ملفات - تحقيقات

استطلاع عن العنوسة في المغرب

أرقام مقلقة والواقع الاجتماعي لا يشجع على الزواج

تعتبر العنوسة مشكلة اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع المغربي، حيث إنَ هذه المشكلة لم تقف عند حد أنَها تتسبب في تأخر سن الزواج فقط بل إنَها تمثل أيضا معولا لهدم القيم الأخلاقية للمجتمع المغربي بشكل عام، من خلال زيادة نسبة الانحرافات الجنسية والشذوذ، والقضاء تدريجيا على مفهوم الأسرة.

وأشارت المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية) في إحصائيات لها، أنّ الأرقام الرسمية الصادرة في هذا الصدد أصبحت مقلقة، فالعنوسة أضحت تهدد الهرم السكاني للمغرب، وساهمت في انخفاض الخصوبة في السنوات الأخيرة، أكثر من 60 في المائة من المغربيات من بين 20 و24 سنة غير متزوجات، وأكثر من 28 في المائة من المغربيات ما بين 30 و34 سنة "عانسات". فالأشخاص غير المتزوجين يقضون بقية حياتهم عزابا، كما جاء في أرقام المندوبية السامية للتخطيط. فالعنوسة تسجل في وسط الفتاة المتعلمة وغير المتعلمة، العاملة في القطاع الخاص وحتى الإدارات العمومية، هذه الأخيرة تسجل نسبة 38.51 من الموظفات غير المتزوجات، مع العلم أن النساء العاملات في القطاعات الحكومية لا يمثلن سوى 7.7 في المائة من مجموع العاملات في المغرب.

القضية “قضية العنوسة” متداخلة ومتشابكة ومتشعبة، تدخل فيها عوامل كثيرة، أولها العامل الاقتصادي، وثانيهما العامل الاقتصادي وأخيرا العامل الاقتصادي. والمصيبة الكبرى أنَ للعنوسة أعراضا، منها القلق والتوتر والأرق والعصبية والاكتئاب، وأخيرا هو المهم أنَ 57 في المائة من البنات العوانس لا يستمر زواجهن، لو تزوجن في سن متقدمة، لأنَ قدراتهن العصبية والنفسية تكون قد تشكلت بشكل لا يسمح بالاستمرار. وتؤثر العنوسة في البناء الديمغرافي للمجتمع، بمعنى أنَ عدم الإقبال على الزواج يؤدي إلى خلل في النمو السكاني كنقص أو زيادة السكان من ناحية، أو زيادة الإناث عن الذكور أو العكس من ناحية أخرى... وليس من شك أنَ إشكالية عزوف الشباب المغربي عن الزواج، قد أفرز ظاهرة نفسية واجتماعية خطيرة، تتجلى في ظاهرة التحرش والاغتصاب الجنسي وتوابعها كالانحراف الجنسي وانتشار الأمراض الجنسية والفسق والفجور والزواج السري...

أسباب العزوف عن الزواج:

في دراسة للباحثة الاجتماعية “خ. ك”، أكدت من خلالها أنَ مشكل البطالة والمدخول الهزيل يمثل نسبة 85.79 في المائة من الأسباب التي تحول دون إقدام الشباب على الزواج، في حين يمثل الفقر وغلاء المعيشة 79.70 في المائة، وشيوع الصداقة والمعاشرة دون زواج 74.11 في المائة، وطغيان المفهوم المادي للزواج 71.57، الهجرة وتفضيل الزواج بالأجنبيات 50.25 في المائة، الخوف من المشاكل الزوجية والطلاق 47.72 في المائة، قوانين مدونة الأسرة 47.21 في المائة، الافتتان بموضة الحرية الفردية والتمتع بالحياة 44.16 في المائة، الانترنت والعلاقات الالكترونية 36.04 في المائة.

والوقوف عند هذه الدراسة وما تحمله من أرقام يقودنا لملامسة الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب، حيث لابد من أخذ هذين العنصرين وغيرهما بعين الاعتبار، ونحن نناقش العنوسة، ففي دراسة ميدانية للظاهرة أثبت أكثر من 70.50 في المائة من المستجوبين أنَ من أسباب العزوف عن الزواج، اللجوء إلى الصداقة والمعاشرة دون الزواج، بينما 69.4 في المائة يهربون من الزواج لإيمانهم بأنَهم معقدون ومرضى. أمَا الكبت الجنسي والحرمان فقد شمل 56.35 في المائة من المعرضين عن الزواج، وقد عبَر 43.15 في المائة عن خوفه من الزواج حتَى لا ينتج أبناء مهمشون ولا مستقبل لهم في المجتمع، أمَا 27.92 في المائة فقد رأت أنَ الزواج لا فائدة منه وهي تفضل الحرية والحياة الطبيعية.

الفتاة العانس في ظل الظلم الاجتماعي:

تعد كلمة العنوسة مصطلحا اجتماعيا بعيدا عن المعيار العلمي والواقعي، حيث يتم ربطه بالتشفي والقهر والإذلال والعصبية والدونية. فمثلا لاحظنا أن مجرد إطلاق لفظ عانس على فتاة معينة، أو خوفها من إطلاق هذا اللفظ عليها من أبناء الجيران وأهالي الحي الذي تسكن فيه يسبب ما يسمى بأعراض العنوسة، وأعراضها، المقصود بها الأرق المتزايد والرغبة لدى الفتاة في القيء والتوتر والنزيف الرحمي، ومن خلال البحث الميداني اكتشفنا أن 37 في المائة من البنات العوانس يصل بهم الأمر إلى التقلصات الرحمية المؤلمة لما لمنطقة الرحم من تأثير وتأثر متبادل بالرغبة في الزواج أو الحديث عنه، فالمناطق التناسلية الأنثوية هي الرمز في مثل هذه الحالات وهي التي تنعكس عليها كثير من الأحاسيس والعواطف فيما يتعلق بالعنوسة وعدم الزواج. ومن السمات الشخصية للفتاة العانس: الميول العدوانية الكامنة نحو النساء المتزوجات والتعلق بالأب بطريقة مرضية، الميل نحو الانطواء والانعزال والتمرد على الأسرة والمجتمع بوجه عام، والشعور بالاغتراب النفسي والعيش بمنأى عن الواقع المعاش، وسيطرة النزعة التشاؤمية من الحياة والشعور بالإحباط المستمر.

وفي هذا الصدد أكدت “ح. أ” طبيبة نفسية، أنّ العانسات أكثر تعرضا للاكتئاب عن بقية النساء، والأسباب تمتد من التغيرات الهرمونية كتلك التي تحدث في الدورة الدموية، مرورا بالمشكلات المتعلقة بالدور الأنثوي ووصولا إلى التميز والظلم الاجتماعي الذي تتعرض له العانس، حيث تشعر بمشاعر الشك والحيرة واللاحول والسلبية، ويكمن السبب في أنهن يشعرن بقلة السيطرة على مجالات مهمة من الحياة، الأمر الذي يقود من ناحية إلى إرهاقات مزمنة، تستجيب لها العانسات بانشغال سلبي وليس إيجابيا، ومن تم ينزلقن في حلقة مفرغة مسببة للمرض، فالانشغال يرفع من الإرهاق المزمن، والضغط المتزايد يقوي من الانشغال وهكذا... كما أنَ الانشغال السلبي يستهلك من العانس دافعيتها وطاقتها ورغبتها في الحياة، وبذلك تصبح العانس غير قادرة على تحسين المواقف غير المرضية لها بطاقاتها الذاتية، فتلجأ إلى الانسحاب من الواقع. فالملاحظ دائما عند العانسات ندرة طرح هرمون “الاندروفين” وهو مضاد الألم الطبيعي، وتعرف بهرمونات السعادة والفرح، ولذلك يجب أن تدرك العانس طبيعة كل فترة زمنية تمر عليها بخاصة أوقات البرد التي تزيد فيها حالات الاكتئاب، ويحدث انخفاض سريع وشديد لهرموني “لاستروجين” اللذين يمتلكان تأثيرا مضاد طبيعيا للاكتئاب.

العنوسة جرح اجتماعي:

أمَا الباحثة الاجتماعية “ ذ.خ.ك “ فأكدت لنا، أنَ ظاهرة العنوسة تحدث جرح اجتماعي مؤلم للعانس، يبدأ بانكسار داخلي في أعماق نفس الفتاة وتزداد حدَته عندما تكون لها أهداف خاصة في الحياة من خلال زوج مثالي أو أبناء يملأون عليها حياتها، كما يقولون، عندئذ تطاردها فكرة العنوسة، وما يترتب عليها من حالة ذعر، رغم أنًها من الممكن أن تكون في سن صغيرة لم تتجاوز بها مرحلة العنوسة، لكنها تشعر بها وتزداد قوة هذا الشعور حسب الطبقة التي تنتمي إليها الفتاة، فالطبقة الفقيرة لا تعاني من العنوسة لأنَها ترضى بأي زوج حتى تستر على أبناءها، أمَا الطبقة العليا، فالحالة الاجتماعية الراقية تجعل من العانس غير بحاجة إلى زوج ما دامت تمتلك المال القادر على أن يلبي لها كل رغباتها، والمشكلة هنا في الطبقة المتوسطة التي دائما ما تغالي الأسر فيها في المهر والطلبات... فيتم رفض الشاب المتقدم ويتكرر الرفض مع شاب آخر، لتبدأ الشماتة في البنت من الجيران وإصدار الأحكام الاجتماعية القاسية تدفع الفتاة ثمن رفض أسرتها لمن تقدموا لها.

لذلك دائما ما تنتشر الأمثال الشعبية التي تعبر عن تلك الحالة في المناطق الشعبية مثل: “قعاد الحزينة ولا زواج الزينة” و”ألف الخطاب وفين طار المكتاب” و “من كثرة خطابها بارت”... وتلفت الباحثة الاجتماعية، انتباهنا لنقطة مهمة جدا، وهي أنَ الفتيات لا يدركن حقيقة عدم تزامن نضوج الذكر جسديا وماديا مع نضوج الأنثى، وهذا يجعل هناك أزمة في زواج الفتاة يمكن أن تظل لمدة جيل كامل، بمعنى أنَ الفتيات يمكن أن يتزوجن زيجة طبيعية جدَا في الثلاثين انتظارا لنضج الجيل الذي ينوي الزواج من الذكور، لكن غالبا ما يحدث أن الفتيات يستعجلن فكرة الزواج، لدرجة أنَ لقب عانس في القرية أصبح يطلق على من تنتهي دراستها الجامعية دون أن تتم خطبتها، ممَا يعرض البعض منهم لاكتئاب يؤدي للرضا بأي عريس، وتطبق المثل القائل: “اللهم ظل راجل، ولّى ظل الحيط”، لتبدأ في التنازل عن أهدافها وأحلامها وترضى بأن تكون زوجة ثانية أو حتَى زوجة في السر، حتَى تشبع احتياجتها النفسية والجسدية ما يجعلها بعد هذا التنازل في حالة نفسية سيئة.

العنوسة وقطار التنمية:

أمَا الدكتورة الجامعية “صباح ب” فأوضحت أنَ ظاهرة العنوسة تهدد التنمية البشرية بكاملها بالانقراض، ذلك أنَها تحول دون تكوين العنصر البشري الذي هو أساس التنمية. والعنوسة لن تنمحي من المجتمع المغربي ما دام الرجل يختار الوحدة ولا يقترب من المرأة التي تكمله بالزواج، فإنَ تأخر سن الرجل في الزواج يحول دون زواج المرأة، التي هي أصلا أكثر عددا من الرجل. ولعل هذا هو السبب في كونها تتعرض للضغوطات النفسية أكثر من الرجل العانس الذي أعطاه الشرع الزواج بأربعة فقط من أجل تشجيع الإنجاب وتكثير النسل، فكأنَ المعادلة ستحل لنا إشكالا طالما استشكلناه، ألا وهو لماذا يمكن للزوج أن يتزوج من أربعة دون الزوجة الواحدة؟ ذلك أنَ المرأة تصل سن اليأس في الخمسين من العمر على الأكثر، والزوج إلى الموت وهو قادر على الإنجاب.

تتشكل من الرجل الواحد أربعين نسمة، قد تنتظم إذا قسَم الزوج حياته إلى فترتين: الأولى 45 سنة: 20 نسمة من زوجتين، والفترة الثانية 45 سنة الأخرى: 20 نسمة من زوجتين أخرتين، وهكذا فعشرة رجال يعطوننا 400 من الساكنة، وإذا كان الرجل يفرز للمجتمع 40 نسمة للمجتمع بزواجه، فإنَ المرأة لا يمكنها أن تنجب إلا 10 أبناء على الأكثر، وإذا لم يتزوجها الرجل إلا بعد عنوستها قل عدد ولادتها، وإذا علمنا حاليا رغبة المرأة في تحديد النسل، في طفل أو طفلين تبعا لحياة الرفاه التي نريدها له، علمنا أنَ العنوسة إضافة إلى تحديد النسل تعطينا انقراض النسل بعد حين، وبالتالي انعدام التنمية. لهذا علينا أن نجدد اختياراتنا على ضوء الواقع ومتغيراته، ولنعمل كل في موقعه، غير عابئين بما يمليه علينا المنظّرون من فوق، فلننزل إلى الواقع ولندرس حاجاتنا، ولنرتب أولوياتنا، حتى لا نهلك مع الهالكين.

أين الحل؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه أمام تزايد أعداد العانسات. وبعيدا عن الحلول الاجتماعية والاقتصادية، اقترح البعض في الفترة الأخيرة الحل بتخصيص الحكومة ميزانية للأسرة حيث يوفر احتياجات الزواج للفتاة والفتى من مسكن قريب لعملهما، ومساعدات للشباب المقبلين على الزواج، أو أن يتم تخصيص مبالغ مالية لهم من زكاة المحسنين أو من جملة الضرائب. ولعلاج ظاهرة العنوسة لابد من تحديد حجم المشكلة التي وصلنا إليها، وتيسير شروط الزواج مثل تبسيط المهور، وتوفير فرص العمل للشباب من الجنسين بهدف الزواج وتكوين أسرة وبداية مشوار الحياة الاجتماعية الكريمة، وإقناع الشباب بأنَ الزواج ليس صفقة تجارية وإنَما هو نظام اجتماعي إنساني يقوم على الحب والمودة والرحمة والسكينة بين الزوجين، والتخلص من العادات والتقاليد في تزويج الفتيات.

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق