في اللقاء الذي أجراه الزميل مجيد السامرائي مع مدير عام الطرق والجسور الأسبق عدنان محمد مظلوم في برنامجه (أطراف الحديث) الذي تبثه قناة الشرقية، قال مظلوم على سبيل المزحة: ان في شوارعنا 15 مليون (طسة)، وهو رقم متواضع قياسا بالواقع، ذلك ان بعض شوارع بلادنا ليست سوى (طسات)، حتى بات السير بمركبتك في أي شارع من شوارع العاصمة او المحافظات دون ان تفاجئك (طسة) او حفرة من بين الأحلام غير القابلة للتحقيق، ولا أظنني بحاجة الى ايراد أمثلة.

لقد جاءت تشوهات الطرق بفعل الاستهلاك والاهمال وعدم الالتزام بالضوابط، اذ مضى على بعضها عشرات السنين من دون صيانة، والتي تمت صيانتها سرعان ما عادت الى حالتها السابقة بسبب رداءة العمل، والبعض الآخر من عمل الأهالي في الأحياء السكنية، فأمام كل بيت (طسة)، ولا يكتفون بالتي وضعت في رأس الفرع او التي عملها الجيران، ونلتمس العذر لهم لتحسبهم على أطفالهم من سائقي المركبات والدرجات النارية الطائشين، لكن يفترض ألا يؤدي ذلك الى تخريب الطريق، فمنهم من يصهر اسفلت الشارع نفسه، او يعمل (طسة) مبالغا فيها، وتشكل خطورة بذاتها، ولا يقتصر الأمر على الأهالي، بل بعض السيطرات الأمنية أيضا تسلك السلوك نفسه، فتضع علب الصفيح الفارغة او اطارات السيارات المستهلكة في الطريق عند تأدية بعض الواجبات، بينما نريد لأجهزتنا الأمنية أن تكون مثالا لكل ما هو راق من تطبيق القوانين الى العناية بالمظهر والأمكنة التي يعملون فيها، كسلوك زملاءهم الذواقين الذين جمّلوا سيطرتهم بزراعة المساحات المحيطة بها بالأشجار والورود.

أغرب (الطسات) تلك التي وضعت قرب جسر للمشاة قبالة مستشفى عام ومتنزه خاص، فصار للطسة وظيفة، بينما مات الجسر واقفا، لعدم استخدامه مع العشرات من أمثاله التي انشئت في مناطق لا تحتاجها اطلاقا، والتي تحتاجها كالجسر الذي أتحدث عنه، لم يفكر المعنيون بالطريقة التي تجعل الناس تستخدمها، فعندما تكون الجزرة الوسطية بين الشارعين مفتوحة، او ممراتها غير مغلقة، لا شيء يجبر المشاة على استخدامها وتحمّل تعب صعودها، لذلك ظل هذا الجسر ديكورا جميلا بلونه البرتقالي الجذاب، وتصميمه اللافت الذي أضفى على المكان رونقا، في حين يتعرض الناس تحته او بالقرب منه الى أشد المخاطر، وللأسف ما عاد موت انسان او عوقه يثير الجهات المعنية، ويحملها على البحث في السبل التي من شأنها ايقاف نهر الموت المتدفق يوميا بحوادث المرور، كتسييج الجزرات الوسطية الى مسافات مناسبة بحيث يستسهل المرء معها استخدام الجسور بدلا من عبور الشوارع، وبذلك نحفظ للناس حياتهم ونجبرهم على السلوك الحضاري لحين تعلمه.

وبما ان الأعذار شتى، والكثير منها جاهز، ويعرفه الجميع مسبقا، فليس بمقدوري مطالبة الجهات المعنية بنصب اشارات ضوئية او انشاء جسر مشاة في الاستدارة المقابلة لشارع حي الكاطون المعروف (بالرحمة) عند مدخل مدينة بعقوبة التي يتلوا أصحاب المركبات الشهادتين عند اجتيازها، وبخاصة أثناء الليل الذي يتعذر معه تقدير سرعة السيارات القادمة او بُعدها عن الاستدارة، وكثيرا ما رأيت رجال الشرطة المحلية مشكورين يساعدون النساء والأطفال على عبور اتجاهي الشارع، ومع ذلك وقعت العديد من الحوادث التي أدت الى ضحايا بشرية وخسائر مادية.

ويبدو لي ان المخططات المرورية للحوادث لا تتضمن اقتراحات او توصيات عندما يكون سبب وقوع الحوادث يتعلق بعدم التأهيل المناسب للطريق، خصوصا وان بعض الأماكن تتكرر فيها الحوادث، ما يعني ان الخلل لا يرتبط بسوء السياقة فحسب، بل بالبنى التحتية اللازمة للمرور الآمن، ولإجبار سائقي المركبات على التخفيف من سرعتهم والسماح للمشاة بالعبور ولزملائهم بالاستدارة، ورحمة بالناس كما هي تسمية شارعهم أدعو الجهات المروية في ديالى الى انشاء (طسة) عند مدخل الرحمة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق