تقديم:

جرى إحتدام شديد بين كلا من ديكارت وجون لوك وجورج بيركلي حول حقيقة الإدراك للواقع المادي هل هو إدراك تطابقي تام حقيقي في التعبير التجريدي عن الأشياء في وجودها الواقعي، أم أن الإدراك التجريدي لا يتعدّى أن يكون الصورة الفوتوغرافية ألمستنسخة فكريا عن الشيء المادي ألموجود المدرك في صورته الخارجية، وهذه الصورة من الإدراك تمّثّل الزيف الإدراكي في عدم نقله المدرك الواقعي الشيئي في تمام حقيقته الموجودية كما هي في الواقع وعالم الاشياء.

هذه الإشكالية تشبه الى حد بعيد تداخل إدراك الشيء مع تعبير اللغة عن الشيء الموجود حيث يكون متعذّرا علينا ترجيح مصداقية الإدراك الحسّي للشيء كحقيقة تامة على مصداقية التعبير اللغوي الناقص عنه وأيهما أكثر صوابا من الأخرى؟

ومن الفلاسفة اعتبر الإدراك ألقائم على أي نوع من التعبير اللغوي التجريدي ألمتداخل مع تجريد اللغة الذي يجرى فيه التعبير عن الأشياء في وجودها المستقل بعالم الادراك الخارجي هو في حقيقته تعبير لغوي تجريدي يحمل ألأصل والصورة ألإدراكية في وحدة متداخلة ولا يمكن التفريق بين زيف الإدراك عن أصالة الادراك الحقيقية وتبنّى هذا الطرح كلا من ديكارت وجون لوك.

من الملاحظ أن الاختلاف بهذه القضّية الفلسفية لا يدور حول الاختلاف الفلسفي بين الوجود بذاته في إدراك الجوهر، الذي يعبّر عنه أحيانا في عدم إمكانية إدراك الجوهر المحتجب خلف الصفات الخارجية. فذاك موضوع خلافي فلسفي آخر يختلف عما تتناوله هذه المقالة عن حقيقة أو زيف ألمدرك في وجوده ألواقعي كينونة صفاتية مدركة واحدة كما هي موجود خارجي في صفاته الأولية المباشرة.

الإشكالية الفلسفية الإدراكية

نتساءل ما هو جديد بيركلي حول الإدراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين في اعتبارهما الفكرة ألمجردة الادراكية عن الموضوع في حقيقته ألواقعية لا تختلف عن حقيقة المدرك كما هو في الوجود، وأثارا إشكالا مهمّا، هو كيف يمكن للأفكار أن تتطابق بصورة صحيحة مع وجود موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست أفكارا بل هي تصوّرات ذهنية لمدركات مادية مستقلة منفصلة في وجودها؟ وقد اتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالثنائية الأبستمولوجيا وليس الواحدية الأبستمولوجيا التي قال بها كلا من ديكارت ولوك، التي مفادها (أننا ندرك الموضوع ألواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع،) 1 بخلاف بيركلي صاحب نظرية الثنائية الأبستمولوجيا التي تذهب الى أننا ندرك الافكار عن الشيء ولا ندرك حقيقة الشيء المادي في وجوده الخارجي. كما وجد ديكارت وجون لوك أن بيركلي كان مخطئا في اعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة مادية ليست ذهنية بمعنى الذهن يخلق وجودها الواقعي بالفكر كما يروّج له بيركلي، (بل يعني أن الموضوع ليس ذهنيا تماما كون الذهن هو وظيفة مجردة محايدة يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغّير ألمدرك الذي يمّر فيه على الإطلاق، والنظر- هنا المقصود الحواس - لأي موضوع لا يغّير منه شيئا). 2

تعقيبنا التوضيحي لهذا التضّاد نجمله بالاختصارات التالية:

- بدءا نقول كل إدراك لشيء هو فكرة ذهنية مجردّة صادرة عن الحواس معبّرا عنها في تجريد لغوي هو الفكرة لموجود واقعي، والذهن ليس مصدر التفكير النهائي بالمدركات الواصلة اليه عن طريق الإحساسات كما هو ألشائع ألمتداول بالفلسفة، والتعبير ألمنسوب لديكارت وجون لوك أن الموضوع المدرك يدخل الذهن ويخرج منه بلا أدنى تغيير عليه تعبير صائب موّفق...فالذهن لا ينوب عن العقل لا في الإدراك ولا في التفكير ولا في التعبير الفكري اللغوي عنه، ولا يمتلك الذهن قابلية التفكير بالمدركات وإعطاء ردود الأفعال الانعكاسية عنها إنما هذه خاصّية الدماغ وليس خاصّية الذهن. هنا يجب الحذر الشديد أن تفكير الدماغ غير منفصل عن تفكير الذهن بل هما حلقة ادراك متكاملة ولا يمكن الفصل بينهما أبدا. لكن الاختلاف هو بالأسبقية الأفضلية ألإدراكية التي يتقدم بها تفكير الدماغ على تفكير الذهن كوسيط.

- ثنائية ديكارت وجون لوك الأبستمولوجيا صحيحة أننا ندرك الموضوع الواقعي كموضوع حقيقي بالفعل ولا ندرك فقط صورة ذلك الواقع مجردة من حقيقته ألواقعية، رغم أن حقيقة الإدراك لصور الأشياء إنما هي تجريد صوري - لغوي يجمع مقولتي الواحدية الأبستمولوجيا ألكليّة بالإدراك عند ديكارت ولوك والثنائية الأبستمولوجيا عند بيركلي الفكرة لا تعبّر عن حقيقة الموضوع المدرك واقعيا تماما. وتوضيح هذا أكثر في السطور القادمة.

- نعود تكرار الفقرة الأولى من تعقيبنا عن بيركلي قولنا الذهن لا يقوم بمهمّة التفكير الإدراكي بمعنى الذهن لا ينوب عن العقل المصدر الأعلى للتفكير. بل يقوم بمهمة توصيله إحساسات الإدراكات للدماغ واستلامه مقولات الدماغ الانعكاسية الواردة له في تشكيله الوعي بالشيء، وقول ديكارت وجون لوك أن الفكرة تختلف عن موضوعها المادي الذي ليس هو الموضوع بذاته ليس خاطئا، فالإدراك الحقيقي للأشياء هو فكر تجريدي لا يعبّر تعبيرا تطابقيا عن الموجود في حقيقته ألمادية تماما ولا عن الموجود بذاته، لسببين الاول خداع الحواس بالإدراك والثاني قصور الفكر واللغة في التعبير عن الموجود الواقعي في حقيقته. ولا يعني هذا صحة مقولة بيركلي الادراك الحقيقي للشيء هو فكرة ذهنية لا واقع مادي يرتبط بها. بالعكس من ديكارت وجون لوك اعتبارهما إدراك الشيء هو تمثيل حقيقي له في موجوديته المادية كينونة كما تدركه الحواس. الاختلاف هنا بين بيركلي الذي يرى في إدراك الشيء هو فكرة تتشّكل بالذهن ولا ترتبط بعلاقة مع الشيء الموجود ماديا خارجيا، هذا الشيء الموجود خارجيا لا وجود له لو أنك أغمضت عينيك برهة واحدة حسب بيركلي. بينما يقر ديكارت ولوك على أن الفكرة عن الشيء وإن كانت ناقصة إلا أنها مادية مصدرها الواقع وليس مصدر تخليقها الفكر...الفكر لا يخلق الواقع المادي كما يذهب له بيركلي، ولا وجود خارجي لشيء لا يدركه العقل كما يقول بيركلي ايضا.

- فالإحساسات الصادرة عن الشيء المادي في حقيقته الواقعية لا يمكنها التعبير التام عن كمال كينونة ذلك الشيء حتى على صعيد الصفات الاولية والصفات الثانوية، وإلا لما كانت الإحساسات المنقولة عبر الجهاز العصبي تحتاج الانتقال عبر إدراك الذهن وصولا الى الدماغ للبّت في تفسيرها وإعطاء ردود الأفعال الانعكاسية عنها الذي هو مرتكز فعالية العقل في تحليل وتفسير كل مدرك يصله ويعطي مخرجاته عنه بما أطلق عليه كانط مقولات العقل الصادرة عن إدراك الشيء.

- لا يمكن للأفكار المجرّدة التعبير عن الموضوع الواقعي المادي المدرك تماما. فالإحساسات عن الشيء منقولة عن قصور طبيعي ثابت في كل من الحواس واللغة المعبّرة عنه معا. وهذا التقصير محال الخلاص منه أن الفكرة عن الشيء ليست تمثيلا حقيقيا صادقا تماما في التعبير عن ذلك الشيء موضوعها. ولا يتوفر للمنظومة العقلية آلية أخرى تستطيع بها إدراك موجودات الواقع بغير دلالة الفكرة الصوريّة المجرّدة لغويا وهي فكرة ناقصة تماما. سواء أخذناها بمعناها المادي كما يدعو ديكارت أو بمعناها المثالي كما يدعو بيركلي.

- كما أن الشيء المتعيّن أنطولوجيا وصورته التي تدركها الحواس وتعبير الفكر عنها هي دلالة صورية تجريدية عن الشيء ولا بديل أفضل منها يستطيعه العقل... الإدراك هو تجريد الفكر لغويا عن موضوعات إدراكه موجودات الأشياء في واقعها. أما مدى مطابقة الفكرة مع ألمدرك ألشيئي في حقيقته فليست ممكنة لسببين ذكرناهما هما خداع الحواس في عجزها الطبيعي الثابت علميا أولا، وقصور اللغة التعبير التام عن حقيقة الشيء والإلمام ألتام به ثانيا. بما يوحي خطأ بيركلي تعبيره أن الشيء في واقعه المادي ليس هو الشيء في تصوره الإدراكي والتي هي صحيحة ماديا وليست صحيحة مثاليا على صعيد الفكر فقط كما يفهمها بيركلي. دليل ذلك عجز الإدراك واللغة مهما إمتلكا من قدرات كفؤة لا يستطيعان التعبير المتطابق مع الشيء في وجوده الإدراكي. ويترتّب على هذا الاستنتاج الترجيحي توضيح أن التفكير الذهني بالشيء يختلف تماما عن لغة التعبير عنه بالفكر واللغة. وتفكير الذهن مستمد من تفكير الدماغ في وحدة إدراك تكاملية للأشياء.

- قول ديكارت وجون لوك أننا في حالة الإدراك ندرك كينونة الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع أو الشيء، هو صحيح يحمل محذوره معه إذا أقررنا توافر مشروطية أن حقيقة إدراكنا لأي شيء في الواقع وعلى أية صورة كانت هو لا يعني إدراكنا ذلك الشيء كما هو في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجية، كون إدراكاتنا للأشياء بالوجود وفي العالم الواقعي من حولنا هو إدراك صوري تجريدي لغوي في حقيقته. وتلعب مخاتلة ومخادعة الحواس وتمثّلات اللغة المستمّدة منها عن الشيء المدرك أمر مسّلم الشك القاطع عدم حيازته الصواب ألتام ألكامل كما يرغبه الإدراك العقلي.. وقانون الهوية والتناقض الذي تبنّاه جون لوك هو أن الشيء في وجوده هو هو نفسه، ومن المستحيل بالنسبة لنفس الشيء أن يكون ولا يكون في نفس الوقت. هذه المقولة التي تنسب لجون لوك تعطينا الفرق الواضح بين وجود الشيء واقعيا، عن فكرة وجوده الإدراكي التجريدي في الذهن. فإدراك الشيء لا يغيّر من واقع وجود ذلك الشيء المادي كموجود مستقل والذي يتغيّر هو إدراكه فقط. فالشيء ثابت والادراك له متغيّر.

- لا توجد صورة محسوسة عن شيء لا تعبّر تلك الصورة عن صفات ذلك الشيء الخارجية البائنة المدركة فقط من جانب أحادي هو ما تدركه منها الحواس. وسبب ذلك تناقض فكرة التعبير عن صورة الشيء المدرك. الإحساسات ومنظومة العقل الإدراكية بحلقاتها جميعها لا تتمكن معرفة الشيء على حقيقته أكثر من الصورة الخارجية المتمّثّلة تجريدا تصورّيا في الصفات الخارجية الاولية التي تنقلها الحواس، والتي تدركها المنظومة العقلية كصفات للشيء وليست كماهيّة غير مدركة له. وبهذا المعيار لا يوجد تناقض سببه الأفكار في عدم استطاعتها التعبير عن حقيقة الشيء بذاته بدلا من صورته الخارجية بالصّفات فقط. ثم آلية الإدراك تقوم على نقل الصّفات الخارجية عن الشيء وليس نقل حقيقة ماهيّة الشيء بذاته ولا توجد آلية إدراكية متاحة غير هذه. لذا يكون ديكارت صائبا وليس مخطئا اعتباره إدراك صورة الشيء- وإن كان ناقصا كما أوضحنا - هو إدراك الشيء كما في وجوده المستقل في عالم الاشياء وليس كما نريده أن يكون في حقيقته الذهنية كاملا تماما. هذا التفسير الذي ذهبنا له يؤكده كانط وهوسرل في منهج الفينامينالوجيا...وما يرغبه العقل من عملية الإدراك لا تستطيع الافكار المتعالقة باللغة والحواس تلبيته، لأنه يمّثل إعجازا إدراكيا لهذه الحلقات الإدراكية التي يكون العقل عاجزا عن إدراك أكثر مما تنقله له حلقات عملية الإدراك بدءا بالحواس والجهاز العصبي والإدراك الذهني الذي هو غير إدراك العقل والوعي وإن كانوا جميعا حلقات مترابطة ضمن عملية الإدراك ألمتجانسة الواحدة.

- كذلك قول بيركلي الموضوع ألمدرك ليس ماديا بل ذهنيا كان مخطئا أيضا. باعتبار الذهن حسب العبارة الواردة لنا قبل أسطر هو علاقة توسيط وليس ماهية تفكير يتساوى فيها تفكير الذهن والوعي مع تفكير الدماغ بوظيفة واحدة معا بنفس الأهمية الفيسيولوجية الوظائفية. العبارة التي مررنا سابقا بتثبيتها تذهب الى تأكيد ذلك بأن المواضيع التي تدخل الذهن تخرج منه كما هي لم يطرأ عليها أدنى تغيير أو تبديل. فماذا يكون الذهن أذن؟ غير أنه توسيط نقل المدركات التي ترسلها ألمحسوسات عبر الجهاز العصبي ليقوم بإيداعها الدماغ. وهو الأرجح بدلالة أن رقابة الدّماغ عقليا على جميع حلقات منظومة الإدراك العقلية لا تكون خارجة عن مهام تفكير العقل بمواضيع إدراكه.

- من المهم التفريق بين تفكير الذهن الذي يكون تفكيرا ناقلا وليس تفكيرا مستقلا عن تفكير الدماغ، فالذهن توسيط ناقل لتفكير الدماغ، ولا يوجد ما يثبت أن الذهن ينوب عن الدماغ بالتفكير وإعطاء ردود الافعال الانعكاسية عن المدركات بل الثابت الصحيح علميا أن تفكير العقل جزء تفكيري متكامل له هو الذهن.

الذات والإدراك

يعتبر بيركلي (الأنا) أو الذات المدركة للأشياء محورا إرتكازيا في إدراك الموضوعات والموجودات والأشياء من حولنا، والمدركات التي لا تكون الأنا مرتكزا لها لا يمكننا إدراكها كما وليست موجودة باستقلالية مادية في العالم الخارجي، والمدركات التي لا تزامنها وتحتويها الذات لا قيمة وجودية لها في الواقع بل وتكون غير موجودة. هذه المثالية المفرطة في إلغاء الوجود الذي لا تداخله الأنا أو الذات، لا تغّير من حقيقة وجود العالم المادي من حولنا كواقع مستقل سواء أدركناه أم لم ندركه، ولا يتوقف وجود الأشياء في استقلاليتها على ذات تلزم الموجودات المزامنة لها الاحتوائية معها كي تكون مدركا واقعيا لها من دون وعي قصدي يقودها لماذا يتوجب إدراك هذا الشيء دون غيره؟

فتخطئة مثل تلك الأفكار الفلسفية أصبحت من مهملات دراسة إدراك الوجود...لكن ما يهمّنا خارج مناقشة هذه الأخطاء حول الإدراك هو أن بيركلي يعتبر الذهن مصدر التفكير في مصادرة باقي وظائف حلقات الإدراك العقلي المترابطة العديدة معه تكامليا بخلاف عن جون لوك ومن قبله ديكارت. وناقشنا ذلك بمقارنة وظائفية ما هو عمل الذهن وبماذا يختلف عن كل من عملية الوعي وعمل الدماغ في عملية الإدراك. إن أفضل الفروضات مقبولية هو أن الذهن كحلقة ضمن منظومة وظيفة الإدراك العقلية هو ليس عضوا بايولوجيا وأنما هو حلقة إدراكية حقيقية وظائفية إدراكية لكنها مجردّة عن ميزّتين الأولى أن الذهن ليس هو مستودع التفكير في ألمدركات ألواصلة له عبر الحواس ولا يمتلك خاصّية الدماغ في الحكم على تلك ألمدركات بردود فعل إنعكاسية عنها.

والثانية أن الذهن حقيقة إفتراضية تجريدية بلا ماهيّة فيزيائية ولا صفات يدركها العقل كموضوع مستقل إلا في مخرجات تفكير الدماغ...وأهمّية الذهن هو في أهمية إدراك الموضوعات التي نتعامل بها تجريدا فلسفيا لكنها في حقيقتها الجوهرية ليست موضوعات مدركة عقليّا وإنما هي موضوعات إستدلال تجريدي في معرفة غيرها من موضوعات فقط..الذهن قيمته الوظائفية الإستدلالية أنما هو حلقة تتداخل مع بعض أجزاء عضوية من تركيبة الدماغ في معرفة وتفسير مدركات العقل. من غير المتاح المقبول أن نجعل من تفكير الذهن بديلا حقيقيا عن تفكير مناطق محددة بتركيبة الدماغ. بل من الإحتمالات الواردة أن يكون الذهن هو مستودع مخرجات تفكير الدماغ وترجمة تلك المخرجات من قبل الذهن في خلق الوعي الفكري التعبيري اللغوي عن تلك المدركات.

الذاكرة والذهن

هنا ننجّر قسرا الى التباس تعالق كلا من الذهن و (الذاكرة) في عمل الدماغ، فإذا ما كان الذهن مستودع تفكير الدماغ، فما هو وأين يقع مستودع الذاكرة كوحدة وحلقة مركزية ترابطية في منظومة الإدراك العقلي بارتباطها بعمل التخليق الإدراكي للدماغ في تعبيره عن مخرجاته؟ من غير الدخول في تفاصيل علم وظائف الدماغ التي أصبحت اليوم حقائق علمية تركن الفلسفة جانبا كما سبق للعلم أن ركن الدين جانبا من قبل، يمكننا التمييز بين تعالق الذهن بالدماغ أنما يقوم على تفسير مدركات الواقع الخارجي المادي المدرك، بينما تبقى علاقة الذاكرة بالدماغ هو على مستوى تداعيات أفكار (الخيال) لموضوعات تستحدثها الذاكرة من مخزونها الخيالي الكبير جدا الخاص بالماضي، ويكون تعالق الذاكرة بالدماغ على مستوى التفكير بمواضيع تاريخية ماضية وخيالية لا وجود واقعي لها في عالم الموجودات المحسوس ماديا. ويكون البّت بمخرجات الدماغ عنها ينتظم الجهاز العصبي وصولا الى تشكيل الوعي حول الموضوع، ولا يمكن أن يكون بهذه العملية الإدراكية لموضوعات الخيال من الذاكرة المرور بمرحلة الإدراك الذهني لها إلا فقط على صعيد تشكيل الوعي التعبيري عن مخرجات الدماغ، فقد أستمّد كلا من الذهن والذاكرة مخرجات الدماغ النهائية عن ألمدركات العقلية في التقائهما بصناعة الوعي التعبيري عنها. بهذا المعنى يكون فرق الذهن عن الذاكرة هو في فرق الموضوع ألمدرك إذا كان ماديّا خارجيا، أو يكون الموضوع مصدره الذاكرة إستذكارا إستبطانيا خياليا. ولا يلتقي الذهن بالذاكرة إلا على مستوى تشكيل الوعي التعبيري عن الأشياء بدلالة العقل لهما.

الذهن والإدراك

الحقيقة التي لا يمكننا العبور من فوقها أن نتصور تفكير الذهن بديلا عن تفكير الدماغ في إعطائه مقولاته النهائية ومخرجاته التفكيرية بالمدركات. والحقيقة التي تصدم التلفيقية التي تسعى مساواة وظيفة تفكير الدماغ مع نفس تفكير الذهن ليس في تلازمهما الوظائفي بل في اختلافهما الفيزيائي – الفيسيولوجي. ممثّلا بحقيقة أن الدماغ عضو بيولوجي من أعضاء جسم الانسان الأخرى وهذا ما لا ينطبق على ماهيّة الذهن إطلاقا كتجريد إدراكي معرفي لا عضوي في تكوينات الدماغ. ولا يكفي أن يكون للذهن خلايا عصبية مرتبطة بقشرة الدماغ كمناطق فسيولوجية عضوية. الدماغ جهاز عضوي معقّد في تركيب الجسم يضطلع بمهام خاصّة لا يمتلكها أي جزء من أجزاء جسم الانسان العضوية منها وغير العضوية الأخرى مستقلا عن العقل، بخلاف الذهن أنه وسيلة تفكير توصيل مخرجات الدماغ الى الوعي والفكر وتعبير اللغة عنهما. خلاصة في كلمتين الذهن لا ينوب عن الدماغ في التفكير العقلي بل هو توسيط لإدراك العقل.

الهوامش
1.وليم رايت/تاريخ الفلسفة الحديثة ص 189.
..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق