إسلاميات - المرجع الشيرازي

هل يُدرِك المسلمون مكانة الإمام الحسين (ع)

قبسات من فكر الإمام الشيرازي

(أنّى لطاقاتِنا المحدودةِ أنْ تدركَ الحسينَ سلام الله عليه؟)

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله)

الأمة التي لا تعرف مكانة العظماء التاريخيين، لا يمكن لها أن تجاري الأمم الأخرى في العلم والتطور، هذا قانون يتفق عليه القاصي والداني، كونه يستند إلى براهين غير قابلة للدحض، ومن البديهي القول أن الأمم التي طلّقت الجهل، واقترنت بالتقدم، هي تلك الأمم التي تتصدر اليوم جميع الأمم التي لم تبالِ بالحلقات المشرقة من تاريخها، وأهملت التجارب العظيمة فيه.

لماذا علينا كمسلمين أن نعرف أولئك الذين صنعوا تاريخنا، وجعلوا له قيمة بين تواريخ الأمم؟، السبب واضح ولا يحتاج إلى تفسير أو شرح، فالعظماء لديهم تجارب عظيمة في الكفاح الإنساني، ولهم تأريخ مشرّف ليس على مستوى الأمة التي ينتمون لها فحسب، وإنما مكانتهم التاريخية عظيمة على المستوى العالمي.

الإمام الحسين عليه السلام، عظيم الأمة الإسلامية، وثائرها الذي بلغ أعلى القمم في التضحية، والشجاعة في مواجهة الظلم والاستبداد، أليس من الواجب على المسلمين الذين يعانون اليوم من مشاكل عميقة، تضعهم في حرج كبير أمام الأمم المتقدمة، أليس عليهم فهم قيم عاشوراء، والإطلاع ما جاء به الإمام الحسين (ع) من أفكار ومواقف عظيمة واجه بها التخلف والجهل والاستهتار والانحراف؟

يجب أن نجيب بصريح العبارة، إذا لم يستعد المسلمون للنهوض بتحفيز من النهضة الحسينية، فإن حاضرهم يبقى مترهلا ممزقا كما هو اليوم، كما أنهم يغامرون بمستقبل الأجيال القادمة، في البقاء في حالة جهل وتخلف، فيما الأمم الأخرى تعظّم الشخصيات المتميزة في تاريخها، وتستغل ذلك للنهوض والتطور، فلماذا لا يعمل المسلمون نفس الشيء مع عظمائهم، ولماذا يتنكرون للتاريخ والمواقف المتفردة التي صنعتها شخصيات متفردة كما الحال مع الحسين (ع)؟

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في إحدى محاضراته القيمة:

(ينقل الشيخ محمد شريعت رحمه الله أحد علماء الشيعة الذين عاصرتهم - أصله من كراجي، وكان يسكن في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة- أنّه كانت تربطه صداقة بقسّ مسيحي فقال له يوماً: أنتم الشيعة عندكم الحسين سلام الله عليه، ولكنّكم لا تستفيدون منه كما ينبغي. ولو كان عندنا الحسين فقط لركزنا في كلّ شبر من الأرض علماً باسم الحسين، نجمع الناس حوله ونبلّغهم ديننا، ولما تركنا إنساناً على وجه الأرض إلاّ دعوناه إليه).

الحسين (ع) أوقف انحراف السلطة

لقد تمخّضت واقعة الطف عن نتائج عظيمة، منها بل وأهمها، أن الإمام الحسين (ع) أنقذ الإسلام من حالة الانحدار والانحراف التي أصابته بسبب الطاغية يزيد، وكانت المعادلة التي لا بديل لها، أما أن يضحي الإمام الحسين (ع) بنفسه، أو يتشوه الإسلام وينحرف على يد ثلة من الجهلة الذين لا يخشون الله.

فأما تقديم الحسين نفسه (وهي أغلى ما يمتلكه الإنسان)، قربانا للإسلام، وأما تكون النتيجة معروفة، وهذا الخطر الداهم لم يكن يتهدد الواقع الإسلامي آنذاك وينتهي الأمر، بل سوف يستمر إلى يومنا هذا، وإلى ما أراد الله للحياة أن تستمر، أليست هذه هي حقيقة ما جرى في الطف، ومن يقدم روحه فداء للإسلام والمسلمين، ألا يستحق الانتصار والتعظيم والتخليد؟؟

إن الإنصاف والإقرار بالحق يلزم كل مسلم، بل وكل إنسان صالح، أن يشهد بأن مكانة الإمام الحسين عليه السلام، تساوي الحفاظ على الإسلام الحقيقي، وأن الفضل يعود للإمام (ع)، في الحفاظ على كل الفرائض والأنشطة المختلفة التي يقوم بها المسلمون اليوم، بما في ذلك الصلاة والصوم وكل الأحكام الأخرى.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إنّ الحسين أنقذ دين جدّه من براثن بني أميّة، أليس للحسين سلام الله عليه حقّ على كلّ صلاة تقام على وجه الأرض؟ أليس لدمه (ع) حقّ على الكعبة والبيت الحرام؟ فلولا جهاد الحسين (ع) وثورته ودمه لما كان يُصام رمضان ولما كانت تؤدَّى الزكاة والخمس وسائر أحكام الإسلام).

هذه هي مكانة الإمام الحسين (ع)، التي تمثل استحقاقا له، مقابل ما قدّمه من تضحية، لا يمكن للإنسان أن يكون مستعدا لها، إلا إذا كان من طراز العظماء الخالدين، أما مكانته الأعظم فهي تلك الذي بلغها مع الأنبياء والصالحين، وهذا يؤكد أن زوار الإمام (ع) يجب أن يعرفوا الحسين (ع) جيدا.

ما المطلوب من زائر الحسين (ع)؟

من تتوفر له فرصة زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، يجب أن يعرف تمام المعرفة أنه بين يديّ ثائر كربلاء وأبي الأحرار ومنقذ الإسلام من الانحدار، وأن لا ينشغل الزائر بأي شيء آخر عند أداء الزيارة في المرقد المقدس، فالحسين (ع) يستحق أن يتفرغ له الإنسان بشكل كامل، وينسى كل شيء خارج المرقد الشريف، كي يفوز بالعطاء الحسيني العظيم.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(على زائر الإمام الحسين سلام الله أن يعرف أنّه بين يدي مَن، ويكلّم مَن، ولو كنّا كذلك ونحن في حرم الحسين سلام الله عليه وبين يديه وعندما نزوره لما شُغلنا بغيره أبداً. يقول الإمام الصادق سلام الله عليه: «مَن أتى الحسين عارفاً بحقّه كتبه الله في أعلى علّيين).

كما أن معرفتنا لمكانة الإمام الحسين (ع) وسيرته، وتضحياته، تلقي علينا بمسؤولية مضاعفة لمكافحة شرور الباطل بأنواعها، ومحاربة المحرمات كلها، استرشادا بقيم عاشوراء، وبما قدمته الطف من معان حليلة، ينبغي فهمها والتمسك بها، وتطبيقها على واقع المسلمين المؤسف.

على أن يبدأ الإرشاد والتقويم بالنفس، والأسرة، ومن ثم مكان العمل، والمدرسة، وفي كل مكان يمكن للإنسان أن يؤثر فيه على الآخرين، كي يقارعوا الحرام، ويرسخوا قيم عاشوراء، ويذكّروا بالتضحيات العظيمة للإمام الحسين (ع)، حتى يبقى الإسلام مُصانا من تخريب الطغاة والمستبدين.

يؤكد سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) على هذا الهدف فيقول:

(لكي نكون على طريق الإمام الحسين فقد لا نكون بمستواها، فإنّ الحسين سلام الله عليه أقام الدين، ونحن نرى محيطنا مليئاً بالمحرّمات وذوينا لا يؤدّون الواجبات، ولكن مع ذلك ترى بعضنا ـ ومع الأسف ـ لا يكترث).

الأسلوب الأمثل لتحسين حياة المسلمين، يكمن في التمسك بقيم عاشوراء، والاهتمام بمعالجة النواقص في هذا الجانب، لاسيما غير المتعمّدة أو التي تحدث بسبب الإهمال، لأن الناس إذا أحبوا شيئا يهتمون به ويراعونه، ويحافظون عليه من أي شيء لا يصب في صالحه، فمن طبيعة الإنسان إذا أحب صار حريصا ومخلصا على من يحب، وهذا هو المطلوب، علينا أن نعلن حبنا للحسين (ع) ونبشر بفكره النيّر ونرشد الناس للسير على خطاه.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول:

(لو أنّ أحداً من أبنائنا مرض وزادت سخونته عن الحد الطبيعي لعمل كلّ شيء لمعالجته، فهل نبالي بسخونة المرض الروحي وضعف العقيدة والإيمان والسرطان الذي يأكل الإيمان أيضاً؟! ليكن سعينا من الآن أن نبدأ بنشر حبّ الحسين سلام الله عليه، وبَعده فكر الحسين، ثم السعي للعمل وفقه؛ إن شاء الله تعالى).

في خلاصة الأمر يجب أن يفهم المسلمون ويدركوا المكانة الحقيقية للحسين (ع)، وأن يعرفوا مكانته عند الله تعالى، وأن يتمسكوا بمبادئه التي أطاحت بالجبابرة الظالمين، وهزت عروشهم وأسقطتهم، وانحازت للحق وللمظلوم، وسعت للنهوض بالأمة من واقعها المتهالك، فكانت ولا والت وستبقى منارا للحرية في كل مكان وزمان.

اضف تعليق