لا أظنّ أن أحداً من عشاق القراءة، لم يطرح على نفسه هذا السؤال (لماذا أقرأ؟؟)، وحتما سوف تأتي الأجوبة متقاربة في معناها وتبريراتها وتفاسيرها، لكن هذا لا يعني أنها متشابهة على نحو كلّي، فهناك أجوبة أخرى تختلف معها.

معظم القراء حين تسأله لماذا تقرأ، يخبرك على الفور: لأزيد من خزين معلوماتي، أو لأتعلم الجديد، أو كي أدرك ما يدور حولي. بمعنى معظم الأجوبة تؤكّد لك على كسب المعرفة، والتعلّم، والإطلاع على التجارب الأخرى، حتى نفهم أكثر ولا نقع في المحذور، أو أننا نقرأ لكي نتعلم ونربح ونتطور ونكتسب الخبرات.

القراءة تمنحنا كلّ ما ذُكِرَ في أعلاه، ولكن هل خطر في بال أحد، حين يأتي الجواب عن السؤال بطريقة مختلفة، أو خارجة عن الأجوبة السائدة، فيقول القارئ: إن القراءة تزيل أو تخفّف من غضبي!، إنها تساعدني على التحكم بمزاجي وأعصابي. تُرى هل هذا الجواب عمّا تقدّمه لنا القراءة، متوقَّعا؟

لا أعرف حقيقة بماذا سوف تجيبون، ولكن أظن أنّ نسبة كبيرة من القراء لم يجرب إطفاء الغضب بالقراءة، لكنه حتما كان قد جرّب الحصول على المتعة واللذة من الفعل القرائي، بل هناك أناس أدمنوا القراءة لدرجة أنهم لا يمكن أن يشعروا بالتوازن إذا مُنِعوا أو حُرِموا من القراءة، أو أنهم سيشعرون بنقص ما.

أنا شخصيا استمعت في استبيان شفوي، إلى بعض الأجوبة من قراء عن سبب قراءتهم للمطبوع بمختلف أنواعه، وبحسب رغباتهم، فبعضهم قال: لقتلِ الوقت، وآخر قال: لكي أتخلّص من الأرق وأغفو!!، في حين قال آخرون: لكي نتعلّم.

إنها كما هو ملاحَظ أجوبة تقليدية متوقَّعة، تتّسق مع ما قاله ألبرتو مانغويل في كتابه فن القراءة: (ما يبقى ثابتاً من القراءة هو متعتها)، ويضيف (ومتعة إمساك كتاب بيدي والشعور فجأة بذاك الإحساس الغريب من الدهشة، الإدراك، البرودة أو الدفء الذي يُستحضَر - لأسباب لا تُدرَك - بمجموعة معينة من الكلمات).

جملة (متعة القراءة) لا جديد فيها، كلّنا نقرأ لكي نستمتع بلذة الكلمات والأحداث والصور والأفكار، ولكنّ المثير في الأمر حين تجعلك القراءة بارداً، أو تمنحك الهدوء وتساعدك على الشعور بالدفء، ولهذا ليس في قولي غرابة حين ألجأ إلى القراءة كي أخفف من غضبي، وقد جربتُ ذلك مع نفسي أولا.

قد يتوارد إلى أذهانكم، كيف يحدث ذلك، كيف يتم إطفاء نار الغضب بماء القراءة؟، الغضب كما هو معروف أنواع ودرجات، أخطر هذه الأنواع الغضب المتراكم، فهذا النوع لا يتم تفريغهُ أو تنفيسه في وقته، إذ يبقى الإنسان محتفظا به في أعماقه، ثم يتحوّل مع الوقت إلى نوع من الحقد والكراهية.

هنا يُصبح الغضب أخطر، وأكثر استعدادا للتفجّر في أية لحظة، فالإنسان الذي يفرّغ غضبه في حينه، أو بشكل آني بطريقة سلْمية وسلِيمة، أفضل بكثير ممّن يحتفظ به أو يؤجّل تفريغه، والقراءة هي الحل لهذا النوع من التفريغ.

أي أنكَ تستطيع تفريغ غضبك بالقراءة قبل أن يتراكم، وعليك التخلص منه بالقراءة في لحظة حدوثه، ولا تسمح له بالتراكم، بمعنى إذا تراكم الغضب في أعماقك، فإن إطفاءَهُ بالقراءة ليس ممكنا، أو يصبحُ أكثر صعوبة، أما امتصاص الغضب على شكل دفعات أو أجزاء (قبل أن يصبح كتلة غضب متراكمة) فهو أمر ممكن القيام به على نحو صبور وهادئ.

في مراهقتي كان لي صديق مقارب لعمري، وكان يخبرني دائما بأنني أتحلّى بطيبة مبالغ بها، لكنني سريع الغضب كما كان يقول، وهي حقيقة لا أستطيع نكرانها، ورغم أنهُ اكتشف هذه الصفة منذ الأيام الأولى لرفقتنا المدرسية، إلا أنهُ وجدَ بي الصديق الملاذ بحسب وصفه، ويضيف قائلا لي: إن عيبك الوحيد هو غضبك من أبسط الهفوات التي تُرتكَب بحقك من آخرين.

كان يناقش معي هذه الصفة السيئة، الغضب غير المبرّر والسريع، وكنتُ أستجيب له وأناقشه وأقتنع بما نتوصل إليه من نتائج وأتفق معه على تقصيري، بل وأتعهّد له بالسيطرة على نفسي، لكنني سرعان ما أنسى هذا الاتفاق مع أول حالة تجاوز أتعرّض لها، حتى لو حدثت دون قصد من شخص لا أعرفه ولا يعرفني!!

كنتُ أشعر بالحزن لأنني لا أشبههُ في صفة الهدوء والسيطرة على النفس، وذات يوم أخبرني بشكل مفاجئ بالحل، وحين سألته بلهفة ما هو الحل كي أتخلّص من غضبي فقال باختصار وبرود وهدوء: القراءة.

واقترح لي كتاب (دع القلق وابدأ الحياة لكارنيجي)، ثم دلّني على الشاعر الهندي طاغور وآخرين، وفي اليوم التالي اصطحبني إلى مكان لم أزره سابقا، حين دخلتهُ للوهلة الأولى شعرت بالحرج والقلق، ورحت أتطلع في الجدران التي امتلأت باللوحات المخطوطة بخط عربي متنوّع وجميل.

كل شيء في هذا المكان كان يوحي بالهدوء والسلام، ألوانه الهادئة، مفروشاته النظيفة، عطره البارد، الأصوات التي تشبه تغريد البلابل، الوجوه الطفولية الباسمة، نظافة المكان الأخّاذة، هالة الصمت الجميل، التناغم الروحي بين الحاضرين.

بعد قليل حضر المعلّم، وتوالت الأصوات الرقيقة في تلاوة القرآن الكريم، بأصوات ناعمة، وحين وصل الدور إلى صديقي، وبدأ يرتّل ويقرأ ويتفنّن بطبقة صوته، دهمني شعور لم يزرني من قبل، ماء بارد بدا ينسكبُ فوق رأسي، ويهبط على بقايا جسدي، اغتسال من نوع غير معهود بالنسبة لي، شيء في أعماقي بدأ يبرد، إنها تجربة جديدة لكنها باهرة.

في لقاءاتنا التالية أنا وصديقي، لاحظ أنني لم أعد أغضب بسرعة، لم يتفاجأ بذلك، ولم يتطرق لمفردة اسمها (الغضب) قطّ، كان يعرف أنني بدأت أتطيّب بالقراءة، وأن روحي أخذت تتشبع بجمال من نوع خاص، ولا زلت أتذكّر حتى الآن، تلك المطبوعات التي كان يجلبها لي، أو يدلّني عليها، وينصحني بقراءتها.

الآن وأنا أستعيد تلك المرحلة من عمري، وتلك الرفقة مع صديقي في المراهقة، أستطيع أن أكرّر بأن القراءة يمكنها أن تمتص الغضب بجدارة.

اضف تعليق