آراء وافكار - دراسات

النخب العراقية: النشأة والتأريخ والإنحلال

غياب النخبوية المركزية وأثرها في إنحلال الدولة العراقية

كتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي (1) استعراضا ً تحليليلا ً وتاريخيا ً للمشهد الثقافي العربي الراهن وهو عنوان موضوعته – دراسته، وما يهمني في دراسته هو غياب اشارته الى دور النخبوي العراقي في تأسيسات هذا المشهد ولعله هو غائب بطبيعته التأريخية.

فقد كانت معالم هذا المشهد التأسيسية وفق خارطة الدكتور الرفاعي تدور بين القاهرة وبيروت وبين رجالاتها الأزهريين والعلمانيين من مصريين ولبنانيين، وإن كان هناك استثناءا ً إسلاميا ً يطرحه فهو جمال الدين الافغاني الذي نزل القاهرة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وقد شكل هبوطه أرض مصر منعطفا ً بارزا ً في مسارات الفكر الإسلامي ولحظة تأسيسية كبرى في أوليات هذا المشهد الثقافي العربي.

ورغم مرور الأفغاني بالعراق ومكوثه في أوطانه بين بغداد والنجف ثلاث سنوات إلا أن تأثيره يغيب كما غاب تاريخه في العراق في الكثير من سيرته المكتوبة، بل أكثر من هذا فإن تطور راهنية المشهد الثقافي العربي تبدو فاعلة وظاهرة وفق ترسيمة كاتبنا في كل من دمشق وبيروت – الطيب تيزيني، حسين مروة، مهدي عامل. ثم نقلة الى بلاد المغرب العربي حيث يبرز عبد الله العروي الكاتب المغربي، وبعد أن يخضع توجهات ومسارات هؤلاء المثقفين الى تحليل نقدي علمي يعود من جديد الى دمشق حين يؤشر تنامي تيار نقدي في تناول التراث وإعادة تفسيره مع الكاتب والناقد السوري علي أحمد سعيد" أدونيس "ثم تتجه ترسيمة المشهد الثقافي العربي نحو القاهرة وبلاد المغرب العربي من جديد مع حسن حنفي ومشروعه التراث والتجديد، والعلم الذي افترضه في الإستغراب ويربو مشروعه على ثلاثة الاف صفحة وقد لا يجد في العمر ما يساعده على إكمال مشروعه الموسوعي والضخم وفق كاتبنا، ويجيء مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي من المغرب وهو يغترف من مصادره الأوربية في النقد والتحليل وتنتهي تلك الترسيمة أو خارطة المشهد الثقافي العربي الراهن بالمفكر الفرنسي والجزائري الأصل محمد أركون ودعوته إلى كسر طوق القراءات التقليدية للنص واقتراح قراءة بديلة توظف العلوم الإنسانية والاجتماعية ومناهج هذه العلوم في قراءة النص.

وفي تلك الترسيمة تبدو أسماء مهمة وحاضرة في هذا المشهد الثقافي وتتوزع على تلك المناطق والمدن التي لم تكن إلا وريثة حضارات ومدارس علمية وفكرية في تاريخ المنطقة الإسلامي. نصر حامد أبو زيد، محمد شحرور، علي حرب، وأسماء أخرى لا تقل عنها أهمية ومكانة، إنها ترسيمة ثقافية عراقية للمشهد الثقافي العربي الراهن تعتمد الخارطة المكانية المرتهنة بمحددات جغرافية ثابتة، هي الشريط الممتد بجوار البحر المتوسط والذي يضعه في قبالة الشريط الأوربي – الغربي والمكان الحداثوي، وتستثني تلك الترسيمة أو الخارطة الشريط في الشواطيء الأخرى من العالم العربي الذي لم يكن في قبالة الغرب الأوربي – الخليج العربي، بحر العرب، البحر الأحمر - ثم تعتمد تلك الترسيمة أو تنشأ في تلك الزمانية التي سمحت باللقاء الثقافي المتوسطي سواء بغزو نابليون مصر عام 1798م أو بسفر رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس عام 1826م، باريس الفاتنة بجمالها وثقافتها وروح العصر الحديث الذي بعث فيها حياة من نوع آخر غير مألوف في الشرق والغرب، ان تلك المشاعر لازالت نلوكها بأفواهنا بعد ما يقارب القرنين من الزمان مرت على سفر الطهطاوي التي بقيت علامة فارقة في تاريخ مشهدنا الثقافي العربي.

وإذا كانت تلك الترسيمة وبالمناسبة هي مألوفة في الوعي العربي الحديث تجعل من شاطئ البحر المتوسط مركزا ً في الثقافة والتثاقف الحديث في المنطقة العربية ومصدرا ً أوليا ً في ثقافة الوعي العربي أو الوعي بالثقافة الحديثة بالتالي، فإنه تحول إلى متن ٍ للثقافة العربية الحديثة. إن الهامش العربي الذي أقصته الجغرافيا عن تلك الشواطئ المتوسطية ظل على هامشيته في التأثير والفعل الثقافي في أداء المنطقة الثقافي أو حتى في أداءه المحلي والى زمن قريب، ونلحظ في تلك الترسيمة العراقية غياب بغداد في لحظة التأسيسات الأولى للمشهد الثقافي العربي الحديث واختفاء الاسم العراقي في إداءات تشكلات الوعي العربي الحديث باستثناء كاتبين عراقيين لم تتخط قدرتهم الثقافية في تشكيل الوعي الحديث حدود العراق هما د. علي الوردي وهادي العلوي. وقد كان للأول تأثير مهم وكبير في تشكيل الوعي العراقي الحديث وهما يشكلان انموذجان للنخبة العراقية او طبقة الانتلجسيا التي تمتهن العمل الذهني دون العمل الجسدي وتحاول التأثير في توجيه دفة الوعي نحو تأسيساته الحداثوية في المجتمع والدولة.

وبالقدر الذي غابت فيه هذه النخبوية العراقية في المشهد الثقافي العربي في لحظة تأسيساته وفي لحظات انتاجه في تاريخ لاحق، فإنها قد عانت او واجهت محاولات منظمة في التغييب مارسته تجاهها قوى سياسية حاكمة كجزء من مشروع خططت له هذه القوى ونفذته في تغييب النخبويات المركزية العراقية، هذه النخبويات التي مارست وظيفة بناء العراق الحديث دولة ومجتمعا ً وشكل غيابها أو تغييبها المقصود عوامل مؤثرة في غياب تماسك المجتمع ثم تماسك الدولة، وكان هذا الغياب قد وضع العراق على حافة الانهيار التاريخي والاجتماعي بعد 9/4/2003 ولا زال خطرها قائما وكامنا حتى هذه اللحظة، ومن أجل متابعة ادوار الغياب او التغييب لابد من استقصاء جذور وتشكل النخبوية العراقية في العصر الحديث ومكامن الضعف والأزمة فيها، وهو ما يقودنا أيضا ً إلى البحث في تاريخية وظروف نشأة وتشكل المجتمع العراقي الحديث.

الجذور التاريخية والاجتماعية للنخب العراقية:

- النخبة في التراث العربي الاسلامي – المعنى في التراث والتغييب في الواقع -

لم يكن لفظ او مصطلح" النخب "الاجتماعي غائبا عن لغة العرب، فقد ورد في لسان العرب بصيغة "نخب" وهو في بعض معانيه انتخب الشيء: اختاره ونخبة القوم ونخبتهم خيارهم وقرئ بضم النون وفتح الخاء عند الأصمعي فيقال "نـُخـَبة" وقرئ كذلك بضم النون وإسكان الخاء فيقال "نـُخـْبة" والنخب: النزع والانتخاب والانتزاع والانتخاب الاختيار والإنتقاء ومنه النخبة. والمنتخبون من الناس: المنتقون. والنخبة هم الجماعة تختار من الناس (2).

إذا ً فالنخبة هي الجماعة التي رشحت في صدارة المجتمع وتكلفت عبر الاختيار والانتخاب من الناس بمهمة ما او مسؤولية ما لتوفر مؤهلات وشروط نجاحهم وقيادتهم، وتداول لفظه في اللغة إنما يعكس مضمونه الاجتماعي في اللغة. فهو توصيف تبنته لغة العرب على اثر تصنيف اجتماعي مارسه المجتمع في صنع هوياته الاجتماعية وهو بهذا يكون احد اسباب إقصائه عن التداول الرسمي والثقافي في التراث العربي الاسلامي.

هذا التداول الذي تصوغه أو تؤسس له الدولة عبر مؤسساتها الرسمية السياسة – السلطة، والدينية – طبقة العلماء والفقهاء والثقافية – الكتاب والأدباء وهي رهينة المؤسسة الرسمية كطبقة مثقفة. من هنا نجد سبب إقصاء مصطلح "النخبة" او "النخب" أو تغييبه في متون التراث العربي الإسلامي لأنه نتاج مجتمع او صناعة ثقافته غير الرسمية وحذفه من المتن المؤسساتي في الدولة الاسلامية وإقصائه إلى الهامشي في حياة المجتمع الاسلامي. فهو يعني ضمن أهم معانيه أي لفظ أو مصطلح "النخبة" او "النخب" من إنتخبه أو إختاره القوم او الناس وهي صيغة في التعبير عن المجتمع عن موقفه، عن رؤيته، عن حكمه، بمعزل عن الدولة او قد يكون على الضد منها. وقد يعكس إرادة لا دخل للدولة فيها.

وإستنتاجا ً عن تعريفات وتوضيحات "النخبة" اللغوية فإن اللفظ أو المصطلح ينصرف بتمامه إلى المجتمع دون الدولة، ويؤكد هذا القول غياب هذا اللفظ وبمدلوله الاجتماعي عن ادبيات الدولة الاسلامية ومؤسساتها. وإذا كان إقصاء مصطلح "النخبة" في التراث بسبب أصوله الاجتماعية والاشتقاقية اللغوية غير الرسمية بفعل هيمنة الثقافة الرسمية في الدولة الإسلامية على مفاصل وفصول التراث فان الصياغة البديلة للنخبة اصطلاحا شكليا جاء عبر قنوات الدولة ومؤسساتها الثلاثة السياسية والدينية والثقافية، وكان مصطلح الخاصة يشكل هذا البديل وإنه جاء ضمن الإستعانات الإسلامية بالتنظيمات الإدارية والسياسية للدولة الساسانية في عصر الدولة العباسية. حيث كان مصطلح الخاصة ضمن مقتنيات او تقنيات الفكر الاجتماعي الايراني.

ثم ان غياب الانتخاب او الانتقاء الذي تمارسه الجماهير الاسلامية في اختيار الخليفة في الدولة ومؤسسة الخلافة هو ما كان يسوغ للدولة او يدفعها وثقافتها الرسمية الى اقصائه والغائه، ولم تكن البيعة في مؤسسة الخلافة ذلك المصطلح الذي ينطبق عليه أو يقاربه المعنى في الانتخاب والاختيار باشتقاقه اللغوي من"النخب" فلم تكن البيعة بديلا حقيقيا عن الانتخاب والاختيار بل كانت بديلا سياسيا ضديا ً ومناوئا ً للانتخاب او الاختيار الشعبي للخليفة، واما البديل الذي ابتدعته الثقافة الرسمية عن "النخبة" فهو مصطلح الخاصة، ورغم اختلاف مصطلحه ومفهومه عن مصطلح ومفهوم "النخبة" الا انه شغل تاريخيا واجتماعيا وظيفة النخبة ودورها، بل ان طبقة الخاصة شغلت وظيفة النخبة جزئيا ً بالمعنى او المصطلح الحديث لها في الاداء الذهني والفكري المنوطة به مسؤولية البناء والتأسيس.

كانت طبقة الخاصة في الدولة الإسلامية تقوم مقام النخبة في الوعي الثقافي الحديث مع الاختلاف المفاهيمي لكل منهما، فالنخبة احادية التركيب في هذا الوعي ذلك ان الحالة النخبوية تنبثق عن ذات انسانية فردية او تتركب في احادية فردية تتمثل كل معطيات العصر الحديث الثقافية والمعرفية والرؤى الانسانية، وصياغة المعنى فيها يشترط هذا التميز في تمثل معطيات الوعي الحديث. اما طبقة الخاصة فإنها تدخل في بنى ومركبات الثنائيات القديمة وهي بنى مؤثرة وفاعلة في مركبات التاريخ الاجتماعي القديم. فالخاصة مفهوما اجتماعيا قديما يستبطن التمييز كاحدى الثنائيات المركبة والفاعلة في هذا التاريخ، ويقترن في ثنائياته تلك بالعامة مفهوما استحضاريا وتمييزا في الذهن والثقافة الاسلامية قبل تكوينات وتركيبات الوعي الحديث، هذا الوعي الذي يتعامل مع مفهوم النخبة على أنه تمثل وعي وتمثيل اجتماعي يتصف بالتميز في الاخرين وليس عن الاخرين، فهو مفهوم غير تمييزي في ثنائيات كان الوعي الحديث يقصيها بمبدأ المساواة وينبذها في تمثلاته الاجتماعية والسياسية باعتبارها ثنائيات تقوم على مبدأ التمييز الاجتماعي والسياسي وحتى الديني.

وقد كانت احدى تلك الثنائيات هي ثنائية الخاصة والعامة وقد تركبت بواسطتها مفاهيم اجتماعية وسياسية ظلت فاعلة في التاريخ وضاغطة بقوة على الذهن الاسلامي. فالعامة حصرت باطار اجتماعي وتقييمي "لا يليق بالخاصة " وهو تعبير اجتماعي سائد في الذهن والثقافة الإسلاميين، وهو تعبير ايضا عن ضرورة التمييز وبوعي قصدي بين العامة والخاصة او بالأحرى بين الخاصة والعامة. وحين زادت الخاصة وخشي عليها من الدخول او الانخراط في العامة ابتكر الذهن والثقافة الاسلاميين تمييزا ً تراتبيا ثانيا هو ما اطلق عله خاصة الخاصة بينما ظلت العامة من وجهة نظر الخاصة على حالة من التماهي الذي يستحضر مفهوم او سلوك القطيع الاجتماعي.

بينما كانت العامة يخترقها انقسام وتراتبيات كإحدى نتائج سياسات التمييز الاجتماعي التي تمارسها الدولة تجاه المجتمع. وتصنع منه ثقافة تسوقها ادبيات وسياسات الدولة الى المجتمع. فالعامة كانت تنقسم او تتمايز على اساس الحرفة أو المهنة ويقسمها ابن ابي الربيع الى طبقتين "احدهما تضم التجار واهل المراتب وهم يحصلون العيش من أحسن الوجوه.... وثانيهما السوقة والجمهور وهم في ادنى مراتب ويصفها بأنها مبذولة لكل دنئ تعس".(4)

ولم تكن الخاصة تستند الى معيار خاص في تحديد طبقتها او بناء مفهومها الاجتماعي ومن ثم تحديد مراتبها واقسامها نوعيا ً وتراتبيا، فقد اطلق لقب الخاصة في اول امره في الدولة العباسية على من نزل من العرب مع المنصور العباسي مدينة بغداد في اول امرها حين اتخذها عاصمة لملكه، وكان المؤرخ الطبري يضع هذا المصطلح "الخاصة" في قبالة الموالي (5) وهم الذين شاركوا أولئك العرب في قيام الدولة العباسية، بل كان العبء الأكبر يقع على كاهلهم.

ثم اتجه مفهوم الخاصة هذا الى من كانت له مكانة خاصة عند الخليفة العباسي فاشتملت تلك الطبقة او تحددت بأصحاب المراتب من العباسيين العاملين في الادارة والقضاء واولاد الانصار والقواد والامراء – العامة (6)، ويبدو انه كانت تتكون طبقة من الخاصة، خاصة بالمأمون من اهل العلم والمعرفة والادب وهناك طبقة اعلى منهم هم العلماء والفقهاء والقضاة، ونستطيع ان نستدل على ذلك بما روي عن اسحاق الموصلي المغني المعروف حيث سأل المأمون ان يختصه بفضل ويجعل دخوله عليه مع اهل العلم والمعرفة والادب لامع المغنين فأذن له المأمون في ذلك ثم سأله بعد ذلك ان يجعل دخوله عليه مع العلماء والفقهاء والقضاة فأذن له في ذلك – العامة. (7)

ان عدم السماح بالالتحاق بهذا الصنف من الناس او لهذه الطبقة من المجتمع الاسلامي الا بعد حصول اذن خاص من الخليفة اعلى سلطة في الدولة انما يؤشر او يدل على ان هذه الفئة من الخاصة اخذت تتشكل وفق معيار خاص نشأت عنه امتيازات وخصائص لا تتوفر للعامة من الناس ومنهم المغنين فئة اسحاق الموصلي والذين هم من العامة في التراث الاسلامي ولكن ما سمح للموصلي ان ينتقل الى طبقة الخاصة هذه هو ما يملكه من علم ومعرفة في صنوف من العلم غير الموسيقى كانت تؤهله حتى للقضاء وفق ما أشارت اليه الرواية عن المأمون.

وتكشف تلك الرواية عن مرتبتين في طبقة الخاصة اولاهما ادباء وكتاب وأصحاب علم تطبيقي على الأرجح وليس النظري واعلاهما هم العلماء والفقهاء وهم أصحاب العلم النظري.

وهو ما سمح للجاحظ الذي عاش في هذا العصر أن يكشف أو يحدد معيار الخاصة في العقل لملازمة العقل للعلم النظري في ذاكرة العلم الاسلامي الذي لا يلازم بالضرورة مفهوم الخاصة الاسلامي بقدر ملازمة مطلق مفهوم العقل بالنسبة لهذه الطبقة العليا في المجتمع الإسلامي، فالخاصة مرتهنة بالعقل في التراث الاسلامي بخلاف العامة التي يطرح التراث الاسلامي مطلق مفهوم العقل عنها، فهم الهمج الرعاع والغوغاء أهل السفه والخفة والسفهاء والدهماء كما يصفهم الادباء والكتاب والخاصة في كتب الأدب الاسلامية والتراثية، وحين يقسم أبي نصر الفارابي المجتمع الى طبقات ثلاث فانه يعتمد العقل معيارا ً اساسيا في تقييمه الاجتماعي والإداري، فالطبقة العليا هي طبقة الفلاسفة ثم طبقة علماء الدين واسفل هذه الطبقات هي العامة التي لا تحتاج العقل وقواه العليا في التفكير والتعقل والتخيل – العامة (8).

وقد ارتهنت ذاكرة العلم الاسلامي بمؤثرات العلم الاغريقي وكانت قيمة العلم في التراث الاغريقي تكشف عن تمييز طبقي واجتماعي. فالعلم الاغريقي ينقسم الى علم نظري عقلاني خالص مجرد من تأثير الطبيعة المادية والمنفعة الاقتصادية فهو من خصائص العقل ووظائفه، وعلم تقني تطبيقي يختص بالجسد وفي شؤونه. يقول ارسطو في علم السياسة "إن من يستطيع الاستشراف بعقله انما هو بالطبيعة سيد ومالك، ومن يعمل بجسده فإنما هو تابع وبالضرورة خادم" وكانت صورة النقد الحديثة الموجهة الى النظرية الاثينية او النظرية الادبية التي صاغتها العقلية الاثينية ان تمييزها الطبقي الاجتماعي يكشف عن زيفها وان النخبوية تكشف مشهد هذه النظرية في تعاملها مع الواقع الإنساني.

وكان اول ما استهدفته النظرية النقدية الحديثة في النظرية الاثينية هو تقويض الحاجز الذي اقامته خطاطات افلاطون واحكام ارسطو بين النظرية والتطبيق بين العلم النظري والعلم التطبيقي، واثبت هذا النقد ان النظرية الاثينية لم تكن مجردة من رهانات الانتماءات الطبقية والاجتماعية الاثينية وانها تصدر عن تمييزات غير موضوعية وتعبر عن فرضيات خفية تشكل ايديولوجياتها المعرفية (9)، لكن يظل العمل الذهني هو شاغل الطبقة المثقفة أو طبقة الانتليجنسيا عن العمل الجسدي. ويشكل مضمون الخاصة الطبقي في نخبويته.

وتبقى رهانات الطبقية والتمييزية المتبلورة في مفهوم الخاصة حالـة في الجسد النخبوي الاجتماعي في العراق بعد تشكل مجتمعه الحديث في مطلع القرن العشرين او في تاريخ اقدم من ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وهو يستعيد في تشكيله الحديث هذا بنية المجتمع العربي الاسلامي القديم في انقسامه او تقسيماته الاجتماعية وتراتبياته الهرمية بما فيها الفهم للخاصة في تمييزها رغم ان وسائل اقامة او تشكيل المجتمع العراقي الحديث هي وسائل وآليات الحداثة العابرة اليه في القرن التاسع عشر الميلادي.

النخب المدنية وجذورها الارستقراطية والوسطى:

رغم رسوخ الحالة القبائلية في العراق الحديث الا انها شهدت تراجعا ً نسبيا ً عن مواقع قوتها ووسائل سلطتها عبر الغزو ومهاجمة مواقع الثراء في المدينة والريف واستحصال الأتاوات بفعل التهديد الذي تمارسه كاسلوب تقليدي بوجه التجار واصحاب الاموال وتهديد طرق المواصلات والملاحة البحرية باستمرار، ان تراجع تلك القدرة في العبث بنظام الدولة جاء بفعل وتأثير اصلاحات ادارية وتنظيمية حاولت الدولة العثمانية تطبيقها لغرض الاستقواء الداخلي امام تحديات الغرب الخارجي، وكان من ابرزها في العراق نظام الملكية العثماني عام 1858م حيث عبر هذا النظام او رشح عن مفهوم ملكية الدولة العثمانية لكل الاراضي باستثناء بعض حيازات الملكية الشخصية واراضي الوقف الذي يخضع الى احكام الشريعة الإسلامية، وبما ان الاراضي سوى تلك الحيازتين "الملك الشخصي" و"الوقف "هي ملك للدولة العثمانية فإن استئجارها من السلطة الحاكمة للدولة العثمانية في بغداد يكون هو السبيل الى حيازتها استئجارا ً شرعيا ً وقانونيا ً وان حيازة للأرض ظهرت من نوع آخر وبنفس الوقت عرفت بنظام الطابو حيث يحافظ على ملكية الدولة للأرض إلا انها تمنح الأفراد أو شيوخ العشائر الحائزين حقا ً قانونيا ً وموروثا ً بالملكية للأرض (10). وقد اقنع مدحت باشا والي بغداد (1869-1871) شيوخ العشائر بجدوى وفوائد هذا النظام بالنسبة لهم حيث تحولوا من متلقي اتاوات الى حائزين نظاميين بواسطة نظام الطابو هذا.

وقد أسفرت تلك التنظيمات عن نجاحات نسبية ونتائج غير مقصودة في بلورة بنية اجتماعية مهدت لتكوين مجتمع عراقي حديث على حساب الحالة القبائلية التي كانت تشكل فوضى اجتماعية وانفلات في الهوية مقارنة بالتماسك الاجتماعي وتعبيرات الهوية عن هذا التماسك كشرط ينضاف الى المكان في تكوين المجتمع وتأسيسه عبر مراحل تطوره، وكان نظام الملكية العثماني قد ادى وبتدخل سياسي مباشر احيانا ً الى تقسيم القبائل الكبرى والعشائر الى اقسام قبلية وعشائرية اكثر عددا ً وأقل قوة (11) لحساب تكوين مجتمع عراقي حديث وإن كان على غير قصد من السياسة العثمانية.

فانزياح العشائرية هو دائما لحساب نشأة او تكون مجتمع حديث في منطقتنا العربية وقد انتاب هذا التقسيم حتى بيوت واُسر المشايخ الكبار فأضعف من قوة القبلية والعشيرة الكبرى.

لقد استطاعت الدولة اخيرا ان تخضع القبيلة الى سلطتها ويتجه البناء الاجتماعي في العراق في هذه الفترة الزمنية والتاريخية المهمة نحو تأسيس او بناء مجتمع عراقي تتواشج فيه العلائق الاجتماعية وتمر المصلحة والمنفعة فيها عبر مفهوم ونظام الدولة الحديثة، إلا أن القبائلية او الروح العشائري ظل ماثلا ُ في هذا المجتمع وبقوة كامنة فيه تتأهب العودة الى القبلية أو العشيرة في لحظة تستشعر بها ضعف الدولة واهتزاز القوة في القانون، وظل تعبير الفرد العراقي عن ذاته الاجتماعي يبدأ بقبيلته ثم بمجتمعه ثم بدولته، والفرد العراقي يستحضر دائما تاريخ قبيلته او عشيرته في انتماءات هويته قبل ان يستحضر تاريخ دولته، فالدولة احدث عهدا ً او اقرب تاريخا ً في قناعة الفرد العراقي الذاتية من تاريخ قبيلته الماثل دوما ً في ذاكرته وبشحن اسطوري يؤسس هذا الزخم في الانتماء الى هذا التاريخ القبلي او العشائري غير المدون وغير المسطور والمستحفظ عن طريق تلاوته وترديده على اجيال متعاقبة تتعهد الروي وتشدد على اسطرته من اجل مزيد من الانتماء والتجذر في الهوية الاجتماعية. وهو ما عجز تاريخ الدولة العراقية الحديثة عن ممارسته وكف عن اسطرة وقائعه الاولى في التأسيس لأنها وقائع غير قابلة للأسطرة.

فالدولة العراقية الحديثة نتاج واقعة الحداثة التي تقف على الضد من الاسطورة أو اسطرة الحدث في التاريخ رغم عدم اكتمال مقوماتها وطرائق صيرورتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الان. وهناك سبب اخر لا يقل اهمية هو ان دولتنا الحديثة جاءت بفعل ضغط خارجي فهي صنيعة تحديات خارجية وهو ما تشكله المرحلة العثمانية في بناء الدولة العراقية او صناعة مباشرة لقوى الاحتلال والسيطرة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى - وقد تكررت مع صناعة دولتنا الاحدث بعد الاحتلال الامريكي للبلاد في 9/4/2003.

إلا ان المجتمع العراقي الحديث في تكونه كان تطورا ً بنيويا ً داخليا ً لم يخضع في تكوينه الى ارادات خارجية سواء عثمانية أو بريطانية وانما هي صيرورة بديلة عن غياب نسبي لكنه مؤثر للروح العشائرية او الحالة القبائلية.

لقد كانت تقنينات الملكية سببا مباشرا َ في توطن قبال البدو الرحل وانتشارها على مسافات جغرافية - مكانية واسعة بين دجلة والفرات وعلى ضفافها، وبذلك توثقت الصلة بالمكان وصار للمكان دخل في هوية الفرد القبلي او العشائري والمكان هو حاضن مفهوم المجتمع ومبرره. وقد اسهمت العلاقة بالمكان العراقي في تأمين طرق المواصلات والاتصالات بين اجزاء هذا المكان ومناطقه ومدنه بعد ان تخلت تلك القبائل والعشائر بفعل سياسة التوطين والملكية عن الغزو والسلب ومهاجمة المدن والقرى المجاورة لها. فقد صارت على صلة مباشرة بالمكان وما يثبته مفهوم المكان من انتماء في النفس وفي الضمير الاخلاقي الذي سيتحول لاحقا ً الى ضمير وطني.

وتحولت التجمعات السكانية في العراق او مجتمعاته المتمايزة وهو الوصف المألوف لصور المجتمع العراقي قبل تحوله في سيرورة تاريخية وان لم تكتمل باتجاه مجتمع حديث، وكان وصف تجمعات سكانية او مجتمعات متمايزة هو اللغة الساندة في اوراق الباحثين والمؤرخين عندما يتحدثون عن عراق القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. لقد تحولت تلك التجمعات السكانية او هذه المجتمعات الى امكانية صنع مجتمع عراقي او حيز من مجتمع يعيش ضمن حدود دولة ويكتسب هويته عبر جدلية العلاقة بين المجتمع والدولة، وكانت تلك الجدلية تتعزز وتتبلور اكثر بعد تقنيات الملكية التي اعقبت نظام الطابو العثماني وهي قانون "اللزمة" الذي اصدرته الدولة العراقية عام 1932 م وعرف بقانون اللزمة الانكليزي عند بعض الباحثين - حنا بطاطو - وقد زودت تقنيات الملكية بنظاميها العثماني والانكليزي وبعد التوطين الاجتماعي هذا المجتمع الناشئ بطبقة من الخاصة وهم ملاك الارض الجدد وهي طبقة تشكل امتدادا ً تقليديا ً لطبقة الخاصة في التراث والتاريخ الاسلاميين.

فهي طبقة تقوم على التمييز بينها وبين العامة من الشعب حتى ضمن علاقاتها القرابية الأولى، وكانت هذه الطبقة من الملاك تنضاف الى طبقة اقدم في المدينة العراقية ورثت امتيازاتها المادية والمعنوية عن ايام الدولة العثمانية وكانت تشكل طبقة الخاصة بحد ذاتها، ورغم الحالة النخبوية التي كانت تقاربها من حيث وظائفها ومسؤوليتها الادارية الا انها كانت تفتقر الى المفهوم النخبوي الحديث لأنها ظلت على صلة بإمتيازات الخاصة ذهنيا ً وسلوكيا ً، وقد حرصت تلك النخب المدنية ووارثة الامتيازات والالقاب العثمانية على الابتعاد عن السياسة واقتصار ادائها الرسمي والوظيفي على العمل الإداري، ويكتب بطاطو ان بعضا ً منهم شكلوا نواة الحركة الوطنية في العراق او نخب الوطنية ومنهم عارف حكمت الآلوسي وناجي شوكت وجلال بابان والوطني المعروف على ال بازركان ورفعت الجادرجي والد الزعيم الوطني كامل الجادرجي وهم في أغلبهم من طبقة الملاك والموظفين الاداريين من أيام العثمانيين من الملاكين القدامى والمعروفين.

وقد زودت تلك الطبقة من الملاكين والاداريين العثمانيين القدامى والموزعين على عدد من البيوت والأسر البغدادية والموصلية واقل في مدن عراقية اخرى ذات الصلة بالحكم العثماني عرقيا ً وتاريخيا ً زودت الدولة العراقية بعد تأسيس الملكية عام 1921م بطبقة من الموظفين والمسؤولين الكبار في الدولة من وزراء ورؤساء وزراء وتقاسمت تلك النخب العراقية العدد الكبير من الوزارات والمناصب العليا في البلد حتى صارت تشكل جزء من الطبقة السياسية حتى العام 1958م (12).

لكن هذا لم يمنع من ان تلعب تلك الطبقة دورا ً بارزا ً في ثورة العشرين عام 1920م فقد كان هناك عددا ً من أفرادها أعضاء في اللجنة المركزية لحرس الإستقلال (13).

ولكن بموازاة ذلك كانت هناك طبقة تعود بانتمائها الارستقراطي الى أيام الدولة العثمانية ايضا ً وكانت تشكل طبقة نخبوية حداثوية طرحت مفاهيم العلمنة والتغيير الإجتماعي وتطرفت في طرحها حتى دعت الى اقصاء شبه كامل للدين عن الحياة والمجتمع، وقد تكون لديها تيار لا ديني وانصرفت جهود هذه النخبة الى تطوير قدراتها الثقافية وتحدثت عن الحتمية الاجتماعية في التغيير وفرقت بينها وبين القدرية كارث فكر قديم بينما تنحو الحتمية الاجتماعية منحى حداثوي واطلعوا على اراء علم النفس الحديث في ما سجله من صور وتفسيرات للإرادة عند الانسان وكيف تصاغ هذه الارادة اجتماعيا وبيئيا ً.

وكان همهم ازاحة المعتقدات القديمة في الذهنية العراقية ومن ثم ازالة التقاليد والعادات القديمة الناتجة عنها بفعل ايمانهم بقانون التغير الاجتماعي الذي تحدده الحاجة الاجتماعية والاقتصادية من وجهة نظرهم 14 التي بدت متأثرة الى حد كبير بالماركسية، وكان يحمل نواة هذه الافكار ويبثها في النفوس رجل من بقايا الارستقراطية العثمانية وهو حسين الرحال الذي كان ابوه من طبقة التجار الجلبيين ثم دخل سلك الضباط الاتراك وكان من القيادات العليا للمدفعية وقد مكنت له أحواله المادية الجيدة ان يسافر الى عدد من بلدان العالم في اوربا واسيا وأن يطلع على الحركات والافكار الماركسية ثم تأثره بعدد من المبشرين بالماركسية والشيوعية في العراق ومنهم الارمني وعضو الهنشاق الحزب الارمني - ارسين كيدور وكان في بغداد يشغل موقع معلم تاريخ في المدرسة السلطانية - والذي تحول الى البلشفية بعد ان كان مجرد ماركسي. وفي سفره الى الهند كان له لقاءات مهمة مع شيوعي هندي ترك اثرا ً كبيرا ً في تفكيره وفهمه للصراع الطبقي وكان يطالع صحيفة "الشهرية العمالية" لناشرها الهندي والعضو في الحزب الشيوعي البريطاني، وقد اجتمع حول حسين الرحال عدد من الشباب التواقين للرقي والتغيير وكانت تتفاوت انحداراتهم الطبقية لكن نسبة كبيرة منهم تنتمي الى الطبقة الارستقراطية العثمانية، وقد استطاعت هذه الجماعة كما كان الرحال يحاول ان يعرفها دائما ً بهذا الاسم ان تصدر صحيفة اولى من نوعها في العراق بعد تأسس الملكية العراقية وفي العام 1924م وقد حدثت مواجهات بينها وبين جماعتها من جهة والتقليديين الاجتماعيين والدينيين في بغداد، وصيغة الجماعة او اسم الجماعة في تعريفها هو تعبير عن افتقادها للعنصر التنظيمي كحركة سياسية او كحزب سياسي ذي هوية تنظيمية أو حزبية واضحة إلا ان هذه الجماعة استطاعت ان تنظم نفسها عبر تنظيم اجتماعي في منطلقه، سياسي في مراميه وغايته وهو نادي التضامن، فهو من جهة يعمل على بث ونشر المبادئ التي تكفل تحسين احوال المجتمع وهي لا تخرج عن اطار ومبادئ جماعة حسين الرحال الأولى وكان النادي أيضا ً على صلة بالأممية الثالثة وتزويدهم ببرنامج العمل وفق مبادئ هذه الاممية الذي كشف عنه ملف بعنوان "نادي التضامن" في ملفات الشرطة العراقية (15)، وقد كشفت واقعة انيس النصولي عام 1927م والتي كان فيها تداخل قوي مع برنامج نادي التضامن وجماعة الرحال عن مدى قدرة المؤثر الثقافي السياسي والاجتماعي الدولي والإقليمي التأثير في النخبة العراقية الحداثوية والحديثة التكوين في عشرينيات القرن العشرين، وهي تعكس عراقيا ً دورا ً ثانويا ً في تكوينات المشهد الثقافي العربي.

وفي اعقاب المحاولات الاولى التي قادتها النخب التقليدية في بناء الدولة العراقية والمجتمع العراقي بآن واحد فقد صدمت تلك الواقعة الضمير الشعبي والتقليدي في مجتمع حديث التكوين، واصطفاف من النادي ونخبة الحداثوية الى جانب الكاتب السوري انيس الصولي اثارت استياء مذهبيا وفهمت من قبل التضامن وجماعته انه استياء الطائفية رغم ان الدولة وقفت على الضد من توجهات نادي التضامن وكتاب انيس النصولي الا انها تركت أثرا ً بالغا ً في نفوس الشيعة جعلت المسألة الطائفية في العراق تأخذ بعدا مزدوجا فهي من جهة ضد حرية التعبير عن الراي من وجهة نظر اعضاء نادي التضامن ومن وجهة نظر الشيعة تشكل اعتداء على مقدساتهم التي كفلت مبادئ حقوق الانسان الحديثة صيانتها واحترامها في النظم الديمقراطية والتي كان العراق في هذه المرحلة يهيئ نفسه للدخول فيها او قد دخل فيها فعلا كأول تجربة ديمقراطية في البلاد العربية.

الا ان هذه النخب الحداثوية والمنضوية في برنامج نادي التضامن لم تكن تصدر عن افكار وكتابات عصر التنوير ومؤسسي الحداثة الاوربية مباشرة بقدر ما كانت تصدر عن ترجمات كتب واصدارات ثانوية لم تكن تملك تلك القيمة الفكرية الكبرى بالنسبة للحداثة الاوربية.

لكن رغم ذلك فان هذه النخب استطاعت ان تفتح مغالق العالم الحديث امام ابناء العراق وطبقاته المسحوقة وسمحت لأبناء الطبقات من غير الخاصة الارستقراطية العراقية التي تكونت في العهد الملكي من الولوج بقوة الى الحياة السياسية في العراق وشقت طريق البناء الذاتي لها ومن ثم حاولت توجيه البناء الاجتماعي في العراق وتأسيسه نحو اهدافها السياسية وطموحاتها اليسارية والمثالية الشيوعية، وكانت هذه اللحظة تنبثق عن معاناة وحرمان الطبقات الاجتماعية الاقل ارستقراطية، فكانت تحمل مشاعر الخلاص عبر التغيير الثوري باتجاهيه المعرفي الثقافي والسياسي الاجتماعي ولم تخلو من تأثيرات ثقافية وسياسية خارجية تحمل دعوات البلشفة والتمهيد الى نشر الشيوعية بين طبقات الفلاحين والفقراء، وقد مارس هذا الدور اشوري عراقي الاصل (زكريا إلياس) نشأ في تفليس بجورجيا وتعلم هناك وقد وصف بأنه "ثوريا ً محترفا ً" وقد تنقل بين عدد من محافظات العراق وفي الناصرية كان له لقاء سيترك اثارا مهمة على تاريخ العراق السياسي الحديث فقد التقى بثلاثة اشخاص هم يوسف سلمان "فهد" وداود سلمان وغالي زويد وقد اصبح اولئك قادة الحركة الشيوعية في العراق فيما بعد وقد انضافت اليهم اسماء اخرى في البصرة وبغداد وكانت الحركة تتزود بعض الاسماء والاعضاء والرؤى عبر نادي التضامن الذي كان حسين الرحال يلعب فيه دورا ً ناشطا ً وأساسيا ً.

وعند مراجعة الاصول الطبقية للمؤسسين الشيوعيين الاوائل نجد انهم في اغلبهم ان لم يكونوا كلهم هم من اصول الطبقة الوسطى او الوسطى الدنيا باستثناء واحد منهم كان ينتمي لطبقة اقل شأنا ً اجتماعيا ً (16).

وقد بدت النخبوية الحديثة واضحة في تصنيفهم الثقافي والاجتماعي فالتميز الذي بدت تستشعره هذه النخبة لم يكن عبر حق موروث او امتياز طبقى ممنوح وانما تمكنت من تحقيق امتياز اجتماعي ثم سياسي عبر توفر فرص التعليم بتأثير انتماءها الطبقي - الطبقة الوسطى - الذي كان يكفل لها او يشجعها على الالتحاق بالمدارس او المعاهد، وكانت تتقاسم التعليم معاهد المعلمين ومدارس الحقوق في بغداد والمدارس التبشيرية الامريكية والجامعة الامريكية في بيروت وكذلك الجامعة الشيوعية في موسكو والمدارس التركية والمدارس الدينية التقليدية (17).

ثم هناك الحركة الاجتماعية ثم السياسية التي اندفعوا باتجاه أهدافها عبر تبنى مطالب الطبقات المحرومة والاكثر فقرا ً وموقفهم السياسي بإزاء مسؤوليتهم تجاه الشعب باعتبارهم طليعة العمل التغيري والثوري الذي دأبوا على الترويج له والعمل من أجله، وهو ما تضمنه اول بيان كتبه الشيوعيون المؤسسون في بلده الناصرية عام 1932م وهو يحمل شعار "يا عمال العالم إتحدوا" وأتهم البيان الطبقات الارستقراطية او طبقة الخاصة التقليدية بانهم مصدر الرذائل الكبيرة في المجتمع وان امتيازات الشرف التي يحظون بها مجرد وهم، فالشرف الحقيقي هو في العمل (18).

وبهذا بدأت نخبوية تتأسس وفق معيار لهم يكن معهودا ً من قبل ان لم يكن مذموما ً وهو معيار العمل كإيمان نظري وجوهري في قيادة الجماهير ينضاف اليه امتياز التعليم الذي حظي به اولئك المؤسسون الأوائل، ثم ان هذه النخبة بدأت بالتحول باتجاه سياسي مناضل ثوري تعبيرا ً عن جماهريتها بخلاف النخب القديمة التي كانت بمجملها ادارية او إدارية سياسية رغم دورها السياسي المعارض للاحتلال البريطاني وحركة الاستقلال التي التزمتها وهو دور غير قليل الاهمية، وما يبرر نخبوية هذه الاطراف الصاعدة نحو قيادة الجماهير باتجاه تحقيق مطالبها وامتهانها المعارضة السياسية الثورية تجاه الحكومات الوطنية التي اعقبت التأسيس الملكي هو نمذجتها بعيون اتباعها والمؤيدين لها من الشعب الذين زادت اعدادهم مع مضي السنوات الملكية ومن بعد النظام الجمهوري بل لجأ الاتباع والمؤيدون الى النموذج الوطني والنضالي لها.

لقد تحولت تلك الطبقة من السياسيين الى نخب جماهيرية وهذا هو احد مبررات صراعها مع النخب الارستقراطية والتقليدية المتوارثة.

لقد كانت النخب الارستقراطية وباستقطابها المركزي للسلطة والحكم في العراق عبر تداول سلمي تشكل ضمانا ً تاريخيا ً وامينا ً لبناء دولة عراقية مستقرة ولعلها تحمل بذاتها سيرورة تطورية نحو دولة حديثة اكثر رقيا ً وتطورا ً لكن سقوط هذه النخب القديمة السياسي والمدوي بعد حركة 14 تموز 1958م فتح الباب في امكانية تناول السلطة وليس تداولها امام كل الاتجاهات والحركات والأحزاب، وصارت امكانية الوصول الى السلطة عبر الحركات والانقلابات العسكرية امراً لا تحتاج سوى الى خطة عسكرية - انقلاب 8 شباط 1963، انقلاب تشرين 1963، انقلاب 17 تموز 1968، انقلاب 30 تموز 1968، انقلاب تموز 1979، سقوط نظام الحكم بضربة عسكرية عام 2003، وهو يشكل بعدا ً آخر ونتيجة متوقعة في ادراك مفهوم السلطة والحكم عند تلك الجماعات حامية السلطة منها والمعارضة لها وخلف تصور متدني سياسي واجتماعي حول السلطة والحكم في ظل غياب النخبويات المركزية، وأثرها في السقوط المتكرر للدولة العراقية بسقوط رؤساءها وزعمائها الانقلابيين.

النخب الدينية: الجذور والامتداد

لقد رافقت عملية التوطين للقبائل الرحل في العراق واستقرار شريحة البدو في الأرض بعد تقنيات نظام الملكية العثماني"الطابو" والانكليزي "اللزمة" وعلى مدى عقود من الزمن وامكانية صنع مجتمع عراقي من خلالها، رافقت تلك الواقعة المهمة تاريخيا ً والجذرية في التحول نحو مجتمع محدد في ابعاده وكيانه وواضح في هويته "ان كان يكتنف هذا الوضوح صعوبات لا زالت فاعلة ومؤثرة" في تاريخ العراق الحديث حركة من التشيع بين صفوف هذه القبائل وانتشار مذهب ديني يقترن اجتماعيا ً تاريخيا ً بالمدينة والمجتمعات القارة غير المرتحلة، ولا يعني هذا ان المذهب السني تفتقر اليه المدينة وحياة الاستقرار بل ان تاريخ المدينة الاسلامية يؤكد على رسوخ المذهب السني فيها، بل غاية ذلك ان حياة الترحال واللااستقرار تخلو من دوافع التشيع واعتناق مذهب يقوم في جانب كبير منه على مفهوم الحق المضيع الذي لم يستشعره البدوي او يعرفه في حياته، ويتبؤ هذا المفهوم موقعا ً مركبا ً في البنية النفسية للشخصية العراقية وهو مركب بفعل جذر الشيعية وبفعل تراكمات تاريخية واجتماعية عمقت في وعيه ومشاعره فكرة اضطهاده واستلاب حقه والغياب الدائم للعدل في قضيته، وغالبا ما يبرز عنصر الحس بالحق المضيع في مجتمعات المدينة او هو ما يشكل جوهر الصراع في هذه المجتمعات مع تصنيفات وتفسيرات هذا الصراع المختلفة والمتعددة. ويقوم ايضا هذا الصراع بتوجيه الهوية النخبوية في هذه المجتمعات القارة والمدينية.

لكنه يأتي بدرجة اخرى بعد دور وقدرة حالة الاستقرار والعلاقة بالمكان وصيغ العلاقات الاجتماعية المشتقة منها في تنظيم النسق النخبوي في الحياة الاجتماعية والدينية في المدينة التقليدية. وقد ادت حركة التشيع الدينية وظيفة اجتماعية مهمة فقد وثقت علاقة هؤلاء البدو بالمكان واحيانا منحت المكان بالنسبة اليهم بعدا ً مقدسا ً من خلال طقس ديني هو طقس الزيارة الى المدن والامكنة المقدسة التي تضم رفات ائمة اهل البيت "عليهم السلام" وكانت تتمركز في تلك المدن او الامكنة المقدسة طبقة العلماء والفقهاء او النخب التقليدية في المجتمع الشيعي العراقي والذي كان الاتصال بهم او التواصل المستمر معهم ضرورة من ضرورات الدين في المذهب الشيعي–الامامي، وبهذا نشأ مفهوم المرجعية الدينية او الاصل الذي يصدر عنه الشيعة - الامامية العراقيين في سلوكهم الديني والاعتقادي وقد نستطيع ان نحدد تلك المرحلية الزمنية والتاريخية المهمة على صعيد تاريخ الشيعة الحديث مع مرجعية او زعامة الشيخ جعفر الكبير تـ1228" "هـ الملقب بـ"كاشف الغطاء"وقد اسهمت تلك العلاقة وذلك السلوك الديني في منح طبقة العلماء امتيازات وخصوصيات مهمة شكل منها طبقة خاصة تستند او تقوم على معيار العلم والمعرفة الدينية في امتيازاتها ومناقبيتها المرتهنة بالهيبة والاحترام غير المحدود لها، وقد جاء التوصيف الشيعي - الامامي المتأخر لهذه الطبقة العلمية او طبقة الفقهاء بالمرجعية تعبيرا ً عن طبيعة العلاقة التي نشأت عبر المكان والمكان المقدس بين العالم او الفقيه والمجتمع الشيعي العراقي، وقد تطور مفهوم المرجعية الدينية بالنسبة للعالم والفقيه الشيعي من مجرد مرجع في امور الدين والفتيا الى مرجع للشيعة ومجتمعهم في ميدان السياسة والاجتماع.

وهي اقصى حالات النخبوية التقليدية التي برزت في العراق الحديث وكانت في جوهرها تشكل صيغة الخاصة في التراث الإسلامي، وقد تم استعادة معيار العلم والمعرفة في طبقة الخاصة الاسلامية في تصنيف وتوصيف طبقة هؤلاء العلماء والفقهاء وتمييزهم الذي بواسطته تحولوا الى مراجع في التقليد والفتيا. وهو ما يسوغ قولنا ان طبقة العلماء الشيعية تشكل امتدادا ً لمفهوم الخاصة الاسلامي في المجتمع الشيعي الذي تحول بدوره الى عامة في قبالة الخاصة من العلماء والفقهاء واستحقوا تسمية "العوام" من قبل هذه الخاصة بناء على جهلهم او عدم العلم بأحكام وقواعد الشرع الديني الاصولية والعلمية، والعوام هو تعريف جامع شامل لكل مجتمع الشيعة من خارج دائرة العلماء والفقهاء، فالعالم المرجع من اجل ان تنتظم علاقته بهذا المجتمع الناشئ حديثا ً كان عليه ان يتعامل معه على مستويين الاول تجريده نظريا ً من انتمائه القبلي الراسخ في جذور ثقافته ومشاعره ونظرته في كل الاشياء من حوله وتحويله الى شيعي – عامي، وتوصيفه بأنه عامي "من العوام" في التعبير المستخدم في اوساط العلماء والفقهاء الشيعة في العراق الغاية منه هو تسهيل انقياده وامتثاله لفتاوى هؤلاء الفقهاء الدينية. مما يعز من المركزية في هذا المجتمع ويقضي على تمايزاته وتعداداته الاجتماعية والقبلية وعبر تلك المركزية تكونت بنية المجتمع الشيعي في العراق وخضع الى امكانية توصيفه ضمن بنية المجتمع العراقي الاوسع.

وكانت احدى آليات الجذب التي مارستها المرجعية الدينية الشيعية العالم والفقيه نحو مركزة المجتمع الشيعي هو تكثيف اتصاله بالمجتمع الناشئ عبر الوكلاء او ما يطلق عليهم عند العشائر بـ "الموامنة" ويكون حضورهم موسميا ً ثم استبدل مع مرور الوقت الطويل بالدوام والثبات وكانوا يشكلون واقتباسا ً عن نخبهم المركزية الدينية في كربلاء أو النجف من العلماء والفقهاء نخبا ً اجتماعية محدودة بالنسبة لمستقبليهم من العشائر والبدو المستقرين حديثا ً.

وهكذا اسهمت تلك العلاقة في اداء وظيفة التشيع الديني الاجتماعية عبر مركزة المجتمع علائقيا ً -من العلاقات الاجتماعية والدينية- ومحاولة استبدال انتماءات القبيلة بانتماءات الدين والمذهب وضمنيا ً وبغير قصدية بانتماءات مكانية - من المكان - الوطن - من التوطين وان لم تسفر تلك المحاولة عن بلوغ مقاصدها غير اليسيرة في التحقيق.

وهكذا نجد لدينا مجتمعا ً مستحدثا ً تنتظم العلاقة فيه بين العلماء والفقهاء الذين يصدرون عن خصوصية دينية في استيعاب العامة "العوام" من الشيعة لمكانتهم الدينية والاجتماعية والعامة "العوام" الذين رضوا بهذا التقسيم الديني والتصنيف الاجتماعي بقناعة ذاتية - دينية تقارب الوجوب الشرعي.

وتكونت على اثر ذلك الموقع الديني والاجتماعي لطبقة الخاصة من العلماء حزمة من التقاليد والعادات التي تميزهم عن العامة أو "العوام" في المجتمع. شملت الملبس وشؤون الاسرة وطرائق العيش الخاصة. واساليبهم في التعبير عن هوية التمييز بينهم وبين العامة حتى روي عن احد كبار العلماء من هذه الطبقة انه استرد عمامة عالم مبتدئ لأنه ساوى نفسه بالعامة واكل في طريق عام فهو وان لم يرتكب مخالفة شرعية لكنه ارتكب مخالفة اجتماعية لتقاليد وعادات هذه الطبقة الخاصة من العلماء. وقد استطاعت هذه الطبقة ان تكون في صدارة او قيادة حدثا ً تأسيسا ً مهما ً في تاريخ العراق. وتدشينيا ً في مسار الدولة العراقية الحديثة وهو حدث ثورة العشرين الكبرى في 30/6/1920 فأكسبها مزيدا ً من الحظوة الاجتماعية والاهمية السياسية في المجتمع العراقي والدولة العراقية.

وصارت مندمجة في هذا التحول السياسي والاجتماعي الذي مر به العراق بعد الحرب العالمية الاولى. ومارست دورا ً نخبويا ً مركزيا ً فالمركزية النخبوية هي من اهم خصائص الطبقات الارستقراطية والخاصة التقليدية وتمنح المركزية النخبوية شعورا ً او ايمانا ً نفسيا ً وثقافيا ً بحقها في القيادة او بمسؤوليتها الدينية والوطنية والاجتماعية التي تتملكها في حالة تعرض النسيج الاجتماعي او الفضاء الثقافي الذي تنتمي اليه بالتهديد وعوامل التحدي.

فقد كانت اللحظة الاولى التي دخلت فيها طبقة العلماء في العراق في السياسة هي اعلانهم الجهاد في 16/12/1914 عندما صعد المرجع الديني السيد كاظم اليزدي المنبر في صحن مرقد الامام علي واوجب الدفاع عن العراق امام هجوم بريطانيا العظمى ومحاولتها احتلال البصرة. وقد شارك عدد من العلماء الكبار بأنفسهم في هذه الملحمة الوطنية (20) وقد رسخت لهم تلك الحادثة زعامتهم الدينية والاجتماعية وقدرتهم على التأثير في المجتمع العراقي الذي لجأ اليهم مرة اخرى في واقعتين تاريخيتين هما واقعة الاستفتاء عام 1918 م التي اصدر فيها الميزرا محمد تقي الشيرازي نص فتوى "ليس لاحد من المسلمين ان ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين" (21).

ورغم ان د. الوردي يعتبر ان صدور هذه الفتوى جاء بعد واقعة الاستفتاء الا انها تنسحب الى سياق الاستفتاء بفعل مضمونها المتعلق بالانتخاب والاختيار الذي كان الاستفتاء البريطاني متعلقا ً به (22) ويشرح د. علي الوردي او يعلل ظهور الحركة الوطنية العراقية كتنظيمات وجمعيات في البلاد العراقية بفعل تأثير قضية الاستفتاء التي طمحت بريطانيا من خلالها ربط العراق بها مباشرة واستمرار الوصاية عليه بتعيين ملك هي تقترحه وقد اقترحت فعلاً السير برسي كوكس (23).

اذن نستطيع ان نعتبر عام 1919م وقضية الاستفتاء هي البداية التاريخية في تشكل النخب الوطنية العراقية الدينية منها والمدينية، ثم جاءت واقعة ثورة العشرين في 30/8/1920 لتكسب هذا التأسيس النخبوي الوطني والذي بدا فيه المعنى النخبوي الحداثوي اكثر وجهة او وضوحا ً وأكسبه مزيدا من التجذر والفاعلية عبر الدور الذي مارسته هذه النخب واحزابها وحركاتها السياسية في اداء قيادة هذه الثورة وطبيعة المطالب والاهداف التي وضعتها، وقد بدت متأثرة بقوة التحولات الديمقراطية والليبرالية التي شهدها العالم المتحضر. فقد كانت الرسائل المتبادلة بين القيادات والنخب الوطنية - الدينية والمدينية ترد فيها عبارات لم تكن معهودة في العراق قبل الحرب العالمية الاولى مثل" الثورة، الحرية، الاستقلال، الشعب، التمدن، الحقوق المشروعة" وغيرها من العبارات والمفاهيم التي تشكلت في العالم المتحضر وتبنت تحولاته الديمقراطية والليبرالية (24).

وتكشف الرسالة التي وقع عليها 73 رئيسا دينيا وعشائريا عن مدى تأثر هذه النخب التقليدية بالمد الحداثوي الفكري والسياسي في العراق، فقد جاءت الرسالة وهي موجهة الى حكومة هولندا وروسيا واميركا وفرنسا وتركيا والمانيا وهي دول العالم المتحضر آنذاك، جاءت تحمل عبارات حديثة على العقل العراقي "استقلالنا الذاتي، وحكمنا الذاتي، والحرية التامة والسلم والامن، والحقوق المشروعة، ومبادئ العدل الحميدة التي تكفلت بها الدولة المتمدنة، وحقوق الامة العراقية والرقي والامتحان القانوني "اضافة الى الطرق السلمية والاحتجاجات الادبية في تحصيل الحقوق (25) ولعل بعض العبارات والافكار كانت موجودة في العراق قبل الحرب العالمية الاولى لكنها لم تكن بذات المضامين والمفاهيم التي سوغت للنخب الوطنية العراقية استخدامها انما جاءت وعبرت تلك المفاهيم بعد تواصل ثقافي وحضاري مع العالم المتحضر قبل الحرب العالمية الاولى وبعدها بشكل اوسع.

وقد كشف توقيع المرجعية الدينية المتمثلة بشيخ الشريعة الاصفهاني الذي خلف الميرزا محمد تقي الشيرازي في قيادة ثورة العشرين لهذه الرسالة الدولية والنخبوية عن بروز طبقة نخبوية دينية خرجت من بين صفوف طبقة الخاصة من العلماء واستمرت في سلوكها وتعاملها الوطني مع الدولة العراقية الحديثة بعد التأسيس الملكي بينما انسحبت بعض هذه النخب من الحياة السياسية في البلد في اعقاب انتهاء الثورة وتدهور العلاقة بين طبقة العلماء في النخب والحكومة الوطنية في بغداد. ولعل من النخب الدينية التي استمرت في العمل مع الدولة ومحاولات تأسيس نظام ملكي دستوري كان كل من الشيخ محمد باقر الشبيبي والسيد هبة الدين الشهرستاني والسيد محمد الصدر وقد تسلموا وزارات وتسلم السيد الصدر منصب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الاعيان. وهكذا حافظت تلك النخب التي كانت تتراوح بين التقليدية والحداثوية على استمرار عملها النخبوي في بناء العراق دولة ومجتمعا ً لاسيما وانهم قادوا بعض المواقع الثقافية المهمة في الدولة وهي وزارة المعارف التي انحصرت في الشيعة في ظل العهد الملكي.

غياب النخبوية وانحلالها في العراق:

لقد ظلت النخبوية في العراق الحديث عاملا مهما من عوامل بنائه وتكوينه ومع اختلاف الطبقات النخبوية في تكويناتها الاجتماعية والسياسية "عشائرية، علمانية، مدنية، ثورية، تغيرية "لأنها تشكل انموذجا يكتسب شرعيته في نظامه الاجتماعي عبر قناعات ذاتية توفرها كل فئة اجتماعية حول انموذجها النخبوي مما أدى الى صنع مركزيات مجتمعية في الدين والاجتماع والسياسة ثم الثقافة، فكانت النخب محددة ومعروفة من قبل الفرد او الافراد العراقيين عامة.

وقد ساهمت تلك المركزيات النخبوية رغم تعددها واختلافها احيانا في المحافظة على تماسك المجتمع العراقي وتدعيم تماسكه تجاه الفوضى والانفلات الممكن في المجتمعات التقليدية وتدعيم تماسكه هذا يمر عبر التقاليد التي ترسخها وتوجهها الحالة النخبوية في مثل هذه المجتمعات التي ظلت تصنف جوهريا كمجتمعات قديمة الى خاصة وعامة وهو التصنيف الاسلامي القديم لمجتمعاته ثقافيا، فكل فرد عراقي يسعى في سلوكه وتحركه الديني والاجتماعي ثم السياسي والثقافي ضمن خطوط مرجعيته النخبوية الذي بدا فيها الثقافي مكرسا ً في تعريف النخبة منذ ستينات القرن العشرين بعد تحولات العراق الاجتماعية والسياسية على اثر زوال النظام الملكي وقيام نظام جمهوري عمد الى التزام قضية الفقر في العراق ضمن سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم كبديل ايديولوجي لتخلي الزعيم من اي عقيدة سياسية او ايديولوجية في عهده الذي كان يضج بايديولوجيات سياسية مختلفة ومتنازعة وكجزء من هذا البديل الايديولوجي في تطبيقاته شرع في حملة التوطين لفئات وطبقات محرومة عاشت الاقصاء والتهميش وظلت تنظر الى امتيازات الطبقات الثرية والارستقراطية كقدر اضافي الى قدر الحرمان المادي والمعيشي.

لقد بدت مناطق التوطين الجديدة ترسم افقا ً سياسيا ً وثقافيا ً في المستقبل العراقي او على الاقل تشارك فيه بقوة فقد تولدت عنها مناطق او مدن شعبية تطورت احوالها المعيشية والاجتماعية وتبلورت رؤاها السياسية بشكل اكثر وضوحا لها ولا زلنا نستعين- بمدينة الثورة الصدر -لاحقا كانموذج للمدينة الشعبية في العهد الجمهوري - فأنتجت نخبها العراقية التي استندت الى المعيار الثقافي وقدرته على توليد حالة من التميز الذي اكسبها مشروعية النخب الحداثوية، فقد انتجت تلك المناطق الشعبية في العراق جماعات من الكتاب والادباء والفنانين والعدد الكبير من السياسيين المعارضين وتنظيماتهم اليسارية والاسلامية.

وقد ظلت تلك النخب تعود بجذورها وليس بامتداداتها الى النخب المدينية والدينية الاولى في العراق في عقود تأسيس دولته الأولى، بينما كان الفكر القومي وتنظيماته طارئة عليهم عبر سلطة البعث القومي ولم تكن تلقى قناعات جماهيرية بعد حصيلة من الوعي النخبوي الذي بدأ يرسم معالمه الخاصة في هذه المناطق مما تسبب بالمواجهة القاسية مع سلطة البعث القومي والدكتاتوري فتعرضت تلك النخب المثقفة الى حملات التصفية الجسدية والمطاردات اللاإنسانية فغيبت خلف قضبان السجون او في القبور المجهولة أو كانت المنافي البعيدة مأوى لهم، فانكسرت حلقة مهمة من حلقات البناء الاجتماعي في العراق وأدى غياب هذه النخب المثقفة وانحلالها إلى تقويض نخبوية مهمة ودورها في محاولة صنع مجتمع توجهه الثقافة والمعرفة في بناء ذاته ووعي مسؤوليته مما أفسح المجال امام التصورات اللاعلمية او التصورات المنبثقة عن ازمنة اقدم في تسيدها الموقف الاجتماعي والسياسي.

وكانت العشائرية احد انبثاقات مرحلة ما بعد الوعي النخبوي في العراق وخصوصا ً في مناطقه الشعبية عامة ولو كانت عشائرية تحمل ذات الأصول النخبوية في تكويناتها الأولى أو تصدر عن الأصول العشائرية التي تكونت عقب نظام" الملكية" العثماني أو نظام "اللزمة" الانكليزي او قبلها وهي اصولها التي تعارفت عليها في نظام الرئاسة بالوراثة او بالامتياز او عن عرفها العشائري الذي تتسالم على العمل به وتطلق عليه اسم "السواني" لكان الامر اقل خطرا او ضررا، لكن النخبوية العشائرية كانت هي الاخرى قد عانت من التحلل والضعف واحيانا بتأثير مباشر من السلطة السياسية في العراق فقد ادى توسع العشائر وانصرافها عن مرجعية الشيخ العشائري في معائشها الى تفككها وانحلالها على مستوى العشائر الكبيرة الى عشائر اصغر لكن بأعداد يؤهلها ان تكون عشيرة فرعية شبه مستقلة في المدينة او الريف، وقد اسهمت سلطة البعث القومي او شجعت على حالة التفكك هذه من اجل تغييب او اقصاء المركزية النخبوية العشائرية المتمثلة بالمشيخات المتوارثة او صاحبة الامتيازات عن مواقع القوة والعدد حتى لا تتكرر تلك المواجهات العشائرية المستمرة مع السلطات والحكومات في تاريخ العراق الحديث، وقد ابتدعت سلطة البعث الدكتاتوري في تسعينات القرن العشرين او شجعت ظاهرة اجتماعية - عشائرية تعارف عليها العراقيون في حينها بظاهرة شيوخ "التسعينات" نسبة الى اعوام التسعينيات في القرن العشرين، كذلك حث النظام الدكتاتوري على اعادة النظر في الانساب بالنسبة للعشائر العربية في العراق الذي كان يختفي بعض منها خلف نوع من التحالفات العشائرية او ما يعرف بـ "ذبـّابة الجرش" فاصبحت هذه العشائر العربية تطلع على سلاسل في النسب جديدة لم تكن على علم بانتساب بعض فروعها اليها او حتى اذا كانت على علم فإنها كانت تعتبر تلك الفروع العشائرية او ما يسمى عندهم بـ "الحمولة" جزء منها بحكم الولاء او ما يعرف بـ"الصاية والراية" فانقسمت العشائر اكثر بعد ان انقسمت المشايخ وتعددت بيوتات الرئاسة او ما يطلق عليها "الكـُبارة" فأنتجت حالة من الفوضى في البناء الاجتماعي فيما يتعلق بتركيبة العشيرة، ذلك الجزء المهم والاساس في تركيبة البناء الاجتماعي العام في العراق.

وكانت هذه الفوضى نتيجة اقصاء او تغييب المركزية النخبوية العشائرية عن مواقعها وقياداتها العرفية في المجتمع العراقي، وكان اخر انكسار للمركزية النخبوية وبتعبيرها التقليدي عن مفهوم الخاصة الاسلامي في المجتمع العراقي والاكثر الحاقا بالضرر به هو ما آلت اليه مرجعية المؤسسة الدينية في العراق بعد وفاة آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي الذي كانت زعامته الدينية وشخصيته العلمية امتدادا ً تقليديا ً للمرجعية الدينية الأكثر قدما ً في النجف الاشرف، ولهذا كانت مرجعية آية الله السيد الخوئي تفرض نوعا ً من التماسك في المجتمع الديني الشيعي الذي يصطبغ به الواقع الشيعي في العراق والذي يمهد هذا التماسك بدوره الى استقرار البناء الاجتماعي في المجتمع العراقي ومن ثم في الدولة العراقية، وما يؤشر ذلك هو اختفاء المنازعات المذهبية الداخلية حول المرجعية الدينية بشكل يهدد قوتها او مركزيتها رغم حدوث وقائع من هذا القبيل في فترات من تاريخ هذه المرجعيات الدينية واختفاء انقسامات اكثر خطورة في المجتمع الشيعي من تاريخ هذه المرجعيات التقليدية وكذلك اختفاء النزاعات الطائفية في العراق في ظل مرجعية اية الله العظمى السيد الخوئي بفعل عنصر التماسك الاجتماعي الذي وفرته هذه المرجعيات الدينية التقليدية التي كانت تمثل مركزيات نخبوية مؤثرة وفاعلة على الساحة العراقية مع توفر العوامل المحرضة على النزاع الطائفي بسبب سياسات البعث الطائفية والتي كانت تلجأ الى تفعيل البعد الطائفي في سياستها واداراتها للدولة العراقية.

وقد نجد بقايا وارث تلك المركزية النخبوية في مرجعية آية اله السيد على السيستاني وهو ما كان يسهم اكثر في تماسك المجتمع العراقي واستقراره، الا ان الفترة التي اعقبت وفاة آية الله العظمى السيد الخوئي وظهور الكثير من المرجعيات الدينية الشيعية في العراق وخارجه في مجتمعات الشيعة في المنطقة والعالم الاسلامي وانتشار الكلمة التبجيلية والتعريفية بمكانة السيد الخوئي وهي صفة او عبارة (آية الله العظمى) بين علماء الشيعة وحتى خطباء المنابر وأئمة الصلاة ورجال دين لم يتمكنوا من حيازة الجدارة في استحقاق هذا اللقب الديني والعلمي فأصبح كل عالم وخطيب وإمام جماعة ورجل دين عادي ينعت بـ (آية الله العظمى) وهو عالم لم يكن مألوفا ً في الوسط الحوزوي الديني الشيعي في كل مدارسه في العراق وخارجه حيث كان مقصورا ً على عدد قليل من المراجع الذين بلغوا تلك المرجعيات أو مناصب المرجعية بالمقدرة العلمية والمعرفة الفقهية والإنتخاب الحوزوي العفوي لهم، وكانت مرجعية آية الله السيد الخوئي تقف على رأس تلك المرجعيات وكان إنتشار لقب آية الله العظمى وذيوعه في اطلاقه بعيدا ً عن المركزية النخبوية الدينية يحمل دلالة الفوضى التي اربكت المسار الديني للمجتمع الشيعي ثم المجتمع العراقي بعامته بعد عام 2003م.

ولكن لابد من التنويه على الدور الذي تكفلت به مرجعية اية الله السيد محمد محمد صادق الصدر في ايجاد نوع من القيادة المركزية للمجتمع الشيعي في العراق ارادت من خلاله تنظيم الصوت الاجتماعي والسياسي للشيعة في العراق عبر ماطرحه اية الله السيد محمد محمد صادق الصدر في ولاية الفقيه وتمثل مرجعيته في هذه الولاية، الا انها عانت صعوبات في امتدادات المركزية التي طمحت لها في تشكيلها ناظم ديني وسياسي للمجتمع الشيعي في العراق.

وقد أنتج تقويض المركزيات النخبوية الدينية والعشائرية والثقافية حالة من التراخي والاضطراب الاجتماعي او الارتباك في اتخاذ موقف موحد يعبر عن شعور واحساس داخلي ناهيك عن ايمان بوحدة المجتمع العراقي تجاه ما يجري بعد سقوط الدولة العراقية في 2003/4/9 فانكشفت كل حلقات التجزئة والضعف والكسل الوطني في بنية المجتمع العراقي والذي نتأوله أو نفسره لغياب أو تغييب أو بالأحرى تقويض المركزيات النخبوية وانحلالها في المجتمع العراقي بعد صعود البعث وهوامشه الى المتن الإجتماعي العراقي عبر السلطة والدولة.

...................................
المصادر:
1) عبد الجبار الرفاعي، المشهد الثقافي العربي الراهن، مجلة قضايا اسلامية معاصرة، العدد الثالث، 1419هـ، 1988م.
2) لسان العرب، العلامة ابن منظور، ج14ص79.
3) طبقة الخاصة، المعنى والحضور.
4) العامة في بغداد، فهمي عبد الرزاق، ص66.
5) تاريخ الطبري ج8، ص.
6) مصدر سابق، ص59، دار رسوم الخلافة – ابي هلال الصابي – ص91 -95.
7) مصدر سابق، ص55، معجم الادباء، ياقوت الحموي، ج2ص119-198.
8) مصدر سابق، ص52.
9) دليل الناقد الادبي، د.ميجان الرويلي د. سعد البازعي، ص276-278.
10) العراق، حنا بطاطو، ج1ص100 - 101.
11) المصدر نفسه ص100.
12) العراق مصدر سابق، بطاطو، ص255.
13)المصدر نفسه ص255
14) المصدر نفسه، ج2ص47.
15) بطاطو ج2ص28-49-48.
16) بطاطو ج2ص55-73.
17) بطاطو ج2ص67-73
18) المصدر نفسه، بطاطو ج2ص80.
20 (لمحات من تاريخ العراق، د. علي الوردي ج4ص128 - 133.
21 ) المصدر نفسه ج5 ص13.
22 ) راجع المصدر نفسه ج5ص67 والصفحات اللاحقة.
23 ) المصدر نفسه، ج5ص82.
24 ) المصدر نفسه، ص143 وما بعدها.
25 ) راجع المصدر نفسه ج5ص336-337.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق