من اهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي تراجع تأثير وفاعلية مبدأ المواطنة، لصالح تنامي دور وتأثير "المكون" القومي او الطائفي، واحدث هذا خللا كبيرا في علاقة الفرد العراقي بالدولة من جهة، وعلاقة الافراد العراقيين فيما بينهم من جهة ثانية.

وكان هذا من ابرز عيوب التأسيس في الدولة العراقية بعد عام ٢٠٠٣، علما ان هذا الخلل كان موجودا في العهد البعثي الصدامي، من قبل. ومثال ذلك التمييز بين المواطنين على اساس الولاء لصدام حسين شخصيا كما هو مدون فيما كان يسمى "هوية اصدقاء الرئيس القائد صدام حسين" تحت عنوان "الامتيازات" التي يحصل عليها "اصدقاء صدام" ولا يحصل عليها غيرهم من المواطنين العراقيين. ومن هذه الامتيازات "اضافة خمس درجات على المعدل"، الاستثناء من شروط القبول في المعاهد والكليات العسكرية، وتفضيلهم على بقية المواطنين في المقابلات، وغير ذلك.

وكان من المتوقع ان يعاد الاعتبار الى مبدأ المواطنة بعد اسقاط النظام البعثي الصدامي واعادة تأسيس الدولة العراقية على اسس حضارية حديثة في مقدمتها وعلى رأسها المواطنة.

وكنت قد كتبت ورقة في اسس الدولة العراقية الجديدة في اواخر عام ٢٠٠٢، اي قبل سقوط النظام الصدامي البعثي، ووزعتها في مؤتمر لندن، اخر مؤتمرات المعارضة العراقية، وسلمتها باسم "حركة الكوادر الاسلامية" الى جميع احزاب المعارضة انذاك. ومما جاء في تلك الورقة المهمة:

"ثانيا، الوطنية، بمعنى ان الدولة تعتبر ان الكفاءة الشخصية والمواطنة الصالحة اساس في تولي المناصب والمسؤوليات في الدولة والمجتمع. ان الامتيازات الطائفية مثلها مثل الاضطهاد الطائفي ظواهر متناقضة مع الطبيعة الوطنية للدولة. ان المشاركة الاجتماعية العامة في المناصب العامة، بمعنى مساهمة مختلف التكوينات الاجتماعية في تولي المناصب دليل على ديمقراطية الدولة ووطنيتها، كما ان انحصار تولي المناصب العليا بفئة قليلة طائفة كانت ام حزبا ام غير ذلك، بالشكل الذي تقوم عليه الدولة العراقية الحالية، امر يتناقض مع الوطنية والديمقراطية."

ثم طورت هذه الفكرة في اطار اطروحة الدولة الحضارية الحديثة التي بدأت بطرحها بعد عام ٢٠١٦ وبينت ان المواطنة هي الركيزة الاولى في بناء الدولة.

والحق ان المواطنة هي شرط في بناء الدولة الحضارية الحديثة، حيث لا يمكن تصور هاتين الصفتين في دولة غير حضارية وغير حديثة. حتى سويسرا، وهي عبارة عن اتحاد مكونات لغوية واثنية، او دولة اتحادية فيدرالية اتحادية بين مكونات ومقاطعات مختلفة اتخذت في دستور عام ١٩٩٩ المعدل المواطنة وما يتعلق بها من حقوق الانسان اساسا محوريا في بناء الدولة. وكذلك الامر بالنسبة للولايات المتحدة وهي اكبر دولة فيدرالية اتحادية في عالمنا المعاصر (٥٠ ولاية) يقوم نظامها السياسي على اساس المواطنة، واية ذلك على سبيل المثال انتخاب الرئيس انتخابا مباشرا من قبل جميع المواطنين بغض النظر عن الولاية او الاصل العرقي، وتشكيل الحكومة (اي الوزراء) على اساس حزبي (حزب واحد) بغض النظر عن الولاية والعرق وغير ذلك.

ولم يحصل هذا بعد سقوط صدام، لان نظام صدام عمّق الشعور بالتمييز الطائفي والاضطهاد القومي لدى الناس فارتدوا الى مكوناتهم العرقية والطائفية، بدل الاندفاع الى الامام، الى الوطن والمواطنة والوطنية. وكان هذا، كما قلت من افدح اخطاء وعيوب التأسيس حيث تعمّق الانقسام الطائفي والعرقي في المجتمع العراقي رغم ان العديد من المواطنين مازالوا يحنون الى "الوطنية العراقية"، لكن هذا الحنين الشعوري لم يتحول الى فعل سياسي او ظاهرة سياسية، فبقي الانفصام او الانفصال قائما بين الحنين الوطني والواقع السياسي. واية ذلك قيام الاحزاب "السياسية" على اسس عرقية او طائفية، وليس على اساس وطني واحد. واتضح هذا الانقسام بشكل جلي حين اجريت الانتخابات العامة على اساس الدائرة الواحدة، في عام ٢٠٠٦، مما يعرفه الجميع.

كتب لي الصديق عوف القيسي تعليقا على مقالي حول المواطنة:"اختلف معك في تراجع تأثير وفاعلية مبدأ المواطنة؛ بل بالعكس اتجهت القلوب والعقول نحو المواطنة باعتبارها الحل الوحيد و الصحيح في بناء دولة حضارية حديثة".

وكنت قد قلت في الحلقة الاولى من هذا العمود:"من اهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع العراقي تراجع تأثير وفاعلية مبدأ المواطنة، لصالح تنامي دور وتأثير "المكون" القومي او الطائفي."

وارجو ان اكون مخطئاً في قولي وان يكون الصديق عوف القيسي على صواب. لانه ليس من مصلحة العراق ان يضعف مبدأ المواطنة وان يكون الانتماء للوطن اضعف من الانتماء للمكون. فالدول، وبخاصة الدولة الحضارية الحديثة، تبنى بالمواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث.

وتتجسد قوة المواطنة بمعنى اولوية الانتماء للوطن، من خلال العديد من المظاهر والمجسات، اذكر بعضها كما يلي:

اولا، التزاوج المختلط، بمعنى ان تتصاعد وتائر الزواج بين نساء ورجال من مختلف المكونات. ونحتاج ان تخبرنا الدوائر المختلفة في الدولة عن نسبة الزيجات المختلطة بالمقارنة مع الزيجات الاحادية.

ثانيا، العيش المختلط، بمعنى تواجد عوائل من مختلف المكونات في منطقة واحدة مشتركة، وعدم وجود مناطق "نقية" عرقيا او دينيا او مذهبيا.

ثالثا، المشاريع الاقتصادية والتجارية والاعلامية وغيرها المختلطة، بمعنى وجود شركات اصحابها (اصحاب الاسهم فيها) من مكونات مختلفة.

رابعا، وجود احزاب سياسية مختلطة، عابرة للخطوط العرقية والدينية والمذهبية.

خامسا، وجود منظمات مجتمع مدني مختلطة.

سادسا، السلوك الانتخابي، اي التصويت، العابر للحدود العرقية والدينية والطائفية.

سابعا، التخلي عن الطائفية السياسية في هيكلية الدولة.

ثامنا، وجود الفرق الرياضية المختلطة.

تاسعا، وجود المواطنين الفعالين، لان ذلك من ابسط الادلة والبراهين على قوة مبدأ المواطنة.

ليس عندي ارقام حول بعض المؤشرات والمجسات السابقة، ولكن بعضها ملموس ومشاهد ولا يحتاج الى ارقام. وربما تكون المحصلة الاجمالية لهذه المجسات غير مسرة للصديق، لان حجما ملموسا منها ليس مختلطا، وانما احادي الهوية العرقية او الدينية او الطائفية، وخاصة المجس الرابع منها.

ربما يشير الاخ عوف الى تنامي المشاعر الوطنية، اي تنامي الشعور باهمية واولوية مبدأ المواطنة. وهذا امر جيد ومشجع. فاذا صح هذا المؤشر، فيمكن الاستناد اليه والاتكاء عليه لتوسيع نطاق الشعور بالمواطنة، واعادة الشعور بالانتماء الى الهويات الفرعية الى الحجم الطبيعي غير المضر بفكرة بناء الدولة الحضارية الحديثة، الوطنية وليس المكوناتية.

فالدولة الحضارية الحديثة لا تتطلب الغاء الهويات الفرعية، لكنها لا تجعل هذه الهويات قاعدة في علاقة المواطن بالدولة. انما تجعل المواطنة هي اساس العلاقة، وعليه لا يحتاج المواطن ان يكون مسلما او مسيحيا او عربيا او كرديا او شيعيا او سنيا الخ لتحديد حقوقه وواجباته. فمنظومة الحقوق والواجبات في الدولة الحضارية الحديثة تضع جميع المواطنين في صعيد واحد من المساواة امام القانون والحقوق السياسية والمدنية، ولا تميز بين المواطنين في ممارسة هذه الحقوق والحصول على المزايا. الا انها في نفس الوقت تحفظ للمواطنين هويتهم الثقافية وتحترم حقهم في ممارستها بحرية وامان بصورة قانونية وعلنية، دون ان يخل ذلك بطبيعة الحال بالنظام العام والقوانين النافذة.

واذا عدنا الى مطلع المقال والى مجسات المواطنة فان عملية الاصلاح السياسي والاجتماعي في البلاد تتطلب ان تتكثف الجهود والنشاطات من اجل تعزيز مبدأ المواطنة، وتوسيع نطاقه، وجعله القاعدة الاولى و الاساسية في بناء الدولة.

وغني عن البيان ان بعض المجسات المذكورة متعلقة بالدولة او الحكومة، في حين ان بعضها الاخر متعلق بالمواطنين انفسهم ما يعني امكانية ان يقوم كل طرف بواجبه في هذا المجال.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق