العدل الإلهي هو حقيقة عقديَّة عميقة تنعكس آثارها في جميع أفعال الله وتشريعاته وتدبيره لشؤون الخلق. دراسة العدل الإلهي ضرورة عقديَّة وتربويَّة، تُسهم في بناء وعي إيماني متماسك، وتمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم سنن الله في الكون والحياة، والرضا بقضائه (تعالى)، والعمل في إطار تكليفه بثقة ويقين...
مفهوم العدل الإلهي من أهمِّ المفاهيم العقائديَّة التي يتوقف عليها فهم الإنسان لعلاقته بربِّه (سبحانه)، ولتفسير كثير من القضايا المرتبطة بالخلق، والتَّكليف، والابتلاء، والثَّواب والعقاب. فالعدل هو أحد الأركان المحوريَّة التي يقوم عليها التصوّر الصَّحيح عن الله (تعالى)، وعن نظام الوجود بأسره. وقد شكَّل هذا المبحث عبر التَّاريخ محورًا للنقاش الكلامي والفلسفي، لما له من أثر مباشر في ترسيخ الإيمان أو زعزعته، وفي بناء الثِّقة بحكمة الله (تعالى) وعدله المطلق.
ومن هنا تبرز أهميَّة تناول مفهوم العدل الإلهي تناولًا علميًا متوازنًا، يجمع بين الدلالة اللغويَّة، والتحديد الاصطلاحي، والاستناد إلى النُّصوص القرآنيَّة الكريمة والرِّوايات الشَّريفة الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، مع تحليل موقع هذه الصفة ضمن منظومة الصفات الإلهيَّة، وبيان علاقتها بالصفات الذاتيَّة والصفات الفعليَّة.
المحور الأوَّل: تعريف العدل في اللغة والاصطلاح.
1. العدل لغة.
العدل لغةً: "الحكم بالاستواء، ويقال للشَّيء يساوي الشَّيء هو عدله، وعدلت بفلان فلانًا وهو يعادله،
والمشرك يعدل بربِّه (تعالى) عن قولهم علوًّا كبيرا كأنَّه يسوي به غيره... والعَدْل: نقيض الجَوْر، تقول: عَدَل في رعيته. ويومٌ معتدل، إذا تساوَى حالا حرِّه وبَرْدِه، وكذلك في الشَّيء المأكول. ويقال: عدَلْتُه حتَّى اعتدل، أي: أقمته* حتَّى استقامَ واستوَى..." (1).
وقال صاحب لسان العرب: "العدل: ما قام في النُّفوس أَنَّه مُسْتقيم، وهو ضِدُّ الجَوْر... وفي أَسماء الله (سبحانه): العَدْل، هو الذي لا يَمِيلُ به الهوى فيَجور في الحكم، وهو في الأَصل مصدر سُمِّي به فوُضِعَ مَوْضِعَ العادِلِ، وهو أَبلغ منه؛ لأَنَّه جُعِلَ المُسَمَّى نفسُه عَدْلًا، وفلان من أَهل المَعْدِلة أَي من أَهل العَدْلِ.
والعَدْلُ: الحُكْم بالحقِّ، يقال: هو يَقْضي بالحقِّ ويَعْدِلُ" (2).
ونلاحظ من خلال تعريف العدل في اللغة أنَّه يقوم على مبدأ الاستواء والتَّوازن، فهو يقابل الجور، ويعني ضبط الأمور بحيث تستقيم وتستوي، سواء في الحكم على النَّاس أو في تعديل الأشياء. وهذا المعنى اللغوي يمثِّل قاعدة أساسيَّة لفهم العدل الإلهي؛ إذ يشير إلى أنَّ أفعال الله (سبحانه) وأحكامه قائمة على الإنصاف الكامل والتَّوازن المطلق، بما يضمن عدم الظُّلم وتمام الحكمة في الكون.
"وأمَّا تفسير العدل بمعنى التَّسوية بين الشَّيئينِ، فلا يعني أنَّ الله (تعالى) يلزم خلق المخلوقات بصورة متساوية في الصفات والأقدار؛ بل إنَّ حكمة الخالق العظيمة تقتضي أن يُخلق العالم بطريقة تحقق أقصى ما يمكن من الخير والكمال. فليس من العدل والحكمة أن يعامل المعلِّم جميع طلَّابه بمستوى واحد من التَّأديب أو التَّشجيع، فلا يفرِّق بين النَّشيط والكسول، أو الذَّكي والبليد. كذلك، ليس من العدل أن يسوي القاضي بين المتخاصمين في المال المتنازع عليه من دون مراعاة الحقوق؛ إذ يُعدُّ ذلك ظلمًا. فالعَدْل يقتضي إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، بما يتوافق مع الواقع والقدرات والظُّروف، ويحقق مقاصد الشَّريعة في إقامة الحقِّ والحفاظ على النِّظام الأخلاقي والاجتماعي" (3).
2. العدل اصطلاحًا.
أمَّا العدل اصطلاحًا: "هو اعتقاد أنَّه (تعالى) عادل في مخلوقاته غير ظالمٍ لهم، لا يفعل قبيحًا ولا يخل بواجب، ولا يجور في قضائه ولا يحيف في حكمه وابتلائه، يثيب المطيعينَ وله أن يعاقب العاصين، ولا يكلِّف الخلق ما لا يطيقون ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون، ولا يقابل مستحق الأجر والثَّواب بأليم العذاب والعقاب، وإنَّه (تعالى) لم يجبر عباده على الأفعال سيما القبيحة ويعاقبهم عليها، والأدلَّة على ذلك مضافًا إلى الضَّرورة والبداهة من العقل والنَّقل كتابًا وسنَّة، آية ورواية كثيرة لا تحصى" (4).
ومن هذه النُّصوص الشَّريفة قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (5).
وقال (سبحانه): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (6).
وقال (عزَّ وجلَّ): (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (7).
وقال (تبارك وتعالى): (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8).
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: "إِنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) لَمْ يُطَعْ بِإِكْرَاهٍ، وَلَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ، وَلَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ فِي مُلْكِهِ، وَهُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ، وَالْقَادِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنِ ائْتَمَرَ الْعِبَادُ بِطَاعَتِهِ لَمْ يَكُنِ اللهُ عَنْهَا صَادًّا، وَلَا مِنْهَا مَانِعًا وَإِنِ ائْتَمَرُوا بِمَعْصِيَتِهِ، فَشَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ وَفَعَلُوهُ، فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِيه" (9).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: "اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَاللهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ" (10).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) قَالَ: "إِنَّ اللَّه (عَزَّ وجَلَّ) أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِه فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَّارِينَ أَنِ ائْتِ هَذَا الْجَبَّارَ فَقُلْ لَه: إِنَّنِي لَمْ أَسْتَعْمِلْكَ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ واتِّخَاذِ الأَمْوَالِ، وإِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَكُفَّ عَنِّي أَصْوَاتَ الْمَظْلُومِينَ فَإِنِّي لَمْ أَدَعْ ظُلَامَتَهُمْ وإِنْ كَانُوا كُفَّاراً" (11).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام): "أَنَّ فِيمَا أَوْحَى الله (عَزَّ وجَلَّ) إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام): يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ فَإِنِّي إِنَّمَا أَبْتَلِيه لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَه، وأُعَافِيه لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَه، وأَزْوِي عَنْه مَا هُوَ شَرٌّ لَه لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَه، وأَنَا أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ عَلَيْه عَبْدِي، فَلْيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، ولْيَشْكُرْ نَعْمَائِي، ولْيَرْضَ بِقَضَائِي، أَكْتُبْه فِي الصِّدِّيقِينَ عِنْدِي إِذَا عَمِلَ بِرِضَائِي وأَطَاعَ أَمْرِي" (12).
وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دُعائهِ يَومَ الأضحى والجُمعَةِ: "وقَد عَلِمتُ أنَّهُ لَيسَ في حُكمِكَ ظُلمٌ، ولا في نَقمَتِكَ عَجَلَةٌ، وإنّما يَعجَلُ مَن يَخافُ الفَوتَ، وإنَّما يَحتاجُ إلَى الظُّلمِ الضَّعيفُ، وقَد تَعالَيتَ يا إلهي عَن ذلكَ عُلُوّاً كَبيراً" (13).
ومن هذه النصوص يتبيَّن أنَّ العدل الإلهي يعني أنَّ الله (تعالى) حكيم لا يظلم، لا يجبر ولا يجور، ولا يكلِّف عباده فوق طاقتهم، وكل ما يجري في قضائه وتشريعه وابتلائه قائم على الميزان والرَّحمة والمصلحة الحقيقيَّة للعبد. والإنسان مسؤولٌ عن فعله، ومأمون من الظلم في حكم الله (سبحانه)؛ لأنَّ الظلم لا يصدر إلَّا عن ضعف أو خوف، والله (تعالى) منزَّه عن ذلك كلِّه.
المحور الثَّاني: العدل في روايات المعصومين (عليهم السلام).
عرَّف أهل البيت (عليهم السلام) العدل الإلهي بكلمات بالغة الدِّقة والعلميَّة، مستمدَّة من فهمهم العميق للقرآن الكريم، فهي تحمل في طيَّاتها كنوزًا معرفيَّة عظيمة وتُعدُّ منابع أساسيَّة للعلوم العقديَّة والكلاميَّة. وتكشف هذه العبارات عن العدل الإلهي بأدقِّ تفاصيله، وتبيِّن أبعاده الكاملة؛ حيث تحتوي كلُّ عبارة على توجيه عقلي، ودليل نقلي، واستنباط للحكمة الإلهيَّة في الخلق والتَّدبير، ما يجعلها مرجعًا لا يُقدَّر بثمن لكلِّ من يبتغي فهم العلاقة بين الله (تعالى) وخلقه بطريقة متوازنة تجمع بين العقل والنَّقل، وتضيء الطَّريق نحو استيعاب حكمة الخالق (تبارك وتعالى) وعدله المطلق في نظام الوجود.
الرِّواية الأولى: عن رسول اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله): "ما عَرَفَ اللَّهَ مَن شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، ولا وَصَفَهُ بِالعَدلِ مَن نَسَبَ إلَيهِ ذُنوبَ عِبادِهِ" (14).
تعكس هذه الرواية جذريَّة مفهوم العدل الإلهي وطبيعته البارزة عن كلِّ تشبيه أو تقليد. فهي تؤكِّد أنَّ الله (تعالى) لا يُشبه مخلوقاته في ذاته أو صفاته، وأنَّ عدله المطلق لا يعني تحميله مظالم أو ذنوب عباده؛ بل ينطوي على حكمةٍ كاملة تتجاوز المقاييس البشريَّة الضيقة. ومن هنا، يبرز الفرق بين الفهم البشري المحدود للعدالة، وبين العدل الإلهي المطلق الذي يقوم على الحكمة والرَّحمة في التَّدبير الإلهي لكلِّ ما في الوجود.
الرِّواية الثَّانية: سُئِلَ – أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام- عَنِ التَّوْحِيدِ والْعَدْلِ، فَقَالَ (عليه السلام): "التَّوْحِيدُ أَلَّا تَتَوَهَّمَه والْعَدْلُ أَلَّا تَتَّهِمَه" (15).
ويظهر من هذه الرِّواية أنَّ التَّوحيد هو أن لا يُتصوَّر الله (تعالى) على صورة محددة؛ لأنَّ أي تصور من هذا النَّوع يعني تقييده والتَّفريط في كماله المطلق، وما قُيِّد فهو محدود ومجسَّم، والله (تعالى) منزَّه عن كلِّ ما يشوبه القيد أو التَّشبيه.
وأمَّا العدل الإلهي، فهو أن لا يُتَّهَم الله (سبحانه) في أفعاله بأنَّه في غير موضعه أو غير زمانه أو مكانه، أي أنَّ جميع أفعاله متوافقة مع كماله وحكمته المطلقة، وأنَّه لا يُحمَّل ما لا يليق بجلاله وعظمته.
ومن جميل ما قيل في بيان هذه الحكمة: "لمَّا كان الوهم إنَّما يدرك المعاني الجزئيّة المتعلَّقة بالمحسوس ولا بدَّ أن يستعين في إدراكه وضبطه بالقوَّة المتخيّلة حتَّى يصوّره ويلحقه بالأمور المحسوسة وكان الباري (تعالى) منزّها بمقتضى العقل الصرف عن المحسوسات وما يتعلَّق بها، لا جرم لم يجز أن يوجّه الوهم في تصوّره (تعالى) ويجري على ذاته المقدَّسة أحكامه؛ إذ لا يكون في حقِّه إلَّا كاذبة لاقتضائها كونه محسوسًا أو متعلَّقا بالمحسوس الَّذي من شأنه الكثرة والتركيب المنافيان للوحدة المطلقة. فيكون قد عرَّف التوحيد بخاصَّة من خواصّه وهى لازم سلبّي.
وأمّا الكلمة الثَّانية: فالمراد من العدل اعتقاد جريان العدل في جميع أفعاله تعالى وأقواله، ومن لوازم ذلك الخاصّة به أن لا يتهمَّه العبد أنَّه يجبره على القبيح ثمَّ يعاقبه عليه، أو أنَّه يكلّفه ما لا يطيقه، ونحو ذلك من مسائل أصول الدِّين الَّتي اعتمد فيها المعتزلة على ظواهر كلامه (تعالى)"(16).
الرِّواية الثَّالثة: قالَ الإمامُ الصّادقُ (عليه السلام) -وقد سُئلَ عَن أساسِ الدِّينِ-: "التَّوحيدُ والعَدلُ... أمَّا التَّوحيدُ فأن لا تُجَوِّزَ عَلى رَبِّكَ ما جازَ عَلَيكَ، وأمَّا العَدلُ فأن لا تَنسِبَ إلى خالِقِكَ ما لامَكَ عَلَيهِ" (17).
وتُبرز هذه الرِّواية ببساطة ووضوح جوهريَّة الركيزتينِ الأساسيتينِ في الدِّين: فالتَّوحيد هنا يعني تنزيه الله (تعالى) عن التَّشبيه بما يليق بالإنسان، فلا يجوز أن يُقيَّد أو يُشابه بما نقبله نحن البشر، وأمَّا العدل فيدل على أنَّ كلَّ ما يصدر عن الله (سبحانه) من فعل أو حكم يتوافق مع كماله، فلا يُحمَّل ما لا يليق به، ولا يُنسب إليه ما يظنّ الإنسان أنَّه ظلم أو خطأ.
إنَّ ما استخلصناه من هذه الروايات المباركة للمعصومين (عليهم السلام) يكشف عن العمق العلمي والفكري للعدل الإلهي وللتوحيد في العقيدة الإسلاميَّة. فقد بيَّنوا أنَّ التوحيد هو تنزيه الله (تعالى) عن كلِّ تشبيه وتقييد، وأنَّ العدل الإلهي يقتضي الاعتقاد بأنَّ جميع أفعال الله (سبحانه) وأقواله متوافقة مع كماله وحكمته المطلقة، من دون أن يُنسب إليه ما يسيء إلى عظمته وجلاله (سبحانه).
المحور الثَّالث: هل العدل من الصِّفات الذاتيَّة أم الفعليَّة؟
قبل الشروع في بيان صفة العدل وتمييز موقعها ضمن منظومة الصِّفات الإلهيَّة، يلزم أوَّلًا توضيح المقصود بكلٍّ من الصِّفات الذَّاتيّة والصِّفات الفعليَّة؛ إذ إنَّ فهم هذينِ المفهومينِ يشكِّل المدخل الأساس لمعرفة ما إذا كانت صفة العدل تُنسب إلى الذَّات الإلهيَّة أم تُعدُّ من شؤون الفعل الإلهي، أو أنَّ لها موقعًا بعيد عنهما.
ومجمل القول في بيان الفرق بين الصفات الذاتيَّة والصفات الفعليَّة يمكن أن نوجزه بثلاث نقاط:
النقطة الأولى: قال الشيخ المفيد (رحمة الله تعالى عليه): "إنَّ صفات الذَّات لا يصح لصاحبها الوصف بأضدادها ولا خلوه منها، وأوصاف الأفعال يصح الوصف لمستحقها بأضدادها وخروجه عنها، ألا ترى أنَّه لا يصح وصف الله (تعالى) بأنَّه يموت، ولا بأنَّه يعجز، ولا بأنَّه يجهل ولا يصح الوصف له بالخروج عن كونه حيًّا عالمًا قادرًا، ويصح الوصف بأنَّه غير خالق اليوم، ولا رازق لزيد، ولا محيي لميِّت بعينه، ولا مبدئ لشيءٍ في هذه الحال، ولا معيد له. ويصح الوصف له – جلَّ وعزَّ - بأنَّه يرزق ويمنع ويحيي ويميت ويبدئ ويعيد ويوجد ويعدم، فثبتت العبرة في أوصاف الذَّات وأوصاف الأفعال" (18).
ومعنى ذلك: أنَّ التَّمييز بين صفات الذَّات وصفات الأفعال يقوم على أساس دقيق عبَّر عنه العلماء بقولهم: إنَّ صفات الذَّات هي التي لا يجوز أن يتَّصف الله (تعالى) بأضدادها، ولا يمكن أن يُتصوَّر خلوّه منها بأيّ حال، كالقدرة والعلم والحياة؛ فهذه صفات أزليَّة قائمة بذاته المقدَّسة لا تنفكّ عنه.
أمَّا صفات الأفعال فهي التي يجوز أن يوصف (تعالى) بأضدادها باعتبار تعلُّقها بالفعل الخارجي، فيصحّ أن يُقال: يُعطي ويمنع، يُثيب ويعاقب، يرزق ويقبض؛ لأنَّ هذه الصِّفات متعلِّقة بأفعاله (سبحانه) في عالم التَّكوين والتَّشريع، وليست قائمة بذاته على نحو الدَّوام الأزلي.
النقطة الثَّانية: "ربما قيل في الفرق بين الصِّفات الذاتيَّة والصفات الفعليَّة: إنَّ كلّ صفة لا يجوز اجتماعها مع نقيضها ولو بالاعتبارين فيه (تعالى)، فهي ذاتيَّة وكلّ صفة يجوز اجتماعها مع نقيضها فهي فعليَّة كالغافر فإنَّه (تعالى) غافر بالنسبة إلى المؤمنينَ، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى المشركينَ"(19).
أي: إنَّ كلَّ صفةٍ يمتنع اجتماعها مع نقيضها في الله (تعالى)، حتَّى على مستوى الاعتبار العقلي، فهي من صفات الذَّات، كالعلم والحياة والقدرة؛ إذ لا يُتصوَّر أن يكون (تعالى) عالمًا من جهة وجاهلًا من جهة أخرى. وأمّا كلّ صفةٍ يصحّ اجتماعها مع نقيضها باعتبارين مختلفين، فهي من صفات الفعل؛ لأنّها تتعلّق بمواقف وأفعال تختلف باختلاف متعلّقاتها، كصفة المغفرة، فإنَّ الله (تعالى) غافر بالنسبة إلى المؤمنين، وليس غافرًا بالنسبة إلى المشركين، فالمغايرة هنا لا ترجع إلى ذاته (سبحانه)؛ بل إلى اختلاف موارد فعله وآثاره في الخلق.
النقطة الثَّالثة: "ثمَّ إنَّ الصفات الثبوتيَّة الذاتيَّة تكون من الصفات الكماليَّة؛ لأنَّها كمال للذات، دون الصفات الفعليَّة فإنَّها متأخرة عن رتبة الذات، فلا تصلح لأن تكون كمالًا له. نعم هي ناشئة عن كمال ذاته (تعالى) كما لا يخفى" (20).
وبمعنى أوضح: إنَّ الصِّفات الثُّبوتيَّة الذاتيَّة، كالعلم، والقدرة، والحياة، هي صفات عين الذَّات وليست زائدة عليها، وهي تعبير عن كمالات حقيقيَّة قائمة بذات الباري (تعالى)، فالله (سبحانه) تعالى عالم بذاته، قادر بذاته، حيّ بذاته، لا بعلم أو قدرة أو حياة مغايرة لذاته. ومن هنا وُصفت هذه الصفات بأنَّها كمالية، لأنَّ الكمال إنَّما يكون في ما هو ذاتيّ الارتباط بالوجود الإلهي؛ إذ لا يُتصوّر في الذات الإلهيَّة نقص أو قابليَّة لتكميل بشيءٍ خارج عنها. فهذه الصفات تمثِّل كمال الذات في مرتبتها الوجوديَّة الأولى، قبل أيّ اعتبار لخلق أو فعل أو تعلُّق خارجي.
أمَّا الصفات الفعليَّة، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، فهي ليست عين الذات؛ بل هي شؤون وتعلُّقات قائمة على أساس الفعل الصَّادر من الذَّات اتِّجاه غيرها.
ومن هنا قالوا: "فلا تصلح لأن تكون كمالًا له"، أي: إنَّ الصفات الفعليَّة لا تمثِّل كمالًا ذاتيًّا للبارئ (جلَّ شأنه)؛ لأنَّها ليست من سنخ ذاته المقدّسة؛ وإنَّما هي من آثار كماله في عالم الخلق. لكن مع ذلك، فهي ناشئة عن كمال ذاته (تعالى)، وأنَّها إفاضات وتجليات لذلك الكمال الذَّاتي. فصفة "الخالق" مثلًا وإن لم تكن ذاتية بمعنى أنَّها عين الذَّات، لكنها صادرة عن كمال القدرة والعلم والحكمة التي هي صفات ذاتيَّة. فهي أثرٌ من آثار تلك الصفات الكماليَّة، وشأن من شؤونها، كما يعبِّر المتكلمون.
ومن خلال ما تقدَّم، يمكننا أن نستنتج أنَّ الفرق الجوهري الذي أشار إليه العلماء بين الصِّفات الذَّاتيَّة والصِّفات الفعليَّة، هو أنَّ صفات الذَّات ثابتة لله (تعالى) في أزله، قبل إيجاد أيّ مخلوق؛ لأنَّها نابعة من كمال ذاته المقدَّسة، كالعلم، والقدرة، والحياة، وهذه الصِّفات لا تنفكّ عنه (سبحانه) في أيّ حال.
أمَّا الصِّفات الفعليَّة، فإنَّها لا تُنسَب إليه قبل وجود الخلق؛ لأنَّها متعلِّقة بأفعاله (سبحانه) في عالم الإيجاد، كالخلق، والرزق، والمغفرة، والإحياء، والإماتة، فهذه الصِّفات إنَّما تُدرك من خلال تجلّيات فعله في الخارج، لا من ذات الله (تعالى) نفسها.
وإذا تبيَّن لنا هذا التَّفصيل، يُطرح سؤال جوهريّ هو: هل العدل من الصِّفات الذاتيَّة أم من الصفات الفعليَّة؟
وجواب ذلك: إنَّ البحث في صفة العدل يتوقف على ملاحظة جهة انتزاعها، فإن نُظر إلى العدل بما هو كمال في الذَّات الإلهيَّة، أي بمعنى استقامة فعله عن العبث والظُّلم واستحالة صدور القبيح منه (تعالى)، كان من صفات الذَّات؛ لأنَّه يرجع في حقيقته إلى كمال العلم والحكمة، وهما من صفات الذَّات.
وأمَّا إذا نُظر إلى العدل من حيث تعلّقه بالمخلوقات في مقام الفعل والجزاء والتدبير، أي من حيث إيصال الحقوق إلى أهلها ووضع الأشياء في مواضعها، كان من صفات الفعل؛ لأنَّه يتعلَّق بالفعل الإلهي في الخارج.
وعليه، فإنَّ العدل الإلهي جامعٌ بين الجهتين: فهو من جهة الذَّات صفة كمالٍ ذاتي، ومن جهة الفعل صفةٌ فعليَّةٌ تُظهر آثار العدل في نظام الوجود والجزاء.
ويتبيَّن من خلال هذا العرض أنَّ العدل الإلهي هو حقيقة عقديَّة عميقة تنعكس آثارها في جميع أفعال الله (تعالى) وتشريعاته وتدبيره لشؤون الخلق. فالعدل، في بعده الذَّاتي، تعبير عن كمال العلم والحكمة الإلهيَّة واستحالة صدور الظلم أو العبث عن الله (سبحانه)، وفي بعده الفعلي تجلٍّ عملي لإيصال الحقوق إلى أهلها، ووضع الأشياء في مواضعها وفق ميزان دقيق لا يختل.
وقد كشفت النصوص القرآنية وروايات المعصومين (عليهم السلام) عن أفق واسع لفهم العدل، يحرِّر الإنسان من الاتهام الباطل للخالق (سبحانه)، ويعيد توجيه النظر إلى مسؤوليَّة الإنسان نفسه في أفعاله واختياراته.
وعليه، فإنَّ دراسة العدل الإلهي ضرورة عقديَّة وتربويَّة، تُسهم في بناء وعي إيماني متماسك، وتمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم سنن الله (سبحانه) في الكون والحياة، والرضا بقضائه (تعالى)، والعمل في إطار تكليفه بثقة ويقين.



اضف تعليق