذا يستدعي من الإنسان نفسه ومن المسؤولين عنه معالجة هذا النوع من الأمراض بنفس الحماسة والاندفاع لمعالجة المرض المرئي والمحسوس.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتاب (من عبق المرجعية):

(لو ان أحدا من أبنائنا مرض وزادت سخونته، نعمل كل شيء لطرد هذه السخونة، أما سخونة المرض الروحي، وضعف العقيدة والايمان والسرطان الذي يأكل الايمان فلا نبالي به).

من أركان اكتمال شخصية الإنسان معرفته لحقوق الناس وحدودها، ومن ثم كيفية احترامها، فهذا الأمر من أهم ما ينبغي أن يراعيه الإنسان المتوازن، وهناك واجبات لابد من التصدي لها والقيام بها على أفضل وجه، تخص الآخرين وتخص النفس أيضا، أي أن هناك واجبات للآخرين عليك القيام بها، كذلك لنفسك عليك واجبات يجب أن تؤديها وتلتزم بها.

من ناحية أخرى يجب الابتعاد عن المحرمات، والابتعاد عن كل الطرق والمسالك التي تقود الإنسان نحو الانحراف، وهذا الأمر يتعلق بثقافة و وعي الإنسان، ومدى درجة الورع والتقوى التي يتميز بها، فإذا فهم هذه المحرمات، وامتلك التقوى فإنه سوف يمتنع عنها بقناعة، لأنه يؤمن بذلك، وهذا ركن مهم من أركان الإصلاح التي يتحلى به الإنسان الملتزم تجاه الناس.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(على كل فرد منا أن ينظر ما هي وظيفته تجاه نفسه، وتجاه الآخرين، وما هي الواجبات المترتبة عليه، وما هي التروك والمحرمات التي ينبغي له الانتهاء عنها؟).

مسؤولية الحفاظ على حقوق الآخر

الكل مسؤول أمام الكل، ولا أحد مستثنى من هذه المسؤولية، الكبير مسؤول أمام حقوق الصغير والقوي مسؤول أمام حقوق الضعيف، والغني مسؤول أمام حقوق الفقير، والناس البسطاء عليهم واجب تجاه من هو أعلى مرتبة منهم، بمعنى آخر ليس هناك إنسان لا تقع عليه مسؤولية عدم تجاوز حقوق الناس، فلكل إنسان حقوق محفوظة ومحترمة، وعلى الجميع عدم عبور الخط الأحمر كما يُقال، وليس هناك فرق بين القوي والضعيف.

الزوج مسؤول أمام زوجته وبالعكس، وكل إنسان مسؤول أمام حقوق وحدود الآخرين، وعلى الجميع أن يفهم ويطلع على هذه الحقوق والحدود والحفاظ عليها وعدم تجاوزها، على أن يتم ذلك بشكل متبادَل، وأن تكون الأحكام والأعراف والقيم والقوانين هي التي تنظّم هذه العلاقات المتبادَلة بين الناس، فالمهم هو أن تكون إنسانا صالحا، وأن تتنبّه إلى نفسك، ومن ثم تراعي الآخرين حقوقا و واجبات، استنادا إلى القيم التي ينتظم فيها المجتمع.

المرأة عليها واجبات محددة تجاه الزوج وتجاه العائلة أيضا، ومثلما الزوج مطالَب باحترام زوجته وحقوقها وما يترتب عليه تجاهها، الشيء نفسه مطلوب من المرأة، وهذا ينطبق على العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، في حين هناك قواعد تحكم تصرفات أفراد الأسرة الآخرين، وتنظمها، وتضع الأبناء في إطار واضح في علاقاتهم مع الأبوين، فالجميع مسؤول أمام الجميع، وبهذا يتحقق ما يسمى بالإصلاح الجمعي الضامن لإصلاح المجتمع.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(على كل فرد منا ان يعرف ما هي الواجبات بحقه، وما هي المحرمات عليه؟، فعلى الزوج ان يعرف واجباته تجاه نفسه وتجاه عائلته، وتجاه الآخرين، كذا المرأة عليها أن تسعى لمعرفة ما يجب عليها تجاه زوجها وأولادها والمجتمع).

في حال تخلخل نظام الاحترام والالتزام المتبادَل، فهذا ينعكس على درجة الإصلاح في المجتمع ومدى تماسكه ومانته، لذلك فإن الجميع مطالبون بهذا النوع وهذه الدرجة من الالتزام والالتزام المقابل، كيف يمكن تحقيق هذا الهداف، هناك سبل عديدة لكي يصبح الإنسان ملتزما، وقادرا على الحفاظ على حقوق الناس وحدودهم، وفي نفس الوقت يمكنه تأدية الواجبات الصحيحة تجاه نفسه.

أولوية الالتزام بالقيم الإصلاحية

الخلل في هذا الجانب وإن كان يبدو ذا طابع فردي، لكنه ينعكس على الإصلاح الجمعي، فهذا النوع من الإصلاح الكلّي يعتمد على وعي الإنسان وثقافته وإيمانه وتقواه، ومن ثم مدى تأثير الإصلاح الفردي على الجميع، فالأخير هو حاصل جمع الأفراد المصلحين الذين يتشكل منهم المجتمع في آخر المطاف، وهذا يعني أن المجتمع الصالح هو حاصل جمع الأفراد الصالحين، وهذا يؤكد أهمية الإصلاح الفردي لبلوغ كمال المجتمع والتزامه ونجاحه.

لذلك يؤكد سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(على أن كل فرد منا سواء كان رجلا او امرأة، شابا أم شيخا، من أهل العلم أم كان كاسبا، عليه أن يحصل على ملَكة تحصّنه من ارتكاب المحرمات، او التخلف عن الواجبات، ثم عليه بتعليم الآخرين حسب مقدرته ومعرفته).

ونظرا لأهمية دور الفرد في تحقيق عملية الإصلاح المجتمعي، فهذا يتطلب الالتزام الفردي التام بقضية الإصلاح، واعتماد السبل التي تقوده إلى هذا الهداف، ومن المهم أن يفهم الفرد ويؤمن بأنه يجب أن يصلح نفسه، ومن ثم يمكنه الاهتمام بغيره، هذا يعني أن الإنسان مسؤول عن إصلاح نفسه أولا، فهناك أناس قد لا يقتنعون بما تريده لهم من إصلاح وتصالح مع الذات والمجتمع، لهذا عليك بنفسك أولا، أي عليك أن تصلح نفسك أولا.

إذا كنت ملتزما بالاستقامة وكنت صالحا، ونموذجا، فإن الآخرين هم الذين يجب أن يتخذوا منك مثالا ونموذجا، ولا يعنيك الأمر إذا لم يسمعوك وليستفيدوا منك، فالمهم أولا أن تكون عارفا بنفسك، مسيطرا عليها، موجّها له نحو السداد والإصلاح.

ينصح سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) بالقول:

(تصرَّفْ أنت بالنحو الصحيح واستفد من حياتك بصورة صحيحة، ولا يهم بعد ذلك إن كان قد استفاد الآخرون منك ومن تعاملك أو لا، فإن الله تعالى يقول: (يا ايها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرنَّكم من ضلَّ إذا اهتديتم)، ولا توجد عبارة أكثر صراحة من هذه الآية في لزوم ضبط النفس وكظم الغيض).

في المحصلة النهائية، الهدف هو تحقيق الإصلاح، وهذا الهدف مهم وكبير ومفيد للفرد والمجتمع، ولا يتحقق إلا بتعاون الطرفين، فالفرد عليه أن يصلح نفسه، ومن ثم الاندماج في المجتمع، والتأثير فيه وصولا إلى النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يستند إلى منظومة القيم الجيدة الضامنة لاستقراره وعدالته ونجاحه في نفس الوقت.

اضف تعليق