قبيل الانتخابات التشريعية لعام 2018، تحدثت المرجعية العليا في النجف الاشرف عن مبادئ عامة للعمل السياسي، في نظام يقوم على مبدأي الانتخاب والتداول السلمي للسلطة، وكان من جملة هذه المبادئ، ان المواطنين احرار في الذهاب الى الانتخابات او الامتناع عن المشاركة فيها، فهذا هو مقتضى حرية المواطن الفرد.

بيد ان المسؤولية السياسية والوعي الوطني يفرضان عليه الادلاء بصوته لسببين، الاول ان لا يسمح للاخرين ان يقرروا نيابة عنه ويتنازل هو عن هذا الحق طواعية، فتستفيد كتل واحزاب من غياب المنافسة، ليفوز مرشحوها وتصبح جزء من البرلمان وتطالب بحصص في الحكومة والادارة، ومعظم هذا الكتل يتحمل مسؤولية تشاركية في ادارة العملية السياسية وتصميم السياسات العامة، وتنفيذ البرامج الحكومية.

وهي سياسات اخفقت كثيرا ولم تستطع اداء حق الشعب والوطن، فأصبح الواجب الوطني يقتضي المشاركة لدفع ضرر القوى التي ساهمت في الفشل العام، وعدم النكوص عن مهمة الاصلاح والتغيير برلمانيا وانتخابيا، اذ لا سبيل غير صندوق الاقتراع لتصحيح المسار وابعاد الفاسدين واستبدال عديمي الكفاءة والخبرة والحكمة.

فلا الانقلابات العسكرية ممكنة ومشروعة، ولا عودة ممكنة لسلطة الفرد المستبد او الحزب الواحد او حكومات اللون الواحد. وهذا هو السبب الثاني الذي ينبغي ان يفكر به كل عراقي يتوق الى اصلاح دستوري ومؤسساتي واصلاح عام للسياسات، فبسبب سوء تخطيط وتدبير وتنفيذ السياسات العامة وضعف السلطات وارتخاء سلطة انفاذ القانون، تراجع حضور الدولة عمليا وصارت الناس تتوق الى سلطة حاضرة بقوانينها وهيبتها وقدرتها على حسم الامور والمنازعات وفرض السياسات ذات النفع العام.

بيان المرجعية الجديد في 29-9-2021، لم يختلف كثيرا عن بيانها الذي سبق انتخابات عام 2018 بايام، وقد جاء هذه المرة اكثر تحديدا وتدقيقا، حاثا الجمهور على المشاركة الواسعة بهدف احداث تغيير يعود على البلاد بنتائج ايجابية، فالتغيير الذي تنتظره المرجعية كما تنتظره الاغلبية الساحقة، مشروط بالمشاركة الواسعة لا بالمقاطعة الكبيرة للانتخابات، بذريعة غياب الفائدة من المشاركة وبدعوى ان التوقعات لا تشير باكثر من تغيير طفيف او (تحت السيطرة) بما لا يسمح بالتفاؤل بتغيير جدي وحاسم.

هذه الدعاوى ستكون مثبطات جدية واستسلام لقدر سياسي وترسيخ لحالة الانسداد، المفارقة الاكبر، ان القوى المتنافسة في الساحة الشيعية اكثرها محسوب ومصنف ضمن دائرة جماعات (الاسلام السياسي الشيعي)، وفرق هذه الجماعات عن جماعات الاسلام السياسي السني، هو اضطرارها الى استمداد مشروعية العمل والتشكل والوجود من المرجعيات الدينية، فلا مفتي للاحزاب والفصائل الشيعية غير الفقهاء، وشرط وجود هذه الجماعات شرعيا هو الرجوع والعودة الى مرجعية لضمان تطابق السياسات والرؤى والافكار التي تسوقها مع اراء هذا المرجع واحيانا ذاك الفقيه من الفقهاء.

هكذا هو السياق السياسي (الشيعي)، وعليه فان القوى الشيعية التي تتغطى بغطاء المشروعية الدينية ملزمة باطاعة مرجع والاخذ منه اذا لم تكن تتبع وتطيع المرجع الاعلى في بلادها أو عدم التقاطع الفاحش معه، وقد وجدت القوى السياسية الشيعية نفسها مطوقة ببيان المرجعية، الذي يدعو الجمهور الى عدم تكرار اخطاء الماضي، وعدم التصويت بطريقة تعيد ذات القوى التي تحملت مسؤولية الاخفاق وعدم الكفاءة، كما حددت المرجعية مواصفات عامة للقوى والافراد الذين ينبغي اختيارهم وانتخابهم.

وهي ان لا يعمل خارج اطار الدستور وان يكون حريصا على سيادة وامن وازدهار ومصلحة العراق وان تكون الانتخابات بعيدة عن المال السياسي والتأثير الخارجي، وهذه المفردات (الشروط) وضعت جميع القوى امام اختبار جدي، فاخذت تتبارى في التعبير عن طاعة المرجعية (وهو تحصيل حاصل لفظي) اما العملي منه، فهو في تقديم مصلحة العراق الامنية وسيادته الداخلية والخارجية، وعدم التقيد بمؤثر خارجي مالي او فكري او سياسي أو رؤيوي، بل ان الجوهر هو (عرقنة) المصلحة العراقية وليس (عولمتها) أو التعامل معها وفق منظور اممي. هذا الاختبار العسير وضع القوى السياسية والافراد امام (تكليف خطير) فاما السعي الى التغيير وهو ضرورة سياسية ووجودية لا محيص عنها، او الدوران في فلك السياسات والرؤى السابقة وهي سياسات ثبت ضررها وفشلها واخفاقها مما تطلب اجراء انتخابات مبكرة لتغييرها وتشييد شرعية سياسية جديدة لحكومة وسلطات وسياسات تلتزم بالتغيير والاصلاح الجدي أو تكون نتيجة له.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق