مرّت سنوات طويلة على وفاة ابنها الوحيد في حادث دهس، حدث ذلك بعد أن مات أبوه قبله في مرض عضال، وهكذا أصبحت شجرة مقطوعة، لا زوج لها ولا أبناء ولا أقارب، وحدها أخذت تقارع مصاعب الدنيا، فهي لم تحصل على فرصة للتعليم، ولم تتمكن من الحصول على وظيفة، كما أن زوجها لم يترك لها راتبا تقاعديا لأنه كان يعمل كاسبا بأجرٍ يومي.

الغريب في هذه المرأة رغم فقدانها زوجها وابنها، أنها لم تنكسر ولم تنتظر معونة من أحد، كانت تؤمن بأنها المسؤولة الوحيدة في هذا العالم عن نفسها وحياتها ومصاريفها، فعليها أن تتدبر معيشتها بنفسها، السكن والطعام والملابس وكل احتياجاتها الأخرى كإنسانة مقطوعة من شجرة، ومن لطائف شخصيتها أنها قمة في الصبر، وأنها خبرت ترويض الجوع، كما أنها ما أحنت رأسها لغير الله.

بدأت في العمل كمنظفة في البيوت، رحلتها هذه تدرجت من البيوت الصغيرة إلى القصور الفارهة، فقدتْ عملها في أكثر من بيت لأنها صاحبة موقف ومبدأ، ترفض التجاوز على شخصها من أي شخص كان، حتى لو كان رزقها وعيشها مرتبط برضائه عنها، المهم لديها أنها كانت تؤدي عملها في تنظيف البيت الذي تعمل فيه بإخلاص تام، ولا يعنيها بعد ذلك إذا قبل عليها صاحب أو صاحبة البيت الذي تعمل فيه.

هذا لا يعني أنها صلفة أو متغطرسة أو جافة في التعامل مع الآخرين، كلا، فهي ودودة، تحب الناس وتحترمهم، وتتعامل معهم على أساس الاحترام المتبادل، ولا تقبل بأي نوع من التجاوز على كرامتها، وهذا هو السبب الذي جعلها تتنقل من بيت إلى آخر، بسبب تجاوز بعضهم عليها، كأن يتعامل معها باحتقار، أو بألفاظ لا تليق بالإنسان.

اليوم وصلت إلى هذا القصر الكبير الذي تتصدّره حديقة غنّاء بأشجار وارفة، وزهور من كل الأنواع لدرجة أنها لم تستطع تمييز العطور من كثرة الورود المتفتحة في الحديقة، استقبلتها صاحبة القصر بطريقة تنمّ عن الاستعلاء، فحاولت عاملة التنظيف أن تمتص هذا النفس الأناني لدى صاحبة القصر.

ويوم بعد آخر كانت تقوم بتدبير القصر وتنظيفه من الداخل والخارج، فرغم الغرف الكثيرة والكبيرة والصالة الواسعة وكثرة المقاعد والزهريات واللوحات والصور والستائر، إلا أنها كانت تؤدي عملها بأقصى ما يمكن من حيث التنظيف وإظهار القصر بما يليق به ويتوازى مع سعته وجماله، وكانت صاحبة القصر ترى ذلك بعينها وخبرتها الطويلة مع عاملات التنظيف.

إلا أن صاحبة القصر بدأت تعاني من صفة في شخصية عاملة التنظيف، إنها قوية لا تقبل التطاول عليها مطلقا، لكنها في نفس الوقت تقوم بعملها على أفضل وجه، حتى أن صاحبة القصر المتعالية كانت تقرّ بينها وبين نفسها بأن هذه العاملة الجديدة هي الأفضل من بين جميع العاملات السابقات اللواتي عملن في قصرها.

مرّت شهور ولم تحصل عاملة التنظيف على كامل أجرها، صبرت كثيرا على صاحبة القصر، وبدأ وضعها النفسي يتدهور وانعكس ذلك على وضعها الصحي، وأخذ موجات سعال تجتاحها مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة، عرفت بذلك صاحبة القصر وخشيت من إصابة عاملة التنظيف بفايروس كورونا، فطردتها من بيتها دون أن تعطيها أجورها كاملة.

وبعد أن يئست عاملة التنظيف من استعادة أجرها تركت القصر وتوجّهت إلى أقرب مستشفى لتشخيص ومعالجة كورونا، وبالفعل وجدت نفسها مصابة بهذا الفايروس اللعين، وأمضت أسابيع في المستشفى المتخصص، ولأنها قوية ومؤمنة بنفسها تجاوزت هذه المحنة، فيما افترس الفايروس صاحبة القصر وأطاح بها.

فبدأ البحث والحصول على بلازما الدم لإنقاذها لكن فصيلة صاحبة القصر من النوع النادر، وشاءت الأقدار بعد مراجعة نفس المستشفى الذي عولجت فيه عاملة التنظيف، أن يعثروا لصاحبة القصر على امرأة بنفس فصيلة دم صاحبة القصر وبعد البحث عنها تبيّن أنها عاملة التنظيف التي كانت تعمل في القصر الكبير والتي طردتها منه صاحبة القصر التي حاصرها فايروس كورونا حتى كاد أن يقطع أنفاسها.

اتصل زوج صاحبة القصر بعاملة التنظيف، وأخبرها بأن زوجته بحاجة إلى بلازما الدم منها تحديدا لأن فصلتيّ دمهما نادرتان ومتشابهتان، لم ترفض عاملة التنظيف هذا الطلب، واستجابت لزوج صاحبة القصر، ومنحتها بلازما دمها، وحين عرفت صاحبة القصر بذلك استغربت كثيرا، كيف توافق عاملة التنظيف على منحها الحياة مجددا بعد أن طردتها شرّ طردة من قصرها؟؟

حين استعادت صاحبة القصر صحتها، أرسلت على عاملة التنظيف التي أنقذت حياتها، وقالت لها بالحرف الواحد، سأمنحكِ أيّ شيء، بل كل شيء، أموال، مصوغات، كل ما ترغبين به، فأنت تستحقين ذلك....

لكن عاملة التنظيف لم تطلب من صاحبة القصر أي شيء، سوى أجورها المتأخرة!!

فاستغربت صاحبة القصر وكررت عرضها على عاملة التنظيف، وطلبت منها العودة إلى عملها في القصر، لكن المرأة الوحيدة القوية المخلصة، رفضت كل عروض صاحبة القصر، وطالبتها بأجورها القديمة المتأخرة لا غير...

استردّتْ عاملة التنظيف القوية حقّها، ولم تبتز صاحبة القصر في قضية البلازما لفصيلة دمها النادرة بل تعاملت مع الأمر على أنه عمل إنساني بحت، أخذت حقّها وخرجت من القصر الكبير مرفوعة الرأس، فيما كانت صاحبة القصر مصدومة متهالكة مستغربة من أن الحياة رغم ماديتها ومغرياتها لا تزال تضم هذا النوع من النساء العصاميات.

اضف تعليق