تسود مشاعر قلق كبيرة في اوساط عراقية متعلمة بأنتظار موعد اجراء الانتخابات العامة في تشرين الاول القادم، بواعث القلق كبيرة وعديدة، في مقدمتها الاجواء السياسية الحاكمة في البلد، ومعطيات الحالة الامنية والاقتصادية مضافا اليها المزاج الشعبي المتوتر وظاهرة الاستقطابات والانقسامات الحادة التي يعاني منها المجتمع السياسي، ومايزيد القلق الموجود اضعافا مضاعفة، تقارير معاهد ومراكز الدراسات الدولية المهتمة بالشأن العراقي ،وتوقعات كبار المحللين والدارسين، كمعهد واشنطن، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وخبراء عديدون يعتقدون ان خطوات التعافي من المشكلات الكبرى ابطأ بكثير من مفعول التحديات الكبرى التي تواجه العراق.

لا جديد في الموضوع سوى ان الامر مرتبط بالقالب (المعرفي ) للاحزاب والقوى العراقية المتنافسة في الانتخابات، فالامر الحسن انه لازالت لدينا امكانية تشكيل السلطات عبر التفاوض والصفقات والمساومات التي تجري بعيد كل انتخابات، وان منطق (الغلبة) والتحاكم الى السلاح والقوة مازال تهديدا ولم يتحول الى فعل سياسي يومي، بسبب وجود كوابح في حدها الادنى تمنع من استخدام (البلطجة) في الشوارع كما هي النتيجة المتوقعة من عقلية التنافس المستندة الى فكرة الحقيقة المطلقة.

لكن المثير للقلق ان الانتخابات التي يراد منها اعادة توزيع السلطات وتركيبها من جديد كي تقوم بواجباتها السيادية، تغدو تحديا جديدا مع كل موسم انتخابي، فاذا كانت الدول الديمقراطية تذهب الى صناديق الاقتراع لاستفتاء اراء الناس بالاتجاهات السياسية التي تريدها تحكم، لتكون عنوانا ومنهجا ورؤية لمزاولة الوظائف والمسؤوليات ومواجهة المشكلات، فان الحسم الانتخابي عندنا غير وارد عملا، بسبب التعددية الحزبية والمكوناتية المفرطة، وبسبب غياب الوضوح والقناعات السياسية التي تحكم سلوك الناخب العراقي.

اذ يعاني الفرد -المواطن من أزمة وعي تجعله مضطربا ومرتبكا ومترددا في توجيه صوته الى القوى والاحزاب التي تمثل مصالحه، فالناخب -عندنا بعد خمس جولات انتخابية، لا يدري كيف يحل التنازع الداخلي بين اتجاهاته المذهبية وذاكرته التاريخية ومظلومياته وعقده السياسية وبين مصالحه الآنية وضرورياته الحياتية، فهو لا ينتخب حزبا لديه خطة اصلاح اقتصادي، أو رؤية لمواجهة الفشل والاخفاق العام الذي تعاني منه اجهزة الدولة، اي انه لا يقدم المعاش والمنهجي في قراره السياسي، انما يقدم شعارات كبرى وولاءات ذات طبيعة مقدسة، او استجابة عاطفية لمحركات شعورية تشعره بالخوف على مكتسبات تحققت له، هذه الطبيعة السيكولوجية للفرد العراقي والتي تستغلها احزاب تتذاكى عليه بشعاراتها الكبرى وتمنيه بالمكاسب التي سيجنيها اذا انتخب فلانا الموصى به من جهة فوقية متعالية، تغدو جزء من المشكلة والحل في آن واحد، المشكلة في انه (المواطن) لم يتحول الى كائن سياسي متحرر من قيوده التاريخية وانتماءاته الثابتة، والحل في انه يستطيع ان ُيحدث تغييرا في المسارات السياسية فيما لو قلب الطاولة على رؤوس الزعامات وقادة التيارات اذا ماصوت تصويتا (عقابيا)، يرفض بموجبه ما يسوق له من مخاوف ومثيرات ومنبهات شرطية تجعله محصورا في ثنائيات مضلِلة، الامر يتوقف على نخبة النخبة، في توضيح الواضحات للجمهور واجتذابه للتصويت (العقلاني) لانهاء سطوة القوى التي عرقلت بناء الدولة وتشتيت الجهد في معارك استنزاف غير ذات جدوى.

اذا اجريت الانتخابات بذات الوعي الذي سيطر على الانتخابات السابقة، فسيعاد منطق الصراع على الدولة وتركيبة سلطاتها الفريدة في ضعفها ولافاعليتها وعدم جديتها في جدولة الاولويات الخطيرة.

ينبغي ان يتوجه الخطاب العقلاني الى الجمهور لكي يساهم في الخطوة الاولى نحو الاصلاح السياسي الذي يكون مقدمة لاصلاح شامل يعيد هندسة الوعي العراقي ويرتب اجنداته بشكل سليم، المجتمع العراقي يعاني من انفصام شديد بين ما ينتظره من الدولة وسلطاتها، وبين عدم قدرته على اعادة انتاج هذه السلطات بسبب تحكم وعي سلبي مؤدلج ناشيء بدوره عن غياب منطق سليم في فهم الدولة وضروراتها ووظائفها ينهي هيمنة (الادلوجة) على التفكير فيها منذ مائة عام.

آن الاوان لفكر جديد يقدم للناس زادا معرفيا يعيد بناء علاقتهم بالدولة خارج سرديات الاحلام الطوباوية الكبرى، من قومية واممية ودينية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق