إسلاميات - عقائد

ابرز الادلة على وجود الله الخالق: الهداية الالهية في عالم الحيوان

صورة رابعة من برهان النظام
بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

اذا طالعنا حياة الحيوانات والحشرات وجدنا ـ بوضوح ـ انها تهتدي الى سبل حياتها، وانها تشق طريقها عبر الحياة للوصول الى الأهداف المطلوبة من خلقها ووجودها، دون أن تتلقى تربية أو تعليماً من أحد!

فما هو مصدر هذا الاهتداء الذي يلمسه كل متأمل في حياة الحيوانات والحشرات وتصرفاتها؟!

هل يمكن أن يستند إلى الجهاز الموجود في نفس الحيوانات أو الى الغريزة التي طبعت عليها، أو لابد أن يستند الى أمر وراء ذلك، وهو الذي نسميه بالإلهام.

ان البرهان المحاضر يعتمد على دلالة اهتداء الحيوانات الى سبل معيشتها على وجود ملهم لها هو الذي يهديها في خضم الحياة، وان هذا الملهم الهادي ليس امرا مادياً، بل هو أمر غير مادي وهو الذي نعبر عنه بالله سبحانه، أو من يلهم بأمر منه سبحانه. هذا هو خلاصة البرهان المطروح في هذا البحث وسيوافيك تفصيله

ولكن قبل الخوض في ذلك يجب أن نذكر نماذج من هذه الظاهرة (أي اهتداء الحيوانات الي احتياجاتها وطرق تلبيتها ورفعها) واستنتاج ما يمكن استنتاجه من النقاط منها، ولابد هنا من الاشارة الى ان مثل هذه الأمثلة وان كانت جزئية الا انها صالحة لان تكشف عن قانون عام في مجال الحيوان، كما هو شأن القضايا الجزئية المتعددة التي تكشف عن قوانين كلية في المجالات الاخرى.

نماذج من ظاهرة الاهتداء في عالم الحيوان:

تقوم الحيوانات من طيور ودواب وحشرات في حياتها بتصرفات عجيبة وفعاليات معقدة يحتار الانسان في تفسيرها وتدفع به الى الدهشة والاعجاب، واليك فيما يأتي نماذج من ذلك:

١ ـ عالم النمل الغريب:

اذا نظرنا إلى النمل التي تعيش في بيوتنا وتأملنا في تصرفاتها لوقفنا على عالم صاخب بالفعاليات الدؤوبة وحياة زاخرة بالنشاطات المنظمة التي تقوم بها هذه الحشرة، فهي منذ أن تخرج عن بيوضها تعرف كل احتياجاتها وطرق رفعها دون أن تتلقى درساً من أحد فهي تعرف كيف تصنع المساكن والاعشاش، وتضع البيض، وتجمع الحب وتحافظ عليه من الفساد بتفتيته حتى لا ينبت في الرطوبة وتقوم بنشره وتجفيفه، وكيف تستفيد من الحشرات والديدان لمصلحتها وكيف تزرع وتقوم بأعمال الشتاء في فصل الصيف وتتحسب للمستقبل وكيف تتقاسم الاعمال والوظائف والواجبات في خلاياها وتجعل لبيوتها منافذ تسدها في القروتفتحها في الحر وكيف تدافع عن نفسها مستخدمة اسلوب الانسحاب التكتيكي ثم صيد العدو والقضاء عليه!!

فمن أين تلقت هذه الحشرة هذه العلوم المتعلقة بالزرع والبناء والدفاع، وكيف اهتدت الى سبل حياتها، وكيفية رفع احتياجاتها (1)؟

ان القول بأن هذه الحشرات تلقت هذه المعلومات والمعارف عن طريق الوراثة لا ينطبق مع الحقيقة لان العلوم الاكتسابية غير قابلة للتوارث فلا يكون ابن الطبيب طبيبا، وابن النجار نجارا.

2 ـ مملكة النحل المنظمة:

النحلة هذه الحشرة الشاربة لرحيق الأزهار الصانعة منه عسلا منذ أن تخرج من بيوضها، وتجد طريقها للطيران خارج الخلية لتتجه نحو الأزهار تتمص عصارة أفضلها لتصنع ما هو شفاء للناس ولذة وتبني بيوتها السداسية بدقة متناهية وبمقاییس ثابتة.

أن العجيب في هذه الحشرة انها تجد خليتها مهما طمست الريح ـ في هبوبها ـ على الاعشاش والأشجار وحاسة العودة هذه هي ضعيفة في الانسان، ولكنه يكمل عتاده القليل ويصل الى مقصده بما يخترعه من الادوات والآلات.

ان العاملات من النحل تصنع حجرات مختلفات الاحجام، وتعد الحجرات الصغيرات للعمال، والاكبر لذكور النحل، وتعد غرفة خاصة للملكات الحوامل.

والنحلة الملكة تضع بيضاً غير مخصب في الخلايا المخصصة للذكور، وبيضاً مخصباً في الحجرات الصحية المعدة للعاملات الاثاث والملكات المنتظرات والعاملات اللائي هي اناث معدلات بعد ان انتظرن طويلا مجيء الجيل الجديد تهيأن أيضا لإعداد الغذاء للنحل الصغير بمضغ العسل واللقح، ومقدمات هضمه عند مرحلة معينة من تطور الذكور، والاناث اللائي يعالجن على هذا الشكل يصبحن عاملات.

أما الاناث اللائي في حجرات الملكة فان التغذية بالمضغ ومقدمات الهضم تستمر عندهن وهؤلاء اللائي يعاملن هذه المعاملة الخاصة يتطورن إلى ملكات نحل وهن وحدهن اللائي ينتجن بيضا مخصبا وعملية تكرار الانتاج هذه تتضمن حجرات خاصة وبيضا خاصا كما تتضمن الأثر العجيب الذي لتغيير الغذاء، وهذا يتطلب الانتظار والتمييز والتطبيق لاكتشاف أثر الغذاء (2).

ان الزنبور يصيد الجندب (النطاط) ويحفر حفرة في الارض ويخز (3) الجندب في المكان المناسب تماما حتى يفقد وعيه ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ.

ثم ان انثى الزنبور تضع بيضاً في المكان المناسب بالضبط (من جسم ذلك الجندب الملدوغ الفاقد الوعي) حتى اذا فقست امكن لصغارها أن تتغذى به، دون أن تقتل الحشرة التي هي غذاؤها فيكون ذلك خطراً على وجودها ثم ان انثی الزنبور تغطي حفرة في الأرض وترحل فرحاً ثم تموت فلاهي ولا أسلافها قد فكرت في هذه العملية ولا هي تعلم ماذا يحدث لصغارها (4).

٣ ـ تجديد العضو الضائع:

أن كثيراً من الحيوانات تسارع الى تعويض ما ضاع وتلف منها من عضو، فهذا هو «سرطان البحر» اذا فقد مخلباً وعرف ان جزء من جسمه قد ضاع سارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا، ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل لأنها تعرف بطريقة ما أن وقت الراحة قد حان.

كما ان كثير الارجل المائي ـ وهو حيوان اسفنجي يعيش في المياه الحلوة اذا انقسم قسمين استطاع أن يصلح نفسه عن طريق أحد هذين النصفين.

واذا قطعت رأس دودة الطعم تسارع الى صنع رأس بدلا منه.

ونحن نستطيع أن ننشط التئام الجروح ولكن متى يتاح للجراحين أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعا جديدة، أو لحما أو عظما، أو اظافر أو أعصابا؟.

4 ـ الحنين الى الوطن:

ان الطيور تعود الى أوطانها مهما ابتعدت عنها فعصفور الهزار الذي عشعش ببابك يهاجر جنوباً في الخريف ولكنه يعود الى عشه القديم في الربيع التالي وفي شهر سبتمبر تطير أسراب معظم طيورنا الى الجنوب وقد تقطع ـ في الغالب ـ نحو ألف میل فوق عرض البحار ولكنها لا تضل طريقها!! والحمام الزاجل اذا تحير ـ من جراء أصوات جديدة في رحلة طويلة داخل قفص ـ يحوم برهة ثم يقصد ـ قدما ـ الى موطنه دون أن يضل!!

وهكذا في الأسماك فان سمك السلمون الصغير يمضي سنوات في البحر ثم يعود الى النهر الخاص به، والاكثر من ذلك انه يصعد جانب النهر الذي صب عنده النهير الذي ولد فيه، فما الذي يجعل السمك يرجع الى مكان مولده بهذا التحديد؟!

ان سمكة السلمون التي تسبح في النهر صعداً اذا نقلت الى نهير آخر، أدركت تواً انه ليس جدولها، فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر، ثم تحيد ضد التيار قاصدة الى مصيرها.

وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلب الحل وهو الخاص بثعابين الماء التي تسلك عكس هذا المسلك فان تلك المخلوقات العجيبة متى أكتمل نموها هاجرت من مختلف البرك والانهار، واذا كانت في اوربا، قطعت الاف الاميال في المحيط قاصدة كلها الى الاعماق السحيقة، جنوبي برمودا، وهناك تبيض وتموت.

أما صغارها تلك التي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شيء سوى انها في میاه قفرة فانها تعود أدراجها وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها ومن ثم الى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة.. ولم يحدث قط أن صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الأروبية، أو صيد ثعبان ماء اوربي في المياه الامريكية.

والطبيعة تبطيء في الماء ثعبان الماء الاوربي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي تقطعها، فما الذي أوجد في ثعبان الماء الحافز الذي يوجهها لذلك (5).

5 ـ انتخاب الوظيفة والملائمة مع البيئة:

من الأمور العجيبة والمحيرة في عالم الحيوانات هو انتخاب الوظائف والملائمة مع البيئة، وهو ما ينطبق على الخلايا.

فكل كائن حي مؤلف من ملايين الخلايا ومع أن جميع هذه الخلايا بدأت من خلية واحدة لا أكثر، ولكن مع ذلك فان خلية كل عضو من أعضاء الجسم ـ القلب والمخ والعظم والكبد والرئة ـ تمتص من الغذاء ما يناسب ذلك العضو دون غيره، والى هذا أشار العلامة كریسي موریسن قائلا: «قد يمكن السؤال عما اذا كان للخلايا فهم وادراك أم لا.

ان الخلايا ترغم على تغيير شكلها وطبيعتها كلها حتى يتمشى مع احتياجات الكائن الذي هو جزء منه، وكل خلية تنتج في أي مخلوق حي ـ يجب أن تكيف نفسها لتكون جزء من اللحم، أو أن تضحي نفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث حتى يبلی. وعليها أن تضع ميناء الأسنان، أو تنتج السائل الشفاف في العين، أو أن تدخل في تكوين الانف والاذن، ثم على كل خلية أن تكيف نفسها من حيث الشكل، وكل خاصية أخرى لازمة لتأدية مهمتها.

ومن العسير أن نتصور أن خلية ماهي ذات يد يمني أو يسرى، ولكن احدى الخلايا تصبح جزء من الاذن اليمنى بينما الاخرى تصبح جزء من الاذن اليسرى».

6 ـ وسائل الحماية، واساليب الدفاع:

ان احدى العناكب (جمع عنكبوت) المائية تصنع لنفسها عشاً على شكل منطاد (بالون) من خيوط بيت العنكبوت، وتعلقه بشيء ما تحت الماء، ثم تمسك ـ ببراعة ـ فقاعة هواء في شعر تحت جسمها، وتحملها الى الماء ثم تطلقها تحت العش، ثم تكرر هذه العملية حتى ينتفخ العش، وعندئذ تلد صغارها وتربیها، آمنة عليها من هبوب الهواء، فها هنا نجد طريقة النسج بما يشمله من هندسة وتركیب وملاحة جوية!!

ثم أن هناك نوع من الفراشات مضطرة للطيران ليلا، وربما اصطدمت بحواجز في حالة الحركة والطيران بحثا عن الغذاء، ولذلك زودت بجهاز رادار يمكنها من التعرف على الحواجز بواسطة الأمواج التي تبعثها، فتغير مسيرها واتجاهها فوراً.

لقد زودت هذه الفراشة، وبعض الاحياء الاخرى بمثل هذا الجهاز قبل أن يتعرف العلم الحديث على جهاز «الرادار» ويتمكن من الاستفادة من الأمواج المعرفة الاجسام والحواجز والموانع.

ثم ان «خيار البح» اذا طارده عدو استطاع أن يقبض عضلاته الداخلية ويمزق بعض أحشائه ويلفظها خارج جسمه، فاذا ما انصرف العدو الى التهامها أسرع الحيوان الى الفرار، ولا تلبث الأحشاء الداخلية أن تعود مرة أخرى كما كانت.

هذه نماذج من ظاهرة الاهتداء الى الاحتياجات وطرق رفعها وتلبيتها في حياة الحيوانات، وهي حقيقة ظاهرة للعيان يجدها كل متتبع ومتأمل في تصرفات الاحياء وكل مطالع للكتب والدراسات المرتبطة بعلم الحيوان.

غير أن المهم هنا هو معرفة مصدر هذا الاهتداء وعلته، فهذه الجهة هي المهمة في هذا البحث، فما هو مصدر هذا الاهتداء؟ وما هو منشؤه؟.

هناك ثلاثة احتمالات نذكرها بعد أن نلخص أهم النقاط التي نجدها في تصرفات الحيوانات:

ما هو مصدر الاهتداء في عالم الحيوان؟

قبل الاجابة على هذا السؤال واستعراض الاحتمالات المطروحة ومناقشتها نشير الى خلاصة النقاط التي نستخلصها من تصرفات الحيوانات والحشرات على ضوء ما ذكرناه فنقول:

اننا نلاحظ في تصرفات الحيوانات والحشرات أموراً هي:

١ ـ انها تعرف احتياجاتها في معيشتها، وتهتدي إلى طرق تحصيلها، ورفعها بدون معلم.

2 ـ ان هذه الاحياء تعرف جيداً كيف تقسم الواجبات وتوزع الوظائف وتختارها، وكيف تتعاون معاً للقيام بشؤونها.

٣ ـ انها تعوض عن العضو الضائع التالف منها بشكل رائع فوراً.

4 ـ انها تتكيف مع البيئات المختلفة، وحتى بإيجاد طائفة من التغييرات في نفسها أحياناً.

فما هو منشأ كل هذه التصرفات الواعية لدى هذه الحيوانات والحشرات؟! هناك ثلاثة احتمالات هي:

الاحتمال الأول) أن هذه الحيوانات تقوم بهذه الأفعال والفعاليات العجيبة عن طريق المحاسبة، والتفكير، والتجربة، والاستنتاج، كما يفعل الانسان العاقل، ولكن هذا الاحتمال مرفوض لان الحيوانات تفتقر الى العقل والفهم والقدرة على المحاسبة والتفكير، ولا يرجع أعمالها وأفعالها إلى التجربة والاستنتاج، والبرهنة والاستدلال.

(الاحتمال الثاني) أن يكون منشأ هذه الاعمال العجيبة كيفية التركيب الجسماني، والتنظيم البدني لهذه الحيوانات أي أن جهازها المادي بما له من التركيب والنظم الخاص يقتضي أن تقوم هذه الأحياء بمثل هذه الفعاليات العجيبة، والنشاطات المحسوبة.

فكما ان التركيب الالي الخاص لجهاز الساعة يستوجب أن تقوم الساعة ـ بعد صنعها ـ بفعاليتها بصورة صحيحة لمدة طويلة من الزمن، فكذا يستوجب التركيب والنظم الخاص في جهاز الحيوان أن تقوم بمثل هذه الأفعال العجيبة المحسوبة من انتخاب الوظائف والملائمة مع البيئة.

ولعل ما يريده المشتغلون بعلم الحيوان من الغريزة هو هذا الأمر، فانهم يحتشدون من الغريزة ان الافعال العجيبة التي يقوم بها الحيوان هي خاصية تركیبه الوجودي.

وسيوافيك ـ عند طرح ودراسة الاحتمال الثالث ـ بطلان هذا الاحتمال وانه من غير الممكن تفسير كل تلك الفعاليات العجيبة التي تقوم بها الحيوانات بمثل هذه النظرية.

(الاحتمال الثالث) ويذهب هذا الاحتمال الى ان الفعاليات والنشاطات التي تقوم بها الحيوانات تتنوع الى نوعين: نوع يكفي في الاهتداء اليها نفس الجهاز الموجود في جسم الحيوان بما له من التركيب والنظام الخاص.

وفي هذه الصورة يكون نفس ذلك الجهاز المادي بما له من التركيب الخاص كافياً لحدوث تلك الفعاليات وصدور النشاطات من الحيوانات، ويكون الحيوان حينئذ بمنزلة الاجهزة الميكانيكية التي يكفي مجرد النظم المادي الخاص فيها، في حدوث وصدور طائفة من الأعمال منها.

والنوع الثاني ما لا يكفي الجهاز المادي فيه لصدور تلك الفعاليات والمواقف منه، بل يحتاج الى عامل آخر وراء ذلك يبين المسير ويملي على الشيء الموقف اللازم اتخاذه في الحالات غير المتوقعة.

وهذا يتجلى بوضوح عندما يقوم الشيء بعملية الابتكار والاختيار، فان ذلك لا يمكن أن يستند الى طبيعة النظام الحاكم في الجهاز المادي للشيء لانه ليس للجهاز المادي الا أن يقوم بما رسم له سلفاً لا أن يبتكر أو يختار عندما يلزم ذلك ويتعين على الشيء أن يختار موقفاً أو يعمل عملا ابتكارياً، وذلك عندما يواجه أمراً غير مرتقب بالنسبة الى ذلك الجهاز، ولا متوقع.

وصفوة القول: أن الجهاز المادي لا يمكن أن يقوم بعملية الاختيار والابتكار وانما يجري على ما صنع عليه وعبئ فيه، وصمم عليه وجوده وذلك كالآلة الحاسبة فانها بحكم تركيبها الالي، وما أودع في جهازها من نظام، قادرة على اجراء العمليات الحسابية الاساسية الأربعة (الجمع والطرح والضرب والتقسيم) فقط وليست قادرة على أن تصحح ما قد يقع في ذهن صاحبها أو الخطأ الواقع في الرقم الذي يلقيه اليها، أو أن تبتكر من لدن نفسها نظرية جديدة في الحساب، فان ذلك يحتاج الى قدرة على الاختيار يفتقر اليها ذلك الجهاز (6).

اذا عرفت هذا فلننظر الى تصرفات الحيوانات والحشرات، انها تلائم نفسها مع البيئة الجديدة تختار الوظائف، تبادر الى تعويض العضو التالف منها، توزع الواجبات، تختار...

فاذا لم يمكن اسناد كل ذلك الى العقل لفقدانه في الحيوانات ولا الى طبيعة الجهاز المادي لكونه أمرا غير مترقب في ذلك الجهاز، يبقى الاحتمال الثالث وهو دخالة عامل الالهام في هداية هذه الحيوانات لاتخاذ ما يجب اتخاذه عند مواقع الاختيار وموارد الابتكار والانتخاب وهو ما يسميه القرآن الكريم بالوحي.

القرآن الكريم والهداية الالهية للحيوانات

ان القرآن الكريم يعزي اهتداء النحل ـ مثلا ـ الى سبل حياتها الى الوحي الإلهي لها، اذ يقول:

﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل 68 ـ 6۹).

فهو سبحانه يوحي ويلهم الى هذا الحيوان ليتخذ من الجبال بيوتاً، ثم يأكل من كل الثمرات، ممتصاً عصاراتها الطيبة ليخرج من بطونها شراب شفاء للناس.

بل يذهب النبي موسى عليه السلام الى أبعد من ذلك، حيث يصرح بأن الله تعالی شمل كل المخلوقات بمثل هذه الهداية، اذ قال في معرض الاجابة على فرعون عندما سأله عن ربه الذي يدعو اليه: ﴿قَالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه ـ 5۰)

ونظير ذلك قوله سبحانه:

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ (الأعلى 2 ـ 4)

تبقى مسألة واحدة وهي اننا اذا قلنا بأن اهتداء الحيوانات الی سبل معيشتها بشتي أنواعه راجع الى الجهاز المادي المعبأ في وجودها وكيانها حسب نظام خاص فان الاستدلال باهتداء الحيوانات هذا يندرج تحت «برهان النظام» ولا يكون برهاناً جديداً.

وان قلنا بأن اهتداء الحيوانات الي تلك المسالك والمواقف وخاصة عندما تقوم بعمل ابتكاري، وتختار موقفا من المواقف المتعددة يرجع الى حالة تزود بها من جانب شيء خارج عن وجودها يكون هذا البرهان برهاناً مستقلا، ودليلا جديداً على وجود ملهم لهذه الحيوانات وراء وجودها، وهو الله سبحانه أو ما ينتهي اليه.

................................
(1) للامام على علیه السلام وصف دقيق للنمل، راجع نهج البلاغة، ولموريس مترلینك كتاب جميل حول «النمل».
(2) العلم يدعو للايمان ص 117 ـ 118.
(3) يخز: الوخز.
(4) العلم يدعو للايمان ص 12۹.
(5) العلم يدعو للايمان / من 120 ـ 121.
(6) الفرق بين ما يقوم به الجهاز المادي وما لا يمكن أن يقوم به هو انه لو كان العمل جارياً على وفق الممنوع أمكن اسناد ذلك العمل إلى الجهاز المادي، وأما اذا حدث طارئ وصار المصنوع المعين أمام طریقین، وكان انتخاب أحد الطريقين والعمل على وفقه موجباً لفلاح المصنوع ونجاحه، فان مثل هذا الفعل والموقف يحتاج لا محالة الى عملية الاختيار، ولا يمكن اسناده إلى الجهاز، وما نراه لدى الحيوانات هو من القسم الثاني، فان الحيوان مضافاً إلى قيامه بالنوع الأول من الأعمال، يقوم بابتكارات، واختيارات، لا يمكن التنبؤ به سلفاً لأنه يرتبط بالمستقبل.

اضف تعليق