عوامل النهضة الحسينية والواقع الإسلامي

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(الإمام الحسين (ع) يحنُّ على أعدائه ويبالغ في نصيحتهم) الإمام الشيرازي

من الأمور المهمة التي درجت عليها الشعوب والأمم، ذلك الإصرار وتلك المواظبة على دراسة ماضيها وتجاربها، والتركيز على الإرث الإنساني الذي خلّفه العظماء في تجاربهم التربوية والأخلاقية وغيرها، ومما يُحسَب للمسلمين أنهم تمسكوا بهذا المنهج، وركّزوا على دراسة وفهم تاريخهم، وأصروا على استخلاص النتائج.

هنالك بعض الأطراف يستغربون من إصرار المسلمين بسبب إيغالهم في بطون الماضي، لكن قانون التراكم والاستفادة من تجارب وخبرات الماضي تفرض على الأمم البحث في ماضيها، واستلهام الدروس والعبر منه، كي تواصل التقدم بعد معرفة الأخطاء ومعالجتها، ورصد المحاسن وتطويرها، والسؤال الذي لابد من طرحه، كيف تتقدم إذا لم تتعلم من الماضي.

للنهضة الحسينية التي انطلقت شرارتها في سنة 61 للهجرة، عوامل من الأهمية بمكان معرفتها، وقراءتها قراءة واقعية علمية، تتجرد من العواطف والانحياز المسبق، فتلك العوامل يمكن للمسلمين من خلال فهمها وتمحيصها جيدا، الانطلاق نحو مستقبل زاهر، حيث تقدم النهضة الحسينية حزمة من القيم العظيمة، مصدرها عوامل أشعلت مصابيح النهضة الحسينية التي أضاءت عتمة الظلم والانحراف.

وكان من أبرز عوامل خروج الإمام الحسين (ع) على يزيد، ومواجهته بحزم، شيوع ظاهرة المنكر في بلاد المسلمين، وقلة الناس الذين يؤمرون بالمعروف، فهذا المبدأ الإسلامي العظيم الذي انطلقت شرارته مع انطلاق الرسالة النبوية، كان سببا في تحويل المجتمع الجاهلي المفكك، إلى أمة (إسلامية) أشرقت فيها حضارة خالدة، أنارت ظلمات البشرية، وفتحت لها بوابات العلم وضخت في عقولها الأفكار البناءة التي أنقذت الإنسانية من دياجير الظلام.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ ((قبس من شعاع الإمام الحسين ع):

(إن انتشار المنكر في البلاد وقلة الأمر بالمعروف كان لهما أثر عظيم في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وبذلك صرّح عليه السلام في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية قائلاً: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأبي. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).

عدم الرضوخ لأنظمة القمع والاستبداد

ولنا أن نتصور كيف سيكون عليه واقع المسلمين، فيما لو أشعلوا مجدّدا جذوة هذا المبدأ العظيم الذي ينادي بـ (العمل بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو أحد أهم العوامل التي تقف وراء نهضة الإمام الحسين (ع)، وخروجه من الحجاز ثائرا، لوضع حدّ لتمادي الطاغوت يزيد، فما الذي يحدث لو أن المسلمين رفضوا ظلم حكامهم، ومنعوا المنكر بكل أشكاله واستخداماته؟؟

هذا التساؤل الجوهري يقودنا إلى أحد عوامل النهضة الحسينية المهمة، ألا وهو إسقاط الحاكم من قبل الشعب، وعدم الرضوخ لظلمه أو التراجع والانكفاء أمام قمعه، فإذا لاحظ الحاكم بوادر تردد وانهزامية تجاه قراراته وسياساته القمعية الظالمة، سوف يتضاعف استبداده، وتتضخم أناه، وتصبح قراراته القمعية أشد فتكا بشعبه، وليس العكس، أي أن الرضوخ للحاكم لا يخفف من طبيعته القمعية، بل تزيده تماديا وإصرارا على انتهاك حقوق شعبه.

وهذا بالضبط ما فعله يزيد حين لاحظ رعيته مصابة بالخنوع والصمت على سياساته الظلمة، ولم ترفض مسارات الانحراف التي فرضها على الأمة، وقد تحوّل هذا الصمت ورضوخ الرعية لقمع وظلم يزيد، إلى عامل محفّز لخروج الإمام الحسين (ع) من الحجاز، لوضع حد لذلك الواقع المشوّه، إذ من غير المقبول تحت كل التبريرات أن يصمت الناس على من يظلمهم وينتهك حرياتهم ويقمعهم.

يقول الإمام الراحل حول هذه النقطة:

(في موضع آخر بيّن الإمام الحسين (ع) عاملاً مهماً في نهضته وهو تسلّط السلطان الجائر على الأمة وسكوت الرعية عن ذلك).

الحسينيون والتمسك بالقيم الحسينية

لم يكتف الإمام الحسين بمعارضة يزيد، وفضح أعماله وسياساته التي أساءت للإسلام، بل سعى بقوة إلى تحريك وتفعيل القيم النبيلة التي يجب أن يتحلى بها المسلمون، فلا يكفي أن نقول للحاكم المستبد أنت ظالم، وإنما هناك قيم يجب أن تنتشر بين أفراد الأمة، لتزيد من قوتهم ولحمتهم وترابطهم، واتحاد كلمتهم وموقفهم في رفض السياسة القمعية والاستبداد بكل أشكاله.

يذكر المؤرخون الحياديون عن شخصية الإمام الحسين (ع) النموذجية، ما يؤكّد تفردها وعظمتها وثباتها على القيم، سلوكا وأفعالا وأقوالا، مما جعل منها ذات تأثير واسع وكبير وراسخ حتى على أعدائه، فهناك عقول كثيرة فوجئت بخصال وأخلاقيات الإمام (ع)، وبالقيم التي يحملها، ويسعى لبثها بين المسلمين، بل تمثل تلك القيم إرثا إنسانيا خلاقاً فيما لو عمل في هديه البشر.

ولهذا يقول الإمام الشيرازي: (يكفي أن يطلع الإنسان على خُلق الإمام الحسين عليه السلام في قصة كربلاء، ليعرف مدى عظمة أخلاقه السماوية التي حيرت العقول وأدهشت العقلاء على مر العصور).

ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا بأن العوامل التي وقفت خلف النهضة الحسينية، اقترنت بمبادئ وأخلاقيات الحسين (ع)، فالنهضة لا يمكن تحقيقها من دون الارتقاء بالقيم الأصيلة التي تراعي إنسانية الإنسان وحرمته، وصيانة حقوقه، وجعله قيمة عليا في التعامل في جميع الميادين، فحتى في القتال والحرب هناك قواعد طبقها الإمام الحسين (ع) والتزم بها، وسعى كي تكون منهجا سلوكيا لأمة المسلمين.

من تلك القيم، عدم البدء بمقاتلة العدو، وعدم مطاردته في حال فراره، أما إذا كان جرح حرب، فلا يمكن مقاتلته بأي حال، هذه هي بعض القيم الإنسانية والقواعد الأخلاقية التي تعامل بها الحسين (ع) مع أعدائه، فكيف بتعامله مع الآخرين، إنها حزمة قيم عظيمة حرصت النهضة الحسينية على نشرها وترسيخها بين أمة المسلمين، بل ونقلها إلى عموم الأمم الأخرى.

يقول الإمام الشيرازي في ذلك:

(الإمام الحسين عليه السلام هو الذي سقى عسكر أعدائه الذين قدموا لقتله وقتل عياله، وهو لا يقبل أن يبدأ بمقاتلة الأعداء قبل أن يبدؤه بالقتال، وهو الذي لا يحمل على فار ولا جريح).

هكذا هي شخصية الإمام (ع)، فكيف لا تكون نهضته فاعلة ومتأصلة في عقول الناس، ولو لا عظمة هذه الشخصية بقيمها التي آمنت بها وطبقتها فعليا، ولو لا تلك الأخلاق النفيسة التي شكّلت شخصية الإمام الحسين (ع)، لما تحيّرت فيه عقول حتى أعدائه.

إنه عليه السلام ينصح أعداءه في أرض المعركة كي يثوبوا إلى رشدهم ويكفّوا عن غيّهم، بل ويرفع كفّيه نحو السماء، متضرعا خاشعا وداعيا لهم بالهداية والكف عن الإيغال في أفعالهم، ومواقفهم المنافية لقيم الإسلام، وأن يهديهم الله كي لا يكونوا من الكافرين.

وفي هذا يؤكد الإمام الشيرازي على أن: (الإمام الحسين (ع) هو الذي يحنُّ على أعدائه، ويبالغ في نصيحتهم ويبكي عليهم، رغم تحاملهم عليه وشدة بغضهم له ولأبيه).

هذه النهضة الحسينية العظيمة، لا يجب تأخّر أو تقاعس المسلمين عن قطف ثمارها، واستثمار تفاصيلها ودروسها في جميع الميادين حتى تلحق أمة المسلمين، بالأمم المتطورة وتتصدرها كما كانت في سابق عهدها إبان الحكومات الإسلامية الناجحة، وأول من عليهم الالتزام بقواعد النهضة الحسينية والعمل بها ونشرها، هم مؤيدو الإمام (ع) ومناصروه، والملتزمون بنهجهِ.

اضف تعليق