بادئ ذي بدء ينبغي القول إن كل الثقافات الوطنية والقومية، تسعى جاهدة وتطمح أن تكون ثقافة عالمية-إنسانية لأنها تتضمن بشكل أو بآخر مشروعاً ونزعة ترى في ذاتها وقيمها، أنها الجديرة بالتمكن والريادة على مستوى الكرة الأرضية، لهذا تتصارع الثقافات وتتنافس من أجل أن تتبوأ موقعاً أفضل في الخريطة الثقافية العالمية.

وإجمالاً في هذه المسألة نقول: إن الثقافة المحلية الحية، التي تنظر إلى الكائن البشري كإنسان، وتخاطبه كنموذج للإنسانية جمعاء، وتجتهد في علاج مشكلاته، وبلورة تطلعاته، إن هذه الثقافة تستطيع أن تتجاوز حاجز المحلية والإقليمية والقومية لتدخل عالم العالمية. لهذا بإمكاننا أن نقرر أن شريط العالمية هو في التحديد الواقعي السليم ل (كيف تنظر الثقافة «أية ثقافة» إلى المجتمعات البشرية الأخرى وثقافتها).

إن الثقافة المنفتحة والمتسامحة هي التي تكون مصدر تكريس كل اجتماع بشري والثقافة الاستعلائية والعنصرية والتي تؤمن بمحليتها حد الانغلاق والانطواء هي التي تبقى أسيرة هذه الحواجز والأُطر، فالثقافة التي لا تضمر إلى الإنسان كنوع أي شر وأي حقد، هي التي تنطلق من مفهوم الخصوصية إلى العالمية.

فمضمون الثقافة الجوهري هو الذي يحدد أن الثقافة مؤهلة أن تصبح ثقافة حضارة وثقافة عالمية أم لا، وتنجح الثقافة إذا كان مضمونها إنسانياً من توسيع رقعتها الجغرافية وتؤسس لنفسها (هذه الثقافة) الإمكانات الذاتية لاستيعاب وهضم الخبرات والتراث الإنساني العلمي والتقني، فالانفتاح على المغاير الثقافي والحضاري مسألة أساسية للانطلاق بالثقافة الذاتية إلى رحاب العالمية.

ونستطيع القول في هذا الصدد: إنه كلما كانت مفاهيم الثقافية مفاهيم وقيماً إنسانية، اقتربت من رتبة العالمية والإنسانية، وأن إنسانية الثقافية وانفتاحها وتسامحها، هو الذي يتيح للأطراف الثقافية الأخرى استيعاب العلم وإخصابه من جديد في البيئة الجديدة ولهذا نجد أن الثقافة الأوروبية حينما كانت تعتمد على النصية الحرفية وهيمنة الكنيسة على كل شيء لم تكن ثقافة ذات طابع عالمي-إنساني، وبدأت الثقافة الغربية تأخذ طابعها العالمي والكوني حينما أنهت من بنائها النظري حالة الانطواء ومحاربة الآراء المختلفة..

وتجسدت هذه المعضلة في التاريخ الأوروبي، في صراع الدين والعلم، إذ يقول «أميل بوترو» إن أمر العلاقات بين الدين والعلم حين يراقب في ثنايا التاريخ يثير أشد العجب فإنه علِى الرغم من تصالح العلم والدين مرة بعد مرة وعلى الرغم من جهود أعاظم المفكرين التي بذلوها ملحين في حل هذا المشكل حلاً عقلياً لم يبرح العلم والدين قائمين على قدم الكفاح، ولم ينقطع بينهما صراع يريد كل منهما أن يدمر صاحبه، لا أن يغلب فحسب، على أن هذين النظامين لا يزالان قائمين ولم يكن مجدياً أن تحاول العقائد الدينية تسخير العلم فقد تحرر العلم من هذا الرق، وكأنما انعكست الآية من ذاك وأخذ العلم ينذر بفناء الأديان، ولكن الأديان ظلت راسخة وشهد بما فيها من قوة الحياة عنف الصراع.

إن هذا النص يعكس ويجسد أزمة الصراع التي كانت سائدة في الفكر الأوروبي بين النسقين الفكريين: العلمي والديني، والتي انتهت بإقصاء النسق الديني عن مجال الحياة والمجتمع، وتبقى عقلية التمركز الذاتي الأوروبي، واعتبار مرجعيات الفكر الأوروبي كمتعاليات تسبق تفكيره للآخر والعجز عن فهم التغاير والتنوع على مستوى الحضارات، هو أحد الأسباب الرئيسية التي تمنع من أن تصبح الثقافة الغربية ثقافة عالمية-كونية.. لأن هذه المركزية الشديدة للفكر الأوروبي، تؤسس طموحاً داخل النسق الثقافي والسياسي الغربي تتجه نحو التفرد والتعالي، واعتبار إبداعات هذا الفكر هي النهاية التي ينبغي أن يقبل بها الجميع وما نظرية (فوكوياما) المسماة بـ (نهاية التاريخ) إلا نموذج على المفهوم الواحدي للحضارة والثقافة الذي يتبناه الفكر الأوروبي..

ويشير إلى هذه المسألة الكاتب (مطاع صفدي) بقوله: لقد كان هجوم المشروع الثقافي الغربي بأدوات التقنية على العالم يهدف أولاً إلى تدمير كلي من ناحية لبنى الخصائص القومية من حيث هي الحوامل التاريخية للمشاريع الثقافية المختلفة. ومن ناحية ثانية كان هدف هذا الهجوم إعاقة أية جدلية مثاقفة سليمة تساعد الأمم على استعادة حيوية المشروع الثقافي الخاص الذي يثبت حضوريته بإمكانياته الذاتية، مضيفاً من قوله إلى قوى التغيير المختلفة الناشطة داخل المشروع الثقافي-العالمي للإنسان.

ولقد حاول المفكر الغربي (ليفي شتراوس) دحض هذا المفهوم الواحدي للحضارة والثقافة بقوله: أشرنا إلى أن كل مجتمع يمكنه من خلال وجهة نظره الخاصة، تصنيف الثقافات إلى ثلاثة أنواع هي الثقافة المعاصرة له ولكن الموجودة في مكان آخر من الكرة الأرضية، والثقافة التي ظهرت في المكان نفسه تقريباً ولكنها كانت سابقة في الزمان، وأخيراً الثقافات التي وجدت على السواء في زمان وفي مكان مختلف عن مكان وجوده.

فالثقافة الغربية بتمركزها الذاتي ونفيها للمغايرة والتنوع ساهمت وتساهم بشكل مباشر في اغتيال الكثير من الخيارات الحضارية الصالحة للإنسان حاضراً ومستقبلاً.

وتأسيساً على هذا كله نقول: إن عالمية الثقافة لا تتحقق عن طريق محاربة الثقافات الأخرى وإنما عن طريق احترامها والتسامح معها والتفاعل مع أنساقها المتعددة والثقافة العربية بمضمونها وجوهرها الإنساني بإمكانها أن تصبح ثقافة عالمية - إنسانية إذا توفرت الأمور التالية:

الوعي بالذات:

بمعنى أن طريق العالمية لأية ثقافة أو منظومة معرفية لا يمر عبر تجاوز الذات بما تشكل من رموز وقيم وتاريخ، وإنما العالمية تأتي عن طريق الوعي بالذات ودورها في صقل المواهب وتعبئة الطاقات في اتجاه عالمية الثقافية، والوعي بالذات ليس مسألة هلامية أو فضفاضة وإنما يعني:

- المزيد من التعرف والكشف على الثروات المعرفية والثقافية التي تختزنها الذات الحضارية في تراثها وتاريخها.

- حضور الذات في عملية المثاقفة مع الثقافات الإنسانية حتى لا تكون عملية المثاقفة طريقاً إلى هدم الأسس المعرفية التي تتكئ عليها الذات وحضور الذات في عملية المثاقفة يؤدي إلى خلق الاندفاعة القوية والضرورية لفهم الثقافات المغايرة والعمل على هضم الصالح منها.

- احترام الثقافات الإنسانية الأخرى.. لأن الاحترام في بعُده الثقافي يؤسس القاعدة النفسية والفكرية لهضم نقاط القوة المتوفرة في تلك الثقافة، ويخطئ من يعتقد أن عالمية الثقافة تتحقق عن طريق نفي وإقصاء الثقافات الأخرى والعمل على طرد مساهمات الثقافات الأخرى في الحركة الحضارية الإنسانية.

والترجمة العملية لمسألة الاحترام المذكورة تتجسد في التعاطي الايجابي مع عطاءات وإنجازات الثقافات الإنسانية الأخرى والانفتاح على المنتوج الثقافي لتلك الثقافات والتعامل معه على أساس أنه إنجاز إنساني عام، يمكننا الاستفادة منه، لو أنسجم وخصائصنا الذاتية والحضارية والتاريخية.

وبالتالي فإن الوعي بالذات هو خط الدفاع الأول، الذي يمنع عملية الاستلاب والتحلل في مستوياتها الثقافية والحضارية، فالمزيد من الحضور الثقافي العربي والإسلامي، لا شك هو الذي يمنع عمليات الانهيار في الأنساق الثقافية والفكرية وأن الضباب هو الذي يهيئ جميع العوامل والأسباب لعمليات الانهيار المقصودة.

لذا فإننا نقول: إن عالمية الثقافة العربية لا تمر عبر الذوبان في الثقافات الأخرى وإلغاء الحدود فيما بين الثقافات، كما أن العالمية لا تتحقق من خلال الانغلاق والانطواء على الذات الثقافية والاكتفاء بما تنتجه هذه الذات ثقافياً وفكرياً. إن طريق عالمية الثقافة العربية يمر عبر الوعي بالخصوصية الثقافية العربية، الوعي الذي يفجر الطاقات لا يكتبها ويبلور المقصد لا يشتته ويسعى نحو توسيع القواسم المشتركة مع الثقافات الإنسانية الأخرى.

الحوار بين الثقافات:

على المستوى العلمي والفصلي لا يمكن أن تعيش ثقافة بدون مثاقفة وعملية تواصل بشكل أو بآخر مع الثقافات الإنسانية الأخرى. إلا أن الفرق بين الثقافات يكمن في قدرة كل ثقافة انطلاقاً من ثوابتها وخطوطها الكبرى على تكييف المنجزات الإنسانية التي قام بها الإنسان (الفرد والمجتمع) انطلاقاً من ثقافة متكلسة لا تمارس الدور الايجابي والمؤثر في عمليتي الحوار والتواصل الثقافيين، بينما الثقافة التي تتمكن من هضم تطورات العصر ومنجزاته، هي تلك الثقافة القادرة على الإمساك بناصية المستقبل.

من هنا فإن الحوار بين الثقافات من الروافد الأساسية لإغناء كل ثقافة على مستوى الشكل والمضمون وبهذا تمتزج العناصر الثقافية وصولاً إلى تفصيل القواسم المشتركة بين الثقافات على مستوى حركة الأفراد والمجتمع لهذا فإننا نقول: إن الحوار بين الثقافات من الروافد الأساسية والمهمة لدخول الثقافة رحاب العالمية، لما تشكل عملية الحوار على المستوى الثقافي من تكريس لمفهوم الاحترام لكل منجز إنساني بصرف النظر عن موطنه الأصلي.

ومن هنا نجد أن الثقافة العربية والإسلامية في صدر الإسلام الأول، لم تكن حبيسة الجغرافيا التي نتجت فيها، وإنما انطلقت من تلك البقعة الجغرافية إلى كل أصقاع العالم.. والسر في ذلك يرجع إلى طبيعة تعامل الثقافة العربية والإسلامية مع الثقافات الأخرى إذ لم يسع العرب والمسلمون إلى إقصاء الثقافات الأصيلة لكل شعب وإنما سعوا إلى تمثل الإيجاب والقوة في تلك الثقافات، والعمل على تكييفها مع الثقافة الفاتحة فقد سعت الثقافة العربية والإسلامية إلى استيعاب الثقافات الأخرى وهضم مكوناتها الايجابية ونقاط قوتها، وفي مقابل ذلك سعت بعض الثقافات إلى ممارسة عمليات الإقصاء والنفي للثقافات المغايرة..

ويشير إلى هذه المسألة الكاتب العربي (منير شفيق) بقوله: إن الروماني على سبيل المثال حين خرج من روما ليفتح الأمصار لم يكن هدفه جعل الخارج رومانياً، وإنما تعميق هوة اللامساواة بإقامة تسلط مباشر على الخارج بعد ضمه إلى إمبراطورية، وبهذا يبقى الروماني متميزاً من كل الجوانب فهو صاحب السطوة والسلطة والنفوذ وقوة العنف وهو ناهب الثروة، والمتمتع بالخيرات والرفاه، وهو يمارس الاستغلال والاستبعاد والاضطهاد. أما بالنسبة إلى العربي المسلم حين خروجه من الجزيرة العربية ليفتح الأمصار فكان يحمل القرآن وذلك من أجل نشر العقيدة وإدخال الشعوب الأخرى في الإسلام، أي كان هدفه تحقيق الوحدة مع الخارج ومساواته بنفسه من خلال العقيدة الإسلامية التي تقضي بذلك.

وهكذا فإن الثقافة العربية والإسلامية على المستوى التاريخي لم تحمل مشروعاً عدائياً للخارج إنما انطلقت بمبادئها وقيمها لتقنع الشعوب والعوالم الأخرى بها، فتتوحد معها ويصبح الجميع في ظل أمة واحدة وثقافة واحدة.

لهذا فإن الحوار بين الثقافات جزءٌ من الكيان الفطري للثقافة العربية والإسلامية، إضافة إلى أن الحوار يزود الثقافة العربية والإسلامية باستمرار بزخم مكاسب الإنسان وإنجازات الثقافات الأخرى.

وأخيراً فإن النمو والتطور ينبغي أن يعتمدا على جذورنا العقدية والثقافية الخاصة، لا بتلقيح ما هو غريب عنا.

اضف تعليق