إسلاميات - الإمام الشيرازي

عشْ سعيدًا ومُتْ حميدا

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(إن فرصة العمر في هذا العصر فرصة قيّمة وثمينة فلابدّ من اغتنامها)

الإمام الشيرازي

هل بإمكان الإنسان أن يعيش سعيدا؟، وإذا أجبنا بالإيجاب، فكيف يمكن أن نحقق ذلك؟ وما هي السبل والطرائق التي نسلكها وصولا إلى السعادة، ثم هل على الإنسان أن يكتفي بسعادة الدنيا طالما إنه يعيش فيها، أم المطلوب منه أن يجعل من دنياه محطة انطلاق نحو العالم الآخر أو الدار الأخرى وسعادتها الأبدية؟

إن سعادة الإنسان تكمن في قدرته على توفير السعادة للآخرين، هذا ما يجتمع عليه جمهرة كبيرة من المفكرين والعلماء والمبدعين، إذ أكدوا جميعا إن الإنسان السعيد هو الذي يفكر بسعادة الآخرين وسعادته في نفس الوقت ويعمل بذلك، أما من يفكر بسعادته وينسى الذين يتقاسمون معه الأرض سكنا ومعيشة، فإنه لا ينال السعادة لأنها ستبقى بعيدة عنه ولا يشعر بها ولا يعيش أجواءها، بسبب تفكيره الفردي الأناني.

الإنسان الذي يبتغي السعادة في دنياه وحياته، عليه أن يقصرها على شخصه فقط، بل يجب أن يجعل من سعادة الناس هدفا له، وبهذه الطريقة يكون قد ساهم في بناء مجتمع سعيد، هو أحد أعضائه، مجتمع مصنوع في بيئة سعيدة قوامها العدل والتعاون والعفو والسلام وحفظ الحقوق بشكل شامل ومتبادَل، وسعي الإنسان لسعادة الناس لابد أن يكون في إطار القبول الإلهي، أي يكون الهدف مرضاة الله تعالى.

الإمام الراحل، آية الله العظمي، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (السعي نحو مجتمع إسلامي):

(إن المطلوب منا ـ فرداً فرداً ـ أن نسعى في سبيل إصلاح المجتمع، بكل ما بوسعنا، وبكل ما في جهدنا، على أن نجعل من مجموع عمرنا حصيلة نافعة وثمرة يانعة نخدم عبرها مجتمعنا وأمتنا الإسلامية، وستبقى هذه الثمرة إن قصدنا القربة لله عزوجل، وسيكون الإنسان بذلك مصداقاً للقول المعروف: عاش سعيداً ومات حميداً).

هكذا يمكن أن تتحقق سعادة الفرد في دنياه، وحين يأزف موعد الرحيل والانتقال إلى العالم الآخر، سوف يكون محمودا على ما قدمه للناس من أعمال الخير ومواقف النور التي أضاءت عتمة عقولهم، فالإنسان الذي يسعد الناس سوف يضيء لهم مكامن الخير، ويبعدهم عن مواطِن الشر، ويجعلهم سعداء في مجتمع يسوده الهدوء والاستقرار.

الإيثار ونكران الذات

لهذا المطلوب من الفرد أن لا يبالغ كثيرا في حاجياته ورغباته الفردية على حساب الآخرين، فالدعم الاجتماعي يتطلب السعي الجماعي، وهذا يتطلب بدوره نكران الذات والإيثار حيث يكون الإنسان مستعدا لطرد النزعة الأنانية الفردية والمشاركة في تطوير بيئته الاجتماعية، وهذا لا يمكن أن يتم أو يتحقق إلا من خلال إيمان الفرد بالعمل الإصلاحي الجماعي.

هذا التحفيز المجتمعي لا يستثني أحدا، فالجميع عليهم المشاركة في الإصلاح المجتمعي، كل من موقعه وإمكانياته العلمية والفكرية وحتى المادية، وحين يجتمع الجهد الجمعي ويصب بالصورة الصحيحة واللائقة في تدعيم الأهداف الإصلاحية، فإن النتيجة سوف تكون فاعلية وقياسية في رفع المستويات المعنوية والأخلاقية وحتى العلمية للمجتمع.

يقول الإمام الشيرازي:

(يجب على الإنسان الذي يريد السعي نحو مجتمع صالح، أن لا يقتصر همّه على تأمين احتياجاته الفردية والمادية، من تحسين حياته الشخصية وتوفير الراحة له فقط، بل يجعل جهده وهمّه ينصب في رفع مستواه العلمي والمعنوي والثقافي والأخلاقي، الهادف إلى خدمة المجتمع ونفع الأمة).

التركيز على نخبة المجتمع مهم، بل وله أولوية، حتى يُسهم الفاعلون في المجتمع بارتقائه، والصعود به إلى درجات عليا من التقدم والتطور، فالنخبة العلمية يقع عليها واجب تعليم الناس، وتطوير قدراتهم في المجالات العلمية المختلفة، أما الأثرياء كالتجار مثلا، فيقع عليهم العبء المالي الأكبر في إنشاء وتأسيس المشاريع الخيرية التنموية.

إن تأسيس مثل هذه المؤسسات له دور حاسم في تطوير إمكانيات أفراد المجتمع، وهذه المساهمة الفاعلة تقع في صلب مسؤوليات النخب المتقدمة في المجتمع، لذا يجب أن يتم إنشاء نماذج من هذه المؤسسات الخيرية النافعة، مع تشكيل لجان خدمية لها الخبرة والقدرة على تقديم الخدمات والخبرات والمساعدات المتنوعّة والمهمة للناس، فكل هذا يصبّ في بناء المجتمع الصالح المتميز والمواكب لحركة العصر.

ينبّه الإمام الشيرازي المعنيين بإصلاح المجتمع وتطويره قائلا:

(يجب أن يسعى الجميع لرفعة المجتمع كل حسب مجاله العملي، وظروفه الخاصة، فالحوزوي والجامعي يقدّم خدمات علمية وثقافية، والتاجر والكاسب ومن أشبه يقدّم خدمات اقتصادية واجتماعية، مثل تأسيس مؤسسات وهيئات ولجان خيرية تقوم بخدمة المجتمع ونفع الأمة، وتوفير الخير والرفاه، والتقدم والازدهار لهم).

عصرنا سريع كالبرق

يتميز عصرنا الحالي بسرعته الخارقة، فهو يمضي سريعا كالبرق، وهناك تنافس هائل في سباق المنجزات العلمية والفكرية والإبداعية بمختلف المجالات، لذلك من أهم العوامل التي تُصلح المجتمع وتقوّي الدولة، وتجعلها من ضمن المنافسين الأقوياء في هذا العصر، هو عامل البقاء في ساحة المنافسة من خلال اغتنام فرص التقدم على أدقّ وأكمل وجه.

إن عمر الإنسان في حالة تناقص مستمر، وإن الدقيقة أو الساعة أو اليوم الذي يمر من هذا العمر يعدّ خسارة فادحة للإنسان في حال لم يستثمره بالشكل الصحيح، علميا وفكريا وعمليا، كما أن الفرص لا تبقى بانتظار الناس المتقاعسين، ولا تنتظر من لا يقطفها في حينها بالسرعة القصوى، فالفرص إلى زوال في لحظات لاسيما الفرص الكبيرة والمهمة.

يؤكد ذلك الإمام الشيرازي في قوله:

(إن هذا العصر الذي نعيش فيه الآن هو عصر السرعة والتقدم، وعصر النموّ والازدهار المادي، وهو يمضي نحو الأمام بسرعة الضوء و كالبرق الخاطف، وفرصة العمر في هذا العصر فرصة قيّمة وثمينة، لابدّ من اغتنامها واستغلالها، واستثمارها بالكيفية المطلوبة، والاستفادة منها بالشكل الصحيح، وذلك قبل فوات الأوان، فقد قال الإمام علي (عليه السلام): الفرصة سريعة الفوت وبطيئة العود).

هناك من لا يستوعب الدرس ولا يريد أن يفهمه، ولا يفكر أو يعبأ بأهمية العمر والزمن في حياته، فتمضي أيامه كما تشاء فتصير هباءً، وتنطفئ دون أن يستثمرها في الوقت والهدف الصحيح، لذا لا يصح مطلقا إهمال الوقت، أو التلكّؤ في احترام العمر والفرص التي تتاح للإنسان، لأنه بعد انقضاء العمر سوف يصحو من غفوته الطويلة وحينها لات مندم.

لذلك ينبّه الإمام الشيرازي على هذه النقطة المهمة جدا فيقول:

(إذا تلكّأ الإنسان في اغتنام فرصة العمر وتكاسل عن العمل وخدمة المجتمع والأمة في حياته، فسوف لن يشعر إلاّ وقد انقضى عمره، وانتهى أمده، وأتاه الناعي ينعى إليه نفسه، ويأذنه بالارتحال إلى دار الآخرة، التي هي دار الجزاء والحساب، وليست دار الأمل والعمل، وهناك سوف يأسف الإنسان على فواتِ فرصة العمر الثمينة، وانتهاء أمدها الثمين).

إذًا يعيش الإنسان سعيدا إذا أسهم بالفعل والقول في إسعاد الناس، وفي نفس الوقت يبتعد عن النزعة الأنانية الفردية، ويجعل مصلحة المجتمع في المقدمة دائما بما ينتج ويعمل ويتحرك، وفي هذه الحالة سوف تحمدهُ الناس وتكنّ له المحبة والاحترام والامتنان، لأنه سوف يُسهم بقوة في بناء بيئة اجتماعية صالحة، وهو الهدف الذي لا يحيد عنه الإنسان الذي يأمل أن يعيش سعيدا ويموت حميدا.

اضف تعليق