حركة الناشط المدني في العراق، تأخّرت كثيرا عن مستوى تأثيراتها في الدول الأخرى، اذ لم يشهد العراق قبل 2003، نشاطاً مدنياً، واضحاً، وبعد هذا التأريخ كانت المحاولات متواضعة، تحاول تناسخ نفسها في مشاريع غير راشدة، منذ التظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت في بداية تشرين الأول 2019.

الناشط المدني العراقي يركّز على السياسة، بينما تنحسر الاهتمامات الأخرى، في البيئة والمجتمع، والاقتصاد والحقوق المدنية.

الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في أميركا، والتغيير الثقافي، لم يكن وليد الأحزاب وأفرادها بل كان صنيعة حركة الحقوق المدنية، التي استقلّت عن تأثيرات الطبقة المستحكمة، ونجحت في تغيير التاريخ الأميركي بعد النجاح في تحشيد الناس على النضال، والمخاطرة بحياتهم من اجل إنهاء العبودية والعنصرية. وتلعب حركات الناشطين البيئيين في أوروبا، دوراً حاسماً في التأثير في سياسات المناخ.

تجربة التظاهرات في العراق التي تخلّلتها مشاريع عنف، تشير الى ضرورة تعزيز المشاركة المدنية النشطة، من كونها مبادرات فردية، الى كيانات جماعية غير حزبية تستطيع تبديل المسار، والتأسيس لمفهوم مغاير لدور الناشط المدني الذي يُنظر اليه على انه معارض سياسي فحسب، تسعى الأحزاب الى اسكاته، أو تجنيده للعمل معها.

أغلب المشاركين في تظاهرات العراق ومصر وتونس والجزائر ولبنان، من غير المنتمين الى اليسار او الإسلام السياسي، ولا الى المنظمات الممولة من الغرب، ولا أحزاب المعارضة، بينما لا يزال الانتماء السياسي للناشطين في الدول المتأخرة في التأسيس الديمقراطي، إشكالية كبرى، على عكس الديمقراطيات الاوروبية التي نجحت في الإعداد لمنظمات مجتمع مدني غير حكومية، بعيدا عن الوصاية السياسية.

لكن ذلك لا يتناقض مع حقيقة انّ الأفراد الذين يعملون او يؤسسون منظمة تطوعية مدنية لديهم آرائهم السياسية الشخصية، كما لا ينسحب على عملهم المدني المستقل، كما انّ الناشط المدني يمكن ان يكون معبرا موثوقا به، ذا مصداقية بين المواطن والسلطة. العراق الذي يضم مجتمعه شريحة واسعة من الشباب، هو بيئة ثرية لفعاليات المجتمع المدني غير المسيّسة، التي تشتغل على وجهات نظر الناس وآرائهم من أجل النهوض الاجتماعي والاقتصادي وتستخلص الحلول، بعيدا عن التمييز السياسي.

لا يلمس المراقب في العراق، قوة مهيمنة للنشاط المجتمعي المدني، بينما تُرصد بسهولة، قوة المال والسلطة لجذب حركات الشباب. ولو كانت هناك منظمات وحركات مدنية ناضجة في العراق تستوعب الشباب وتوظف طاقاتهم لكانت الاحتجاجات في العراق، ديناميكية وسلسة ومدنية، بأقل الخسائر في الأرواح. الخطاب يوجّه أيضا الى صنّاع السياسة والقرار، في تشجيع حركات المجتمع المدني، ودعمها عبر الدولة لا عبر الأحزاب، وإتاحة المجال القانوني والاعتباري لها، لكي تسهم في تعزيز الديمقراطية والتنمية، وعدم تجاهلها لأسباب سياسية وانتخابية، لان ذلك يجبرها على التحول الى تجمعات مسيّسة متورّمة.

وأخطر ما تواجهه الحركات المدنية العراقية اذا ما أتيح المجال لها للنضوج هو التسييس، واستخدام الناشطين المدنيين كأدوات سياسية، الأمر الذي يفقدهم القدرة على تنظيم أنفسهم

داخل المجتمعات المحلية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق