بدأ التغيير العظيم في العراق في مطلع عام 2003. وبدأ بهزيمة النظام الديكتاتوري عبر الانتخابات وكتابة الدستور والقانون. وأصبح للصحافة مكانة باستطاعتها خرق القواعد التقليدية والسياسة البالية بل أصبحت إمبراطورية تمتد إلى جميع جوانب الحياة في العلوم والاقتصاد والسياسة والقانون، ومع هذا التطور رافقها أيضا مجموعة من الظواهر السلبية التي بدأت تتشكل تدريجيًا.

وفي كثير من الأحيان يتم الإقرار بأوجه الخلافات والشك في الآخر إلى حد كبير وبنرجسية عالية بتخيل أن الكثير من الصحفيين يصرون على اعتبار أنفسهم على قدر كبير من النزاهة والموضوعية، وأن من حولهم قذر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مخطئون تمامًا بمخيلتهم الأخلاقية غير الصائبة. بل هم عرضة للجهل ولن يتمكنوا على التفسير المنطقي والعاقل لما يقومون بعملهم. بل نجد أن الانفعالات الشخصية تسيطر عند مواقف معينة إرادتهم دون الالتفات إلى المصداقية والإنصاف والعدالة.

التجربة العراقية ومع مرور عقدين من الزمن لم تمتلك رؤية كافية ولم تراع اتجاهات المدارس الفكرية للصحافة العالمية وهذا ما نلمسه من خلال المنهج والتعليم تارة ومن خلال التطبيق تارة أخرى، ولو أردنا أن نقارن بشكل بسيط سنجد على سبيل المثال الفوارق بين التجارب، فمثلا ما تتبعه صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في دليل القيم والممارسات لقسم واحد وهو الأخبار والتحرير تحت باب رئيسي وهو "الصحافة الأخلاقية"، سنجد الفوارق بين التجربة العراقية والتجربة العالمية، ومن خلال تجربة شخصية ومن خلال الإطلاع على المناهج والمواثيق الأخلاقية لكثير من وسائل الإعلام والجامعات هناك فقرًا في دراسة القيم الأخلاقية عبر أبوابها الفرعية الأكثر اتساعًا ومعرفة وعمقًا بما يخص المشاركة في الحياة العامة، والعمل الصحفي خارج الوقت، والظهور عبر وسائط البث، والإفصاح عن التعارض المحتمل، والتصنيف السنوي، إضافة إلى معايير السلوك، ومسار الإرشادات، والواجب تجاه المتلقي أو القارئ، والامتثال للقانون عند متابعة الأخبار، والتعامل مع المنافسة، والتعاون في خدمة المجتمع، والالتزامات تجاه الوسيلة ومن يتحدث عنها، والانتقالية وقواعد الأقسام المتخصصة، فكل باب من هذه الأبواب هو مدرسة أخلاقية عظيمة لم نجد الكثير منها في مناهجنا وممارساتنا.

ولو أردنا التوسع أكثر يمكن القول أن الصحافة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا ناقشت وباسهاب بكل ما يتعلق بالعمل الصحفي وهي مدارس واتجاهات فكرية قبل أن تكون مهنة أو وسيلة تدخل في جميع مفاصل المجتمع ونزعاته وتوجيهه، فمن بين هذه المدارس والاتجاهات التي تطرح القيم ومبادئ الأخبار، أسوشيتد برس، وقانون التحرير لدى الجارديان، وإرشادات بي بي سي، ومدونة مبادئ الشبكة الدولية لتقصي الحقائق.

أما المنظمات التي تروج لمعايير الصحافة سنجد أيضا هناك مؤسسات كبيرة تعنى بالمعايير الأخلاقية من بينها الجمعية الأمريكية لمحرري الأخبار، مراجع كولومبيا للصحافة، وجمعية الصحفيين المحترفين (SPJ)، وشبكة الصحافة الأخلاقية، وجمعية تعليم الصحافة، ومركز أخلاقيات الصحافة وغير تلك الجهات المعروفة.

باعتقادي نحن اليوم بأمس الحاجة إلى أن يكون الصحفي مثقفًا قبل كل شيء بحيث ينطلق في ثقافة الأخلاق من خلال أبوابها الرحبة، هذا الفضاء الذي يجب أن ننفتح عليه عبر تفاصيله الدقيقة التي تتعلق بالخلفية التاريخية ومن أين بدأ المفهوم ومناقشته مرورًا بالأخلاق الصحفية في مجال الجوانب الفردية والعامة، والتعرف على مدونات الأخلاق والجوانب المنهجية لأخلاقيات الصحافة، ومن خلال التعرف مضامين أخلاقيات الصحافة، وموقع مفهوم حقوق الإنسان وتفسيره ومكانة حرية التعبير والنقاش في الأخلاق الصحفية، ومعرفة الحقيقة إن كانت مطلقة أم محدودة، و علاقة الصحفي بشرائح المجتمع، والفرق بين الأدوار، ومساحة انتشار الصحافة السيئة وشهرتها، والسمات الشخصية في الصحفي الناجح، وموقع التعليم من النجاح والإبداع وتنميته المستقبلية بشكل لن يوقفه عند الانتهاء من التعلم وكذلك الإطلاع على ضوابط ولوائح التوبيخ والعقوبات والخروقات، وأوجه التشابه أو الاختلافات بين قواعد السلوك، والنشاط والاهتمام من قبل أصحاب وسائل الإعلام حول الأخلاق الخاصة بالصحفي والجمهور، والفوارق بين الصحفيين وأدوارهم.

لذا نحن أمام تحدي ذاتي محوره الابتعاد عن البهرجة والابتذال، فهناك من يسعى لأن يخلد اسمه بأي شكل من الأشكال حتى وان كان هناك سطحية وقبحًا على حساب المهنة والرسالة. ففي سبيل الأنانية والشهرة هناك ممارسات يسعى أصحابها التسلق الاجتماعي المرافق للسخرية والبهرجة والشعبوية من خلال بعض الأفراد من جانب، وغرور الإدارات من جانب آخر.

صارت الصحافة في كثير من الأحيان أقرب لـ لعبة يلعبها كل طرف دون قواعد، فتختزل الممارسة إلى مجرد حسابات تتعلق بالربح والخسارة كالثروة والشهرة والابتزاز والعلاقات، وهناك شواهد كثيرة على ذلك حيث انخرطت العديد من المؤسسات الصحفية في هذه اللعبة. فالسلوك السياسي مثلًا يمارس أدوارا خطيرة ومعقدة بل أصيب جسد المجتمع بالفساد حتى فقد الناس اهتمامهم بالقضايا العامة واقتصر الطموح على القضايا الشخصية. فلا إعلام ولا رسالة ولا ممارسة، لذا تقتضي أخلاق المهنة أن نتذكر أن الأمر لا يعدو كونه لعبة. وحتى لا يكون الصحفي مساهمًا في هذه اللعبة التي توسع نطاقها وبدأت تخترع قواعد جديدة أن يتسلح بالوعي الأخلاقي الرفيع لهذه الرسالة العظيمة.

*كاتب صحفي وباحث عراقي

اضف تعليق


التعليقات

هادي
احسنت2021-11-26