يميل بعض البشر الى الحفاظ على ما في جعبتهم دون الدخول بمجازفة او حتى تجربة شيء جديد مختلف، وهذه الرغبة في ابقاء الوضع الراهن او الابقاء على (الخيار الافتراضي) ما لم يضطر دافع قوي للتدخل أو رفض ذلك بدافع نفسي، ويتصف الوضع الذي يدعى بالـ(الجمود النفسي) بأنه ذاتي وليس لأية قوى خارجية دخل في احداثه فوفقه يصبح الفرد قاصر ذاتياً ومتحيزاً لوضعه الحالي، و أن التحيز هذا ينطوي على تجنب أي تغيير قد يُنظر إليه على أنه خسارة.

وعي الانسان وقدرته على التقرير لها بالغ الاثر في تقليل نسب الجمود النفسي او زيادته فكلما زاد وعي الانسان بنفسه وحاجاته والى اين يود الوصول سيمتلك شجاعة في كسر الجمود والسير في خطوات تصاعدية بهدف تحقيق اهدافه فأكثر ما يبدد طاقة الانسان ويهدرها هو الخوف والتردد، وعلى النقيض من ذلك يخسر الفرد الكثير من تفكيره ويستنزف طاقته النفسية حين يريد ان يغير شيء ما في حياته ولو كان بسيطاً لا يستدعي كل هذا العناء.

في دراسات نفسية اجريت على مجموعة من الناس اثبتت أنه يؤثر على اتخاذ القرار من خلال ذهاب الأفراد الى تفضيل الخيار الافتراضي أو يفضلونه تلقائياً حتى لو كان هناك خيار أكثر فائدة متاحًا لهم مع عدم وجود دافع لرفض التغير، فعلى سبيل المثال يبقى الكثير من الناس مترددين في اتخاذ قرار اكمال دراستهم على الرغم من قدرتهم على تخطي الاختبارات وتجاوز حيثيات الدراسة الا ان يفشلون في وضع ارجلهم على اللبنة الاولى للسلم وهو ما يتسبب في تكبدهم خسائر أكبر مما كانوا سيتعرضون له إذا كانوا قد استثمروا في وقت سابق، فالحياة فرض وبعضها لن تتكرر او قد تتكرر مع فارق الرغبة والقدرة ففي كل يوم يمضي من حياتنا تقل رغبتنا في الكثير من الاشياء ويبدو تسليمنا للواقع واقعياً اكثر من ذي قبل وما كنا قادرين عليه لم يكن متاحاً الان لذا هي دعوة الى استثمار الفرص لأنها تمر ممر السحاب.

قد يستسلم بعض الناس الى الراهن تحت تأثير الهبة أي القيمة الأكبر التي يتم وضعها على الأشياء المملوكة من تلك التي لا تملكها ناتجة عن النفور من الخسارة، والمصداق هو دراسة (دانيال كانيمان) التي اجراها في عام 1990 حيث قدم عرض لمجموعة من الافراد بإعطائهم سبعة دولارات للتخلي عن كوب صغير بحوزتهم في حين أن الأفراد الذين لا يملكون الكوب كانوا على استعداد فقط لإنفاق حوالي ثلاثة دولارات على نفس الكوب، ومن هذا تبين أن الخسائر لها تأثير أكبر من المكاسب و يمكن اعتباره أيضًا دليلًا على الجمود النفسي حيث تم تزويد المشاركين بنفس الأشياء، ونظرًا لأنهم كانوا غير مبالين بها، فقد اختاروا الحفاظ على الوضع الراهن حيث لم يكن هناك حافز للتداول.

كما يحدث الجمود النفسي بسبب عدم قدرة الفرد على كسر التقاليد الوظيفية، اذ تشير مقالة لـ(جيمس كواليك) بعنوان الجمود النفسي الى ان رئيس احد الشركات كان ساخطاً من العمال بسبب معرفتهم القليلة بما كان يجري في قسم التصنيع نتيجة لذالك السخط أصبح البقاء خلف الأبواب المقدسة للمكتب الإداري تقليداً ولمعالجة هذه المشكلة طلب الرئيس من كل مدير تقديم إجراء التصنيع بالتفصيل في اجتماع الموظفين وجعل المديرين الآخرين يطرحون أسئلة ثاقبة نتيجة لذلك، في وقت قصير، كان المديرون في طابق الإنتاج يتعلمون الإجراءات اذ ان ابواب التعلم فتحت ولم يبقى داع للتقيد او الجمود.

ويفسر الاستمرار بالجريمة مرتبط بالقصور الذاتي فنظرية القصور النفسي الذاتي لـ(جلين والتر) تنص على ان استمرارية الجريمة قد ينتج من عوامل تربط بين السلوك الاجرامي في الماضي والحاضر عبر الاستمرار بنمط حياة ثابت، ويستند والتر في نظريته على قانون القصور الذاتي لنيوتن الذي يقول: أن الجسم سيبقى في حالة حركة حتى يتم التصرف به من قبل قوة خارجية، حيث يكون الجسد المتحرك هنا جريمة وهذا احد الاسباب المؤدية الى الجمود.

في الختام قرائنا الكرام نضع بين ايديكم جملة من التوصيات التي تحسن الحالة النفسية وبالتالي تكسر الجمود النفسي وهي: ضرورة ان يمتلك الانسان قدر من الشجاعة ليجرب تجارب حياتية لم يعشها فأن نجح فيها سينال حلاوتها وان فشل فسيتعلم كيفية تجنبها، ومن الصحي ان يكون الفرد واثقاً بقراراته ومتحملاً لإخفاقاته لان ذلك سيمكنه من الاعتماد على نفسه دون الاخرين في الكثير من القرارات والتجارب البسيطة والمعقدة، واخيراً لابد للانسان من الاستمرار والديناميكية التي تبقيها منتجاً ومتوهجا دون ان ينطفئ نوره او صبح هامشياً ساكناً وجوده يساوي عدمه.

اضف تعليق