يسعى الباحثون في مجال الطب الحديث لاكتشاف علاجاتٍ أخف وطأة وأكثر فاعلية من العلاجات التقليدية لمكافحة السرطانات بمختلف انواعها، بالإضافة إلى وسائل لاكتشافها مبكراً، فهناك وسائل مبتكرة لإيصال الأدوية إلى بعض أورام الدماغ، مثل تعديل سم النحل، أو ضبط كيمياء بعض الجسيمات النانوية، وهي وسائل تمنح بصيصاً من الأمل

لكن يكمن التحدي الأكبر دائماً في طبيعة السرطان المعقدة والمراوِغة. وتُعَد فكرة البقاء على قيد الحياة وكيفية العيش بأقصى قدرٍ ممكن من الراحة في أثناء الإصابة بالسرطان وبعد التعافي منه، مجالاً بحثياً مهماً فيما يتعلق بجميع أنواع السرطان.

لذا يرى الخبراء إن العلاج المناعي يستخدم بالفعل في علاج بعض أنواع السرطان، ولكن لا يوجد حتى الآن لقاح عام ضده، فالسرطان لا يشبه البكتيريا ولا الفيروس ولا الفطريات، والتي يمكن علاجها بالأدوية، وذلك لأن خلايا السرطان هي خلايا من الجسد نفسه، ولكن حمضها النووي مصاب بخلل ما، ولذلك لا يقوم الجهاز المناعي بمهاجمتها.

لكن مؤخرا، تمكن علماء من تطوير عقار مضاد للسرطان من الجهاز المناعي للأشخاص الذين يظهرون قدرة على محاربة المرض، بعد كفاحهم لسنوات طوال من أجل معرفة الفرق بين أنواع السرطان القاتلة وغير القاتلة، ففي السنوات الأخيرة برزت نظرية تفيد بأنه ليس بالضرورة أن يمثل السرطان نقطة ضعف، فقد يكون لدى جهاز المناعة عند بعض الناس قدرة خاصة على احتواء الأورام.

من أجل التخلص من العلاج الكيماوي للسرطان والذي يكون بالعادة مرهقاً للجسم وقد يحدث تأثيرات سلبية عليه، يحاول علماء ضمن مشروع جديد استنفار خلايا مقاتلة من الجسم نفسه ليكون بديلاً عن الإشعاع.

فمن المعروف أن العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي يؤثران على الورم السرطاني بشكل مباشر. غير أن هذا العلاج لا يدمر الخلايا السرطانية فقط بل ربما يؤثر سلباً على خلايا سليمة بالجسم. إلا أن هناك أسلوب علمي جديد يخضع منذ بضع سنوات للدراسة المكثفة ويراهن على استنفار "مقاتلين" من الجسم نفسه في مواجهة الخلايا السرطانية التي تهاجمه. هؤلاء المحاربون هم خلايا الجهاز المناعي.

حيث تتسابق كبرى شركات الدواء لاطلاق ما يمكن أن يصبح أكثر العلاجات فاعلية للوكيميا وأنواع سرطان الدم الأخرى والمعضلة التي تواجه تلك الشركات هو كيف تجعل هذا العلاج متاحا على نطاق واسع وأن تكون تكلفته متناسبة مع ما يحققه من فائدة.

كما يحاول العلماء المتخصصون استخدام تقنية جديدة من خلال كرات دهنية لحمل الأدوية السامة إلى داخل الورم ويحاول هؤلاء العلماء استغلال القدرة على النقل، التي تتمتع بها هذه الكرات الدهنية، بجعلها تنقل الأدوية السامة إلى الورم.

بينما يعتقد علماء آخرون انهم توصلوا الى كشف سر المناعة التي تتمتع بها الفيلة ضد مرض السرطان الذي نادرا ما تصاب به مقارنة بالانسان، رغم ان اجسامها مؤلفة من اعداد اكبر بكثير من الخلايا، من جهة أخرى يعد سرطان البروستاتا من أكثر أمراض السرطان التي تحدث وفيات بين الرجال، وقد أثبت أول عقار يستهدف الطفرات الجينية في سرطان البروستاتا فعاليته في تجربة مهمة قام بها علماء محترفون.

على الرغم من ان مرض السرطان يشكل شبحا مخيفا لكثير من الناس لأنه يهدد حياة الإنسان باستمرار وعلى نحو كبير، الا ان الدارسات الحديثة في مكافحة هذا المرض قد تقدم علاجات جديدة تنعش آمال مرضى السرطان في القضاء عليه.

ماذا يجب أن نعرف عن علاج السرطان الجديد؟

كان المتوقَّع من التقدم الرهيب في وسائل الاتصال، وسرعة نقل المعلومات، وسهولة الوصول إليها، أن تزدهر المعارف الإنسانية أكثر وأكثر، ويزداد الوعي العلمي والطبي لدى عموم الناس، لكن للأسف الشديد حمل الواقع عكس هذا، فقد أسهم الصراع المحموم على امتطاء صهوة الترند، وزيادة معدلات التفاعل السلبي والإيجابي، لا سيَّما على مواقع التواصل، في أن تتوه الحقائق وسط المبالغات والاستعراضات البلاغية، وكان ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية حول عقار السرطان الجديد نموذجًا لهذا الاضطراب، الذي يُعزِّزه أيضًا تفشي الجهل العام بالبحث العلمي وكيفية تقييم قوة أدلته، والمفاضلة بينها.

ركَّزت معظم عناوين المواقع الإخبارية على إشارتيْن مثيرتيْن رئيستيْن في تغطيتها لهذا الخبر. الأولى: هي شفاء المرضى الذين تناولوا هذا العقار بنسبة 100% من السرطان، والثانية: هي تساؤل يحمل من التقرير أكثر مما يحمل من الشك عن الوصول أخيرًا إلى نهاية مباراة صراع البشرية الطويل مع السرطان بالضربة الدوائية القاضية.

وهكذا يتلاعب صُنَّاع الترند مُجدَّدًا بمشاعر وعقول الملايين من مرضى السرطان وذويهم، المتعطشين لكل بادرة أملٍ في شفاء سريع ونهائيٍّ من السرطان، الذي يعاني الكثيرون منه ومن مضاعفاته، وكذلك من نقص فاعلية الكثير من علاجاته التقليدية وآثارها الجانبية العديدة.

والآن، بعد انقشاع غبار الترند ومبالغات وسائل الإعلام، نضع العقار الجديد على الميزان العلمي، ونزِن الحجم الحقيقي لهذا الاكتشاف في مسيرة حرب البشرية الطويلة ضد السرطان.

العقار المذكور اسمه دوستارليماب Dostarlimab، هو علاج مناعي، ينتسب إلى مجموعة الأجسام المضادة أحادية النسيلة، والتي أخذت في السنوات الماضية تحتل مساحة بارزة في علاج أنواعٍ عديدة من السرطانات الخبيثة، عن طريق استهدافها بشكلٍ دقيق بأسلوب يشبه عمل جهاز المناعة، أو يعمل على تحفيز جهاز المناعة الطبيعي لمهاجمة خلايا السرطان. وهذه الأجسام المضادة أحادية النسيلة تشبه الطلقات الموجَّهة، فإنها لا تضرب سوى أنواعٍ معينة من الخلايا السرطانية التي تحتوى على بروتين أو مُستقبِل معين، يتجه الجسم المضاد إليه حصريًّا، وبالتالي فوفق الأدلة العلمية الثابتة المتاحة، فلا يمكن من حيث المبدأ لنوعٍ واحد من الأجسام المضادة أحادية النسيلة أن يعالج كل أنواع السرطان.

والدراسة التي نُشرت نتائجها مؤخرًا في الأسبوع الأول من شهر يونيو/حزيران 2022، في الدورية العلمية المرموقة NEJM وأحدثت تلك الضجة الزلزالية -على حد وصف صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية– في أوساط المهتمِّين بعلاج السرطان، أجُريتْ على شريحة صغيرة للغاية من المرضى، يبلغ عددهم 14 مريضًا، من المصابين بسرطان المستقيم في المرحلة الثانية والثالثة، أي قبل أن يتفشى في الجسم خارج إطار منطقة الجهاز الهضمي السفلي والحوض. وقد أُعطي المرضى العقار الجديد على مدى 6 أشهر، وبالمتابعة الدءوبة لما يقارب السنتين، لاحظ الباحثون شفاء كل هؤلاء المرضى، دون تسجيل أية واقعة لعودة السرطان إلى النشاط مُجددًا، ودون الحاجة إلى جراحاتٍ استئصالية، خلال أكثر من عامٍ كاملٍ بعد الكورس العلاجي.

تقليديًّا، يُعالَج سرطان المستقيم بتضافر مجموعة من العلاجات الكيماوية، مع العلاج الإشعاعي، بجانب العلاج الجراحي باستئصال المستقيم، والأعضاء القريبة منه إن امتدَّ إليها السرطان مثل المثانة البولية والبروستاتا … إلخ. ورغم أن ذلك البروتوكول العلاجي قد حقَّق نتائج جيدة في العديد من المرضى، حتى كانت نسبة النجاة من الوفاة خلال 3 سنواتٍ حوالي 77%، فإن الآثار الجانبية له مؤلمة، لا سيَّما مضاعفات استئصال المستقيم مثل فقدان التحكم في البراز، والتهابات الأعصاب، والاختلالات في الوظائف الجنسية، والعقم.

لم يتم اختيار المرضى قيد الدراسة عشوائيًّا، فقد انتُقوا بعناية من بين هؤلاء الذين يعانون من خللٍ في جيناتهم يُعرفْ بنقص جين إصلاح عدم التطابق، والذي يسمح غيابه لخلايا سرطان المستقيم الغُدِّي -وأنواع أخرى من السرطان- أن تتحايل على جهاز المناعة، فلا يتعرَّف عليها كأجسام عدوة غريبة؛ لمحاربتها، فتأخذ في التكاثر والانتشار بشكلٍ مدمر للأنسجة الطبيعية، ويصعب علاجها بالعلاجات الكيماوية والإشعاعية التقليدية المتوافرة، ولا يكون هناك من حل سوى جراحات الاستئصال فادحة الآثار والمضاعفات. وتُقدَّر نسبة هؤلاء المرضى بحوالي 5-10% من المصابين بسرطان المستقيم. لكن ماذا يفعل عقار دوستارليماب الجديد في هؤلاء المرضى؟

يعمل هذا العقار بآلية تسمى checkpoint inhibitor، حيث يثبِّط وسيلة طبيعية في جهاز المناعة تهدئ من رد الفعل المناعي ضد الأمراض والسرطان، وتستغلها بعض أنواع السرطان للنجاة من استهداف جهاز المناعة. وعندما يقمع العقار تلك الآلية، ينطلق جهاز المناعة من عقاله، ويهاجم الخلايا السرطانية بشراسة فيقضى عليها قضاءً مبرمًا، وهو ما حدث في المرضى الذين خضعوا للدراسة المذكورة، والذين لم يعد يظهر بأجسامهم أي أثرٍ لسرطان المستقيم، سواء بأشعة الرنين المغناطيسي أو بالمسح الذري أو بأخذ العينات وتحليلها باثولوجيًّا في المعمل.

وفقَ الأدلة العلمية المتاحة حتى الساعة، فعقار دوستارليماب يمثل فتحًا كبيرًا عند تلك الشريحة الضيقة من مرضى السرطان الذين يعانون من نقص جين إصلاح عدم التطابق، فهو يحقق معدلات شفاء مذهلة لديهم، ويكفيهم الحاجة للعلاجات التقليدية الكيماوية والجراحية، والتي أحيانًا تؤثر بالسلب على حياة بعض المرضى بشكلٍ يفوق الأثر المباشر للسرطان نفسه. لكننا ما زلنا بحاجة للمزيد من الدراسات، بأعدادٍ أكبر من المرضى المتطوعين الذين يعانون من نفس الاختلال الجيني الذي ذكرناه، سواء المصابون بسرطان المستقيم، أو غيره من السرطانات. ويمكن خلال أعوامٍ قليلة أن تتأكد النتائج الأولية الإيجابية الحالية في أنواعٍ أخرى من السرطان.

لكن إذا نظرنا بوجهٍ عام إلى مجمل الحرب ضد السرطان والمئات من أنواعه التي اكتشفناها حتى الآن، فلا يزال الطريق طويلًا، ولا يبدو حتى الآن أن تلك الحرب يمكن الانتصار فيها بضربةٍ قاضية واحدة، إنما بالفوز بالنقاط في مباراةٍ ماراثونية طويلة لا نعرف متى يطلق الحكم فيها صافرة النهاية. وادعاء أن عقار الدوستارليماب سيقضى على كل أنواع السرطانات مبالغة غير منطقية، نتمناها، ولا نعقلها.

وحتى لا نكون ملكيين أكثر من الملك، فدورية NEJM العلمية المرموقة، والتي راجعت الدراسة ونشرتها، ذكرت في خلاصتها حول نتائج الدراسة: أنها تثبت فقط أن لعقار دوستارليماب والعقارات المشابهة له في آلية العمل، فاعلية وحساسية شديدة في علاج سرطان المستقيم المقتصر على الانتشار محليًّا، ولدى المرضى الذين يعانون من نقص جين إصلاح عدم التطابق، وما يزال هناك حاجة لمزيد من المتابعة طويلة المدى لهؤلاء المرضى لمدة سنوات للتثبت من انتفاء ظهور السرطان الخبيث مستَقبلًا.

علاج واعد لأغلب أنواع السرطانات

منذ نشأة الخلق، لم يتوقف الصراع بين الإنسان والأمراض المختلفة ولو لحظة واحدة، لكن الصراع مع السرطان كان أكثر حدة؛ إذ تسبب المرض في وفاة 9.6 ملايين شخص في عام 2018، وهو ما يمثل سُدس أسباب الوفيات في العالم، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

يصيب "المرض الخبيث" أي جزء من أجزاء الجسم بأنواع مختلفة من السرطانات، مثل سرطانات الرئة، والثدي، والقولون والمستقيم، والمعدة، والكبد، وكأي قاتل محترف، يستخدم السرطان عدة طرق للقتل، لكن طريقته المفضلة هي النمو السريع، وغزو الأجزاء المجاورة، والانتشار إلى الأعضاء الأخرى.

وفي ظل "احترافية" الغزو التي يتحلى بها السرطان، خرجت محاربته من المعامل إلى مكاتب السياسيين؛ فالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وقَّع في عام 1971 على ما يُعرف بـ"القانون الوطني للسرطان"؛ من أجل دعم الأبحاث في مجال علاج السرطان وتطويرها، وهو ما تم اعتباره إعلانًا لبداية الحرب على السرطان (على الرغم من أن كلمة حرب لم ترد في القانون). وبعدها بقرابة 45 عامًا عاد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ليعلن في خطاب حالة الاتحاد عما وصفه بـ"مبادرة جديدة للقضاء على السرطان"، قائلًا: لنجعل من أمريكا البلد الذي نجح في علاج السرطان مرةً واحدةً وإلى الأبد.

ورغم أن تلك الجهود السياسية والعملية لم تحقق تلك الطموحات المرجوة حتى اليوم مع الأسف، إلا أن الصورة باتت أقل قتامة؛ إذ انخفض عدد الوفيات من السرطان في الولايات المتحدة بنسبة 27% تقريبًا بين عامي 1991 و2016 نتيجة التوعية وانخفاض نسبة التدخين، وكذلك بسبب التقدم الملحوظ في طرق الاكتشاف المبكر والعلاج، كما أن نسبة البقاء على قيد الحياة ارتفعت بنسبة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

علاج واحد

قد يكون حلم البشرية الأسمى في معركة السرطان هو التوصل إلى علاج واحد ناجح في التعامل مع جميع أنواع السرطان، وهو الحلم الذي يبدو أننا على موعد مع خطوة كبيرة على طريق تحقيقه، وفق دراسة نشرتها مجلة "نيتشر إمينولوجي" Nature Immunology؛ إذ تمكن فريق من الباحثين بجامعة "كارديف" من اكتشاف نوع من الخلايا المناعية التائية القاتلة التي تملك نوعًا جديدًا من المستقبلات، يمكنه التعرف على أغلب أنواع الخلايا السرطانية وقتلها، دون إحداث ضرر بالخلايا السليمة، ما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج العديد من أنواع السرطان.

وتُعد علاجات الخلايا التائية المضادة للسرطان -والتي تشمل إزالة الخلايا المناعية وتعديلها وإعادتها إلى دم المريض للبحث عن الخلايا السرطانية وتدميرها- أحدث نموذج في علاجات السرطان المطورة.

ويُعرف النوع الأكثر استخدامًا على نطاق واسع باسم CAR-T، وهو مخصص لكل مريض، ولكنه يستهدف عددًا محدودًا من أنواع السرطان، ولم ينجح في علاج الأورام الصلبة التي تشكل غالبية أنواع السرطان؛ إذ تقوم الخلايا التائية التقليدية بمسح سطح الخلايا الأخرى، للعثور على ما يبدو شاذًّا للقضاء على الخلايا السرطانية، مع تجاهُل الخلايا التي تحتوي فقط على البروتينات "الطبيعية"، ويتعرف المسح على أجزاء صغيرة من البروتينات الخلوية المرتبطة بجزيئات سطح الخلية، تسمى مستضد الكريات البيضاء البشرية (HLA)، ما يسمح للخلايا التائية القاتلة برؤية ما يحدث داخل الخلايا عن طريق مسح سطحها.

ويتعرف النوع الجديد على جزيء يسمى MR1 موجود على سطح مجموعة واسعة من الخلايا السرطانية والخلايا الطبيعية، وهو قادر على التمييز بين الخلايا السليمة والسرطانية، إذ يقتل الأخيرة فقط، ما يؤهله ليكون هدفًا لمزيد من العلاجات المناعية.

اكتشف الباحثون أن هذا النوع من الخلايا التائية الموجودة في الدم يمكنه التعرُّف على أنواع كثيرة من الخلايا السرطانية وتدميرها ومهاجمة أنواع كثيرة من السرطان، وتقوم فكرة الدراسة الجديدة على أخذ عينة من دم المريض بالسرطان، ثم يتم استخراج الخلايا التائية من العينة وتعديلها وراثيًّا وإعادة برمجتها من أجل أن تكتسب المُستقبِل القادر على اكتشاف السرطان، ثم تزرع الخلايا المعدلة بأعداد وافرة في المختبر قبل إعادة حقنها في المريض. وهو الأسلوب ذاته المستخدم في برنامج "علاج المستقبلات الخيمرية للخلايا التائية" (CAR-T)، وهو علاج مناعي للسرطان يشمل التعديل الجيني لخلايا تي، لتنشيط الجهاز المناعي من أجل التعرُّف على سرطانات معينة وتدميرها.

تمييز الخلايا السرطانية

تعتمد آلية عمل الخلايا التائية التقليدية على تمييز خلايا الجسم الطبيعية من خلال شفرة متفق عليها، بحيث تتجنب إصابة تلك الخلايا بأي نيران صديقة، وتتمثل هذه الشفرة في مسح سطح الخلايا المحيطة.وفي حالة ما إذا كان هذا السطح طبيعيًّا (يحتوي على البروتينات الطبيعية)، فإن الخلية القاتلة لا تهاجمها بل تتركها في أمان. أما إذا احتوى هذا السطح على جزيئات غير طبيعية (وهو ما يحدث في حالة خلايا السرطان)، فتستعد الخلايا التائية القاتلة بأسلحتها من أجل مواجهة هذه الخلايا وقتلها وإعلان النصر عليها. هذا التعرُّف على الخلايا غير الطبيعية لا يتم بشكل مباشر، بل من خلال ارتباط أجزاء من البروتينات التي تنتج من هذه الخلايا مع جزيئات تسمى مستضدات الخلايا البيضاء البشرية، توجَد على سطح الخلايا المعروفة باسم الخلايا المقدمة للمستضد. وبعبارة أخرى تقوم الخلايا المقدمة للمستضدات بإخبار الخلايا القاتلة عن وجود الخلايا السرطانية عن طريق وضع أجزاء من الخلية السرطانية على سطح الخلية المقدمة للمستضد.

ووفق الدراسة الجديدة، فقد تعرف الباحثون على مستقبِل مختلف للخلايا التائية، يمكنه اكتشاف العديد من الخلايا السرطانية من خلال ارتباط البروتينات أو المستضدات الناتجة منها مع جزيء يشبه مستضدات الخلايا البيضاء البشرية يسمى اختصارًا (MR1)، وهو جزيء لا يختلف من شخص إلى آخر، وبالتالي يمكن أن يكون هدفًا للعديد من العلاجات المناعية.

وكخطوة أولى، جرَّب الباحثون هذه الخلايا في المعمل. وأثبتت الخلايا التي تحتوي على هذا النوع من المستقبِلات فاعليتها في القضاء على العديد من أنواع السرطان دون المساس بالخلايا الطبيعية، وتمثلت الخطوة التالية في تجربة هذه الخلايا على الفئران، لتثبت فاعليتها مرةً أخرى في حيوانات التجارب.

وفي المرحلة الثالثة، قام الباحثون بتعديل خلايا تائية من أحد المرضى كي يوجد على سطحها هذا المستقبِل الجديد، وكانت النتائج مثيرةً للاهتمام؛ إذ وجدوا أن هذه الخلايا لم تقتل فقط الخلايا السرطانية لهذا المريض، بل تمكنت أيضًا من التخلص من خلايا مريض آخر في المعمل.

العلاج المناعي

يقول محمد أسامة العرابي -مدرس طب الأورام بجامعة عين شمس، وغير المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلاج المناعي يمثل أحد خيارات العلاج الموجه الحديثة في علاج السرطان، ولدينا اليوم قائمة طويلة بأنواع السرطان التي يمكن استخدام العلاج المناعي فيها، خاصةً لدى هؤلاء الذين كان لديهم خيارات علاجية محدودة أو أصبحت خلايا السرطان لديهم مقاوِمة للخيارات المتاحة حاليًّا. وقد أثبتت الدراسات الإكلينيكية نجاح هذا النوع من العلاج في زيادة مدة بقاء المرضى على قيد الحياة".

وتابع: لكن مستضدات الخلايا البيضاء البشرية التي تتعامل معها الخلايا التائية تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر، ولا تتطابق إلا في التوائم المتماثلة، وهذا الاختلاف منع العلماء من تصميم علاج واحد يستخدم الخلايا التائية لعلاج الأورام في كل البشر، وأشهر أنواع هذه العلاجات هو CAR-T، إذ يجري تعديل خلايا كل مريض من أجل مهاجمة أنواع محددة من الخلايا السرطانية، لكن المشكلة أن هذا النوع من العلاج لم يكن ناجحًا بشكل عام في الأورام الصلبة التي تمثل الغالبية العظمى من الأورام بشكل عام.

يضيف "العرابي" أن "العلاج المعروف باسم CAR-T أثبت فاعليته في علاج بعض أنواع اللوكيميا والليمفوما بوجه خاص، لكن هذا العلاج قد يرتبط بالعديد من الأعراض الجانبية العنيفة. وأوضح أن هذا العلاج يحتاج إلى عدة أسابيع من أجل التعديل الجيني للخلايا التائية وزيادة عددها قبل إعادة حقنها في المرضى، وهذه المدة اللازمة لتجهيز العلاج من الممكن أن ترتبط بوجود مشكلات، منها أن ينتكس المريض خلال هذه الفترة، وبالتالي نحن بحاجة إلى خيارات أخرى أكثر سرعةً وفاعليةً في الوقت ذاته".

نتائج واعدة

يقول أندرو سيويل -الأستاذ في قسم العدوى والمناعة في كلية الطب بجماعة كارديف، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات ": من غير المعتاد أن نجد مستقبِلًا للخلايا التائية لديه القدرة على التعرف على العديد من أنواع خلايا السرطان، فيما مضى لم يكن أحد يعتقد أن هذا ممكن، ولم يكن هناك مَن يعرف بوجود هذا النوع من الخلايا.

وتُعَد تلك الدراسة استمرارًا للدراسات التي تتعامل مع جزيء MR1 الذي حاز قدرًا كبيرًا من الاهتمام خلال الأعوام الأخيرة. فخلال شهر ديسمبر الماضي نشرت دورية "ساينس" بحثًا عن كيفية ارتباط الخلايا التائية من نوع جاما دلتا مع هذا الجزيء، مشيرةً إلى أن "ارتباط هذه الخلايا بهذا الجزيء يتم من أسفل، وهو على عكس المعتاد من الخلايا من النوع ألفا بيتا، وهو ما يمثل تغييرًا لما كنا نعتقده ونعرفه عن الخلايا التائية خلال العشرين عامًا الماضية".

يعلق "العرابي" بأن "هذه النتائج تبدو واعدةً بشكل مبدئي للمرضي الذين لم يعد لديهم العديد من الخيارات. لكن علينا أن ننتظر نتائج التجارب السريرية والأبحاث التي ستنتج عنها؛ حتى نتأكد بالفعل من فاعليتها وأمان تطبيقها في المرضى"، على حد وصفه. ويمثل هذا النوع الجديد من الخلايا خيارًا واعدًا في العلاجات المناعية؛ إذ يمكن أن يتلافى العديد من العيوب والمشكلات الموجودة في العلاج باستخدام CAR-T، وهو العلاج الذي ثبتت فائدته وفاعليته في عدد محدود من الأورام مع الأسف.

نقلة جديدة

يضيف "سيويل": استخدام الخلايا التائية التي تتعرف على جزيء MR1 يمثل نقلة جديدة مثيرة في عالم العلاج المناعي، وهذا النوع من الخلايا يصلح لعلاج العديد من أنواع الأورام، كما يمكن استخدامه مع كل المرضى، وهو ما لم يكن ممكنًا في الماضي.

وحول الفترة التي يمكن خلالها ظهور هذا العلاج للنور، يقول "سيويل": منذ البدء في نشر الأخبار عن بحثنا تلقيت آلاف الرسائل، بعضها من مرضى يتساءلون عن توقيت إتاحة هذا العلاج، لكنه شدد على أنه ما زال أمامنا سنوات عديدة من العمل حتى نصل إلى العلاج الواحد الناجع للسرطان. وأود أن أؤكد أننا حتى الآن لم نعالج مريضًا واحدًا، كما أوكد أيضًا أن التخلص من السرطان في المعمل شيء، وعلاجه في المرضى شيء مختلف تمامًا. يضيف سيويل: خطوتنا التالية هي البدء في دراسة مدى أمان استخدام هذه الخلايا في المعمل عن طريق دراسة تأثيرها على خطوط الخلايا البشرية الطبيعية، وحتى الآن قمنا بتجربتها على 20 نوعًا من الخلايا الطبيعية ولم يكن هناك أي تأثيرات سلبية، وبعد الانتهاء من هذه الخطوة يمكننا البدء في مرحلة التجارب السريرية على البشر.

بارقة أمل

توصل خبراء إلى عقار "فعال" لعلاج مرضى سرطان القولون والمستقيم. ويتوقع القيام بالمزيد من الأبحاث من أجل معرفة تأثير العقار على أنواع أخرى من السرطان. ما يعطي الأمل لملايين الناس حول العالم.

رغم أن الأحداث السلبية (جائحة كورونا، الغزو الروسي لأوكرانيا، التضخم، ارتفاع الأسعار...) تهيمن منذ مدة على حياة الكثير منا، بيد أن ذلك لم يمنع من ظهور أحداث أخرى إيجابية طال انتظارها بالنسبة لملايين الناس حول العالم.

ففي نتيجة فاجأت الأطباء نفسهم، ذكر موقع مجلة "فوكس" اعتمادا على دراسة نشرت في المجلة الطبية المتخصصة "نيو إنغلاند" أن خبراء في الولايات المتحدة، اكتشفوا فعالية عقار "دوستارليماب" في علاج سرطان القولون والمستقيم، وأضافت المجلة الألمانية أن 18 مريضاً بسرطان القولون والمستقيم خضعوا للتجربة، وتماثلوا للشفاء بعد عام من تلقي العلاج بعقار "دوستارليماب"، و تشير صحيفة "ديلي ميل" البريطانية أن "دوستارليماب" هو عقار يستخدم في علاج سرطان بطانة الرحم عند النساء. وأضافت أنه يمكن استخدام هذا العقار مع المرضى الذين يعانون من أورام ذات تركيبة جينية محددة تعرف باسم "عدم استقرار الساتل الميكروي". وأردفت أن العقار الفعال يساعد الجهاز المناعي على تدمير الخلايا السرطانية.

وقال المشرف على الدراسة الدكتور لويس دياز "أعتقد أنها المرة الأولى التي يحدث فيها هذا في تاريخ السرطان. إنها حقاً خطوة مهمة بالنسبة للمرضى". وأضاف في مقابلة له مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أنه سيتم القيام بالمزيد من الأبحاث من أجل معرفة تأثير العقار على أنواع أخرى من السرطان(المعدة، البروستات،البنكرياس).

وفي نفس السياق، قالت أخصائية الأورام أندريا كريسيك والمشاركة بدورها في الدراسة "لقد كانت هناك الكثير من الدموع السعيدة". وأضافت: تلقينا رسائل سعيدة من مرضى شاركوا في الدراسة وأنهوا العلاج"، حسب ما أورده موقع "ديلي ميل".

وتابع نفس المصدر أنه رغم النتائج الواعدة لعقار "دوستارليماب"، إلا أن المشرفين على الدراسة يشيرون إلى ضرورة القيام بتجارب أكثر وعلى عدد أكبر من الناس. يشار إلى أن مرض السرطان أزهق حياة 10 ملايين شخص في العالم سنة 2020، حسب موقع "منظمة الصحة العالمية".

دوستارليماب فعال بشكل مدهش

تشير النتائج المبكرة التي تم الإبلاغ عنها حتى الآن إلى أن دوستارليماب فعال بشكل مدهش، إذ قال فريق البحث إن النتائج التي شوهدت في كل مريض خضع للتجربة قد تكون غير مسبوقة.

وعن النتائج، قال عالم الأورام لويس دياز جونيور -من مركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة- لصحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) "أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا في تاريخ السرطان".

تجدر الإشارة إلى أن النتائج الإيجابية لم تظهر إلا في 14 مريضًا حتى الآن، وما زالت التجربة جارية. وجميع المرضى يعانون أوراما ذات طفرات جينية تسمى "عوز إصلاح عدم التطابق" (mismatch repair deficiency)، التي تحدث في نحو 5-10% من مرضى سرطان المستقيم.

ويميل المرضى الذين يعانون مثل هذه الأورام إلى أن يكونوا أقل استجابة للعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، مما يزيد من الحاجة إلى الاستئصال الجراحي لأورامهم.

ومع ذلك، يمكن لطفرات "عوز إصلاح عدم التطابق" أيضًا أن تجعل الخلايا السرطانية أكثر عرضة للاستجابة المناعية.

جهاز المناعة يهاجم الخلايا السرطانية

ويقول دياز "عندما تتراكم هذه الطفرات في الورم، فإنها تحفز جهاز المناعة، الذي يهاجم الخلايا السرطانية التي تعاني الطفرات"، وقال الباحث أندريا سيرسيك، أخصائي الأورام، إن "العلاج القياسي (التقليدي) لسرطان المستقيم بالجراحة والإشعاع والعلاج الكيميائي يمكن أن يكون صعبًا بشكل خاص على الأشخاص بسبب موقع الورم.. إذ يمكن أن يعانوا خللا في الأمعاء والمثانة يغير حياتهم، وسلس البول، والعقم، والضعف الجنسي، وأكثر من ذلك".

في تطور مذهل، تجنّب المرضى -الذين سجلوا في هذه التجربة حتى الآن- كل هذه الإجراءات والآثار الجانبية المرتبطة بها تماما، في المرحلة الثانية من الدراسة، أعطي المرضى دواء دوستارليماب كل 3 أسابيع لمدة 6 أشهر، مع العلاج الكيميائي الإشعاعي القياسي والجراحة المزمع اتباعها في حالة عودة الأورام.

وبعد 6 أشهر من المتابعة، أظهر جميع المرضى الـ14 في التجربة "استجابة سريرية كاملة"، مع عدم وجود دليل على وجود أورام يمكن رؤيتها عبر فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي، ومسح التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، والتنظير الداخلي، والخزعة، من بين اختبارات أخرى، في الوقت الحالي، أكمل نحو إجمالي 14 مريضًا العلاج وخضعوا لـ6 أشهر على الأقل من المتابعة.

عانى نحو 3 أرباع المرضى حتى الآن آثارا جانبية خفيفة أو معتدلة، بما في ذلك الطفح الجلدي، والحكة، والتعب، والغثيان، لكن لم يشهد أي منهم حتى الآن نموًا جديدًا في السرطان، إذ كان متوسط المتابعة عاما واحدا، وبعض المرضى ظلوا خالين من السرطان لمدة عامين.

السرطانات الصلبة

وقال اختصاصي الدم و الأورام في شيكاغو، الدكتور باسل الأتاسي، وهو يحمل البورد الأميركي في الأمراض الباطنية إضافة إلى تخصصه في كل من الدم والأورام، إن دوستارليماب دواء جديد من عائلة أدوية السرطان المناعية "جسم مضاد أحادي النسيلة مضاد لـبي دي 1″ (Anti-PD-1 Monoclonal Antibody)، و"إميون تشيك بوينت إنهيبيبتور" (Immune Checkpoint Inhibitor).

ويضيف الأتاسي -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- أن التجارب الأساسية على دوستارليماب كانت على مرضى السرطانات الصلبة مثل سرطان المستقيم وسرطان الرحم ممن يحملون طفرة "عوز إصلاح عدم التطابق".

وقال الدكتور الأتاسي إن "نتائج الدراسة كانت مبهرة فقليل جدا من الدراسات تظهر فعالية بنسبة 100% وهو ما ظهر من خلال الاستجابة الكاملة لـ14 مريض سرطان المستقيم غير المنتشر، تعالجوا بهذا الدواء و تجنبوا العلاجات الصعبة الروتينية، مثل العلاج الكيميائي و الشعاعي والجراحي".

وأضاف "لكن نبقي في الاعتبار أن هذه ما زالت دراسة في أولى مراحلها؛ فمدة المتابعة لهؤلاء المرضى هي سنتين فقط، وأيضا عدد المرضى قليل، وكلما زاد حجم عينة الدراسة وزادت فترة المتابعة، ظهرت النتائج بشكل أوضح".

وقال الدكتور الأتاسي "من الجدير بالتذكير أن هذا الدواء يعطى فقط للمرضى الذين عندهم طفرة عوز إصلاح عدم التطابق فقط، وهي فئة تقدر بنحو 5-10% من مرضى سرطان المستقيم، ولا يعطى لكل المرضى"، وذكر أن دراسات كثيرة الآن تدرس إعطاء الدواء لمرضى آخرين غير المستقيم و الرحم.

كلفة دوستارليماب

وقال الدكتور الأتاسي إن ‏دواء دوستارليماب جديد وليس موجودا في كل الدول، ويمكن الاستعاضة عنه بأدوية مناعية أخرى لها آلية العمل ذاتها وتفي بالغرض نفسه، مثل دواء "بيمبروليزوماب" (Pembrolizumab).

وفي إجابة عن سؤالنا بشأن سعر دوستارليماب، قال الدكتور الأتاسي إن دواء دوستارليماب غالي مثل باقي الأدوية المناعية، ويصل سعره في أميركا إلى أكثر من 10 آلاف دولار للجرعة الواحدة.

اضف تعليق