مرت ذكرى سقوط النظام البعثي وانهيار دولته القمعية في 9 - 4 - 2003، من دون اكثراث كبير، فكالعادة تشاغل العراقيون عن ذكرى الحدث - الزلزال، وكل يبحث عن مسوغات لموقفه وتبرئة نفسه من نتائج ما حدث، وما تبعه من تاريخ جديد، كُتب للعراق، ما زالت فصوله تتوالى وصورته لم تكتمل بعد.

سقوط النظام حدث مفصلي كبير، كسائر الاحداث المفصلية التي رسمت تاريخا جديدا. كان انهيار دولة البعث الصدامي، بداية لتغيير كبير في المواقف والافكار والسياسات والمحاور، شأنه شأن سقوط دولة بني العباس 1258م، وسقوط دولة بني عثمان عسكريا، قبل سقوطها السياسي والقانوني والرمزي عام 1924.

وكسائر الاحداث الكبرى التي ينقسم الناس بشأنها، بحسب خساراتهم وارباحهم، تشاغل العراقيون عن ذكرى سقوط النظام -الدولة، هروبا من اسئلة الذكرى، وامتناعا عن الخوض بأسباب الانهيار الكبير، فصعوبات ومشكلات وازمات ما بعد السقوط، ما زالت تلاحق الناس وتأخذ بتلابيب السياسيين وقادة الطوائف والاحزاب والمكونات، من الجيلين، جيل المحنة السابقة، وجيل الازمة اللاحقة.

فحتى الساعة لم يتمكن العراقيون من بناء الدولة النموذج، التي تنهي اخفاقا دام مئة عام، الدولة التي تبني أمتها ومجتمعها ونظامها السياسي وعقدها الاجتماعي بما ينهي الجدل البيزنطي العراقي الذي لا يكاد يتوقف، فنحن ما زلنا نتجادل بشأن عيوب تأسيس الجمهورية الجديدة، جمهورية دستور 2005، وما زلنا ندعو الى بناء جديد يتجاوز تلك العيوب، ففي الذكرى الثامنة عشرة لسقوط النظام دعا رئيس الجمهورية برهم صالح الى (عقد سياسي جديد يصلح الحكم نحو دولة مقتدرة ذات سيادة)، وما زال العراقيون منقسمين بين (مدرستين) في العمل السياسي، مدرسة تؤمن بحمل السلاح وحل المشكلات بمنطق القوة والامر الواقع، ومدرسة تقول شبعنا من السلاح والعنف والاستبداد بالرأي ورؤية الحق والحقيقة بمنظار لا يرى غيرها.

بين المدرستين جدل السلاح والبيانات والاستعراضات وخطاب التخوين والتبخيس، وجدل الاستقواء بمراكز القوة الاقليمية والدولية، حتى صرنا بين منهجين، كلّ يرى النجاة من المأزق بتغليب ما يراه صالحا بزعمه دينا ودنيا، ويرمي وراءه إرثا من الانفعال والغضب والتشدد والتطرف، لم ينتج عنه إلا المزيد من الانقسام والاقتتال والفشل وانعدام الثقة والتشكيك بالاخر الى حد اللعنة.

العراقي الخائف من المستقبل القريب والذي يكافح للخروج من ازمات الحاضر الكئيب، يحتاج الى خطاب سياسي واعلامي جديد، خطاب عقلاني - موضوعي يبني وعيه باتجاه استخلاص الدروس والعبر من قرن كامل من التجريب والاخطاء والحزبية والطائفية السياسية والقومية المتطرفة، خطاب يقود الى بناء الثقة بين ابناء (الامة العراقية) لاعادة بناء الدولة العراقية ذات السيادة، أرأيتم أن العقل السياسي العراقي ما زال يتجادل حول مفهوم السيادة ومفهوم الوطن السياسي ومفهوم الامة السياسية ، وهي أبجديات تأسيسية كان مفترضا الانتهاء منها منذ أمد بعيد؟.

ماذا يؤشر ذلك؟ بصراحة موجعة أقول ان العراقيين لم يهتدوا بعد الى كلمة جامعة تقودهم الى تأسيس دولتهم الراعية لاجتماعهم السياسي، فأمامنا شوط طويل من الصدمات والانكسارات حتى نقر بأن مقارباتنا ذات الجذور المؤدلجة خاطئة، ومضيعة للفرص وغير قادرة على اقتناص اللحظة التاريخية، مركب التفكير مأزوم، واجيال الاختلاف العراقي المزمن تنتج كل يوم ثنائيات صراع جديدة تتلهى بها في معارك الشوارع والفضائيات ومواقع التواصل!

نحن بحاجة الى حوار وطني فاعل جاد بسقف محدود ونتائج ملزمة لاطراف الجماعة الوطنية العراقية، ليشرع بعدها في بناء دولة العدالة والكرامة والسيادة، فلا وقت فائضا للانتظار، أو لنستمر في جدالياتنا لنتحول الى دولة اللادولة، التي ينهشها الجميع بلا هوادة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق