كثيرٌ من الناس يَخلِطون بين الحزن والاكتئاب: الحزن، حالةٌ طبيعية، وجزءٌ ضروري من الحياة؛ تنتهي الصداقات، الموت يسرق الأحبَّاء. مثلما توفر لنا الحياةُ الكثيرَ من الأسباب للشعور بالحزن. عندما نُكرم الحزن؛ فإنه يوفر لنا مساحة أساسية للتأمل الذاتي، والمزيدَ من التعاطف والرحمة. قد يدفعنا أيضًا إلى التعرُّف على الحقائق الصعبة، أو يُلهمنا لاتخاذ خيارات أفضل. ورغم ذلك؛ فإن الاكتئاب لا يوفر العزاء؛ إنه يهاجمنا بوحشيّة ويُعزز اليأس.

الاكتئاب، ليس شعورًا خالصًا؛ ولكنه محاولةٌ لدرء مزيجٍ مُعقد من الأشياء غير المرغوب فيها. علاوةً على ذلك، يرتبط الاكتئاب بنشوة خطرِ الانتحار أو محاولات الانتحار. فنحو (15٪) من مرضى الاكتئاب الحاد ينتحرون بينما حاول (56٪) الانتحار. والأغلبية لديهم أفكار انتحارية أثناء نوبات الاكتئاب. لكن من المُهم أن تتذكَّر أنه ليس كلُّ شخص مصابًا بالاكتئاب لديه ميولٌ انتحارية.

بالمنطق الواقعي المدعوم بالدراسات العلمية، فإن القلقَ الاجتماعيَّ والاكتئاب من أكثر اضطرابات الصحة العقلية شيوعًا في العراق. فقد عانى العراقيون أكثرَ من أيِّ شعب آخر من عقود من الحرب والقمع والظلم. ما بين فردٍ وفرد تجد مريضًا كئيبًا. والفرد الآخر مُصابا بالقلق الذي يتحوَّل مع مرور الأيام إلى مرض الاكتئاب. قصةٌ لا تنتهي من المتواليات المرضية -الاجتماعية والنفسية-التي تُغلق بابَ الأمل، وتجعل الناسَ سُكارى بالاكتئاب؛ وما هم بسكارى. لكنهم ما زالوا مُنتجين ومُساهمين في المجتمع والتنمية، من خلال صمودهم وإرادتهم البقاء.

لقد دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر، بعد إعلانها الصريح: بأن مرض الاكتئاب أصبح ظاهرةً خطيرةً في المجتمع العراقي، مع اضطراباتٍ نفسيةٍ أخرى، مثل: الرهاب النوعي، واضطرابات الوسواس القهري، وتعاطي المخدرات وإساءة استعمالها. والأفكار الانتحارية بين الناس يقابلها عدم وجود رعايةٍ صحية لهذه الاضطرابات. إن هناك ارتباطًا قَوِيًّا بين السلوكيات الانتحارية والاضطرابات الاكتئابية، لكن الغريبَ في نتائج هذه الدراسة هو انتصار الرجل على المرأة، حيث إن الاكتئاب يزداد عند المرأة أكثر من الرجل. بيد أن الاكتئاب في المجتمع العراقي –بصفة عامة-حالة طبيعية سببها: البيئة الملغومة بالقهر والظلم، والفقر، واليأس، والحروب.

أحد التصنيفات الدولية الأكثر استخدامًا للأمراض، قَسَّمَ الاكتئابَ إلى ثلاث فئات: خفيف، ومتوسط، وشديد. ووجد إن الفرد يُعاني من مِزاج مُتدنٍّ، وفقدانٍ للاهتمام والاستمتاع، وزيادةٍ في التعب. وقد تتميز هذه الحلقة بانخفاض الطاقة، وتقلص النشاط. أما الأعراض العامة؛ فهي تتلخَّص في: أفكار الذنب، وعدم الجدارة، ووجهات النظر القاتمة والمتشائمة للمستقبل، وأفكار الانتحار، وأفعال إيذاء النفس، وانخفاض احترام الذات والثقة بالنفس، وانخفاض التركيز والانتباه، والتردد، والنوم المضطرب، وتضاؤل الشهية، وانخفاض الرغبة الجنسية.

إن الاكتئاب يمكن أن يكون مُنهِكًا ويختلف تمامًا عن مجرد الشعور بالحزن. عادة ما يكون هناك سببٌ للتعاسة، مثل: الرفض أو عدم الحصول على الوظيفة التي تريدها، والحاجة المادية وتلبية متطلبات الأسرة.

من ناحية أخرى، فالاكتئاب هو شعورٌ منتشر، قد يكون له سبب جذري -أو لا يكون-؛ لذلك، قد يكون من الصعب معرفةُ كيفية التوقف عن الحزن. أن مرض الاكتئاب لا يصيب الفرد فقط؛ لكنه أيضًا يصيب المحيطين به: في العائلة، وفي مكان العمل.

لا تقلق من الاكتئاب

نبدأ بفكرة (الأمل): لا تقلق من الاكتئاب؛ فهو ليس حالة مرضية بلا علاج، صحيحٌ أن الاكتئاب قد يجعلك تشعر وكأنك تعيش في ثقبٍ أسود، لن تهرب منه أبدًا. لكن لحُسن الحظ فإن هذا ليس صحيحًا. ويمكنك أن تتعلم كيف تتوقف عن الشعور بالحزن. في يوم من الأيام، ستنجح، وستجد أن حياتك لديها الكثير من الطاقة الإيجابية لتقدِّمَها لك.

يقودنا تجميع الأدبيات الموجودة إلى نتيجة ألا وهي: أن السلوكَ الاجتماعي المختل متورطٌ في تجرِبة الاكتئاب. لكن من غير المعروف؛ ما إذا كانت قوة رد الفعل تختلف اعتمادًا على ما إذا كانت التفاعلات الاجتماعية: إيجابية أم سلبية، بالاعتماد على النماذج التطورية الاجتماعية للاكتئاب.

إن الاكتئاب يتميز بالحزن المستمر، في حين أن القلقَ الاجتماعيَّ هو خوفٌ غيرُ عقلاني من التفاعلات الاجتماعية. فالقلق الاجتماعي غالبًا ما تُغذِّيه مخاوفُ غيرُ منطقية، فقد يكون أحد أهداف العلاج هو تطوير نمط تفكيرك بشكلٍ أكثرَ واقعية. لذلك، بدلًا مِن تخيُّلِ سيناريوهات أسوأ الحالات، فيما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية؛ عليك أن تتعلم كيفيةَ التركيز على النتائج الواقعية؛ ذلك لأن تغيير نمط تفكيرك يساعد على وضع مخاوفك في منظورها الصحيح. ومِن المفيد تحديدُ المشكلات التي تُثير الحزنَ أولًا.

في هذه الحالة، تكون المشكلة الأساسية –عادةً-هي القلق الاجتماعي؛ لذا فإن عليك أن تطوِّرَ مهاراتِك الاجتماعيةَ وأن تنميَ ثقتك في المواقف الاجتماعية.

يعاني كثيرٌ من الأشخاص المصابين من اضطراب القلق الاجتماعي، والذي تسمى أيضًا الرهاب الاجتماعي، أيضًا يُعانون من أعراضٍ جسدية قوية، مثل: ارتفاع وتسارع معدل ضربات القلب، والغثيان والتعرُّق، وقد يتعرَّضون لهجماتٍ كاملة عند مواجهة موقفٍ مُخيف، على الرغم من إدراكهم أن خوفهم مفرطٌ وغيرُ معقول. جدير بالذكر أن الأشخاص المصابين باضطراب القلق الاجتماعي؛ معرضون أيضًا لخطرٍ مُتزايد، للإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد.

وبالمناسبة؛ فأن الإصابة بالاكتئاب ليس هو نهايةَ العالم، ولن يكون دافعًا ليأسِك. إذ ربّما يكون محطةً مناسبةً لتغيير حياتك: فهناك الكثير من التغييرات في نمط الحياة، وأساليب إدارة الإجهاد التي يمكنك استخدامها للوقاية من الاكتئاب -أو تجنُّبُه-.

هناك بعض المُحفِّزات التي يُمكن أن تسبب لنا نوباتِ الاكتئاب، في حينِ أن المُحفِّزات قد تكون مختلفةً من شخص إلى آخر. هناك بعضُ مسببات الاكتئاب، ولكن إذا كنتَ تعرف عنها يمكنك التخطيط لها. ويمكن أن يساعدك ذلك في التأقلُمِ بشكلٍ استباقي.

يمكن أن يجعلك الاكتئابُ ترغبُ في الاختباء والاختفاء بعيدًا عن العالم. لا بأس من قضاء بعض الوقت في البقاء بمفردك، وإعادة التمركز؛ ولكن امنح نفسك حَدًّا زَمَنِيًّا، ثم افعل شيئًا مُثمرًا لتحسين مِزاجك. إن الاكتئاب يمكن إدارته بشكلٍ جيد، ويمكن –جدًّا- أن تكون هناك حياة رائعة بعد (الاكتئاب).

تغيير العادات السيئة

تعد ممارسةُ الرياضة بانتظام أحد أفضل الأشياء التي يُمكنُك القيامُ بها لصحتِك العقلية، وستساعدك في علاج الاكتئاب، والوقاية من الأعراض المزعجة: كزيادة درجة حرارة جسمك، والتقليل من المواد الكيميائية في جهاز المناعة التي قد تؤدي إلى تفاقُم الاكتئاب؛ فالأفضل دائما هو ممارسة الرياضة بانتظام.

يُظهر العلم أن علاجاتِ اللمس يُمكن أن تُساعدَ بعضَ الأشخاص في التغلُّب على الاكتئاب، وتقليلِ هرمون (الكورتيزون)، وزيادة هرمون (الأوكسيتوسين) الذي يمنح الشعور بالسعادة. وتشمل العلاجات التي يجب مراعاتُها: الوخز بالإبر، والعلاج بالإبر، والتدليك، ومن الممكن أن يؤديَ التدليكُ إلى حالةٍ شبهِ تأمُّليّة؛ تعمل على خفض مستويات التوتُر، وإفساحِ المجال لمزيدٍ من الاسترخاء، وهو أمر رائع؛ لأنك تتعلم: (كيف تتوقف عن الشعور بالحزن).

هناك أبحاثٌ أظهرت أن زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ يمكن أن تُسبب أو تُساهمَ في الاكتئاب، وفي تدنِّي احترام الذات، ووسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون إدمانًا؛ لذا فمن الضروري البقاء على اتصالٍ مع العائلة والأصدقاء وحتى زملاء العمل. إن البشر بحاجة إلى الاتصال -وجهًا لوجه-؛ ليكونوا أصحَّاءَ عقليًّا، ولا شيء يقلل من التوتر ويُعزز مزاجَك بشكلٍ أسرع، أو أكثر فاعلية؛ من الاتصال المباشر مع شخص يهتم لأمرك. كلّما أعطيت الأولوية للتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الشخصية؛ زادت احتماليةُ إصابتِك باضطرابات المِزاج والقلق والاكتئاب.

إن وجود نظامِ دعمٍ قويٍّ، وحياةٍ اجتماعيةٍ نشطة؛ أمر مهم لصحتنا العقلية، ولقد أظهرت الأبحاث أن الحصول على دعمٍ اجتماعي مناسب؛ يمكن أن يَحميَ من الاكتئاب.

إن حياةَ الكثيرين مِنَّا مليئةٌ بخيارات شتَّى، فيما يتعلق بالحياة والعمل؛ وهذا يعني ضرورة اتخاذ القرار المناسب: حيث يُعتقَدُ أن ضغطَ اتخاذ القرار -الصحيح أو الخطأ- يساهم في الاكتئاب.إذا كان اتخاذ القرارات يضغط عليك؛ فقم بتبسيط الأمور: تعلم أن تكون حاسمًا بسرعة أكبر. قلِّل من القرارات التي سيَتعيَّن عليك اتخاذُها خلال أسبوع العمل.

إن الإجهاد المزمن هو أحدُ أكثر أسباب الاكتئاب شيوعًا التي يمكن تجنُّبُها، وإن تعلُّمَ كيفية إدارة الإجهاد والتعامل معه أمرٌ ضروريٌّ للصحة العقلية المُثلى؛ من هنا يمكنك تجنب الإفراط في الالتزام بالأشياء: مارس اليقظة أو التأمل، تعلم أن تترك الأشياء التي لا يُمكنُك التحكمُ فيها.

ووفقًا للأبحاث العلمية؛ فإن الأشخاص الذين يُعانون من الأرق، معرضون لخطر الإصابة بالاكتئاب بمقدار عشرة أضعاف؛ مقارنةً بمن ينامون جيدًا، وللحصول على نومٍ أفضل؛ يمكنك الابتعاد عن النظر إلى أي شاشاتٍ لمدة ساعتين قبل النوم -بما في ذلك هاتفك-، والابتعاد عن التفكير بمُشكلاتك.

الابتعاد عن الناس السامة

في كثيرٍ من الأحيان، البيئة والأصدقاء هما سبب الاكتئاب: فقد نلتقي بشخصٍ يجعلنا نشعر بالسوء تجاهَ أنفسنا، في بعض الأحيان يكونون متنمِّرين صريحين، وفي أحيان أخرى يضعوننا بمهارةٍ في الحزن؛ ليجعلوا أنفسهم يشعرون بتحسُّن.

وبغض النظر عن الموقف المحدد؛ يجب تجنبُ الأشخاص السامِّين بأي ثمن. فهؤلاء يمكنهم خفضُ تقديرنا لذاتنا، وهناك دراسات علمية تؤكِّد بأن التفاعلات الاجتماعية السلبية كانت مرتبطة بمستوياتٍ أعلى من بروتينين معروفين باسم (السيتوكينات)، يرتبط هذان البروتينان بالالتهاب، بالإضافة إلى الاكتئاب.

هناك جزء -لا يتجزأ-من جدران الأمعاء لدينا؛ هو نظام عصبيٌّ معويٌّ مُعقَّد، يتكون من نحو (100) مليون خلية عصبية، وغالبًا ما يُشار إليها باسم: دماغنا الثاني، وفي الواقع، نجد الخلايا العصبية في أمعائنا (80 إلى 90) في المائة من (السيروتونين) في أجسامنا، هناك أيضًا مجموعة معقدة من البكتيريا التي تعيش في أحشائنا، والتي قد تؤثر على مِزاجنا. لقد أظهرت الأبحاث الحديثة، أن اتباع نظامٍ غذائي غني بالدهون بانتظام؛ يمكن أن يكون له تأثيراتٌ مُشابهة للتوتر المزمن، من حيث التسبُّبِ في الاكتئاب.

جديرٌ بالذكر، فإن السمنة يمكن أن تؤديَ إلى تدنِّي احترام الذات؛ خاصة بمجرد أن تبدأ في إضافة أحكامٍ وانتقاداتٍ للآخرين؛ إذ إن هناك علاقة واضحة بين البدانة والاكتئاب. كذلك فإن الاستخدامَ المُفرِطَ للكحول، وأي استخدام للمخدرات؛ لا يرتبط –فقط-بمخاطر أعلى للإصابة بالاكتئاب؛ بل يرتبط أيضًا بمخاطرَ عاليةٍ لانتكاس الاكتئاب. كذلك فإن التدخين والاكتئاب يمكن أن يديم بعضُهما البعض، على الرغم من أن أي نوع من النيكوتين يمكن أن يكون بمثابة مُحفِّزٍ للاكتئاب.

ويميل الأشخاص الذين يتعاملون مع الاكتئاب إلى التفكير في كل ما هو خاطئ، والقلق دون داع، بشأن كل الاحتمالات السلبية التي قد تظهر في المستقبل. وتعزز دورة التفكير السلبي هذا البؤس، ولا تفيد إذا كنت تريد التغلب على الاكتئاب. كذلك فاليقظة الذهنية تتضمن التركيز على اللحظة الحالية، وهي مهارة يجب ممارستُها.

في أغلب الأحيان، تمتلئ أدمغتُنا بالأفكار، والتركيز على اللحظة الحالية يبدو غير طبيعي لأذهاننا. إذا أمكن، ابذل قُصارَى جَهدك؛ لإلهاء نفسك عن الإفراط في التفكير؛ فأفكارك هي عدوك عندما يبدأ الاكتئاب. العب مع أطفالك الصغار، أو اذهب للتمشِّي، وخاصة المشيَ في الطبيعة. اقرأ كتابًا، إذا كنتَ قادرًا على التركيز، أو إنهاء اللغز. افعل أيَّ شيء يبعد عقلَك عن مخاوفِك وقلقِك. الانشغال طريقة فاعلة للتغلُّب على الاكتئاب.

عندما تتعلم (كيف تتوقف عن الحزن)؛ تدرَّبْ على التفاعُل مع حواسِك في الوقت الحالي: ركز على اللمس، والتذوق، والبصر، والصوت، والشم. إن إشراك الحواس يترك وقتًا أقل للقلق، ويضعك في قلب اللحظة؛ حيث إن لديك مساحةً لتحدِّي أي أفكار سلبية تطرأ.

يميل الأشخاص المكتئبون إلى رؤية العالم بطريقة سلبية. وعندما تسوء الأمور؛ فإنهم يلومون أنفسهم، وعندما يسيرون على ما يرام؛ فإنهم يضعونها في الحُسبان. حيث يعزز الاكتئاب الشكُّ الذاتي والشعورُ بعدم القيمة، للتذكير، استثمر في فهم نفسك، وكسر أنماطٍ هزيمة الذات. تذكر الله في الأرض. وقل دائما: رب اشرح لي صدري.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق