إسلاميات - المرجع الشيرازي

الانبهار بالدنيا والسقوط في العدمية

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

لم يُخلَق الإنسان عبثا، وهذا الاستنتاج ألزمهُ بالتصدي لمسؤوليات تراتبيّة، تبدأ من الصغرى إلى الكبرى، وبقدر إتقان الإنسان لفن التعامل مع مسؤولياته، والتفوق في إنجازها، ستكون الإثابة أو قطف الثمار، ويضع العلماء معادلة لا تطولها الشكوك، مفادها كلّما فشلت الدنيا في الإيقاع بالإنسان في زخارفها وحبائلها، كلما كان مكتملا في التصدي لمسؤوليته الكبرى.

الانبهار بالدنيا هي العقبة الكبرى التي يواجهها البشر، ومن كان ضعيفا حيال نفسه، كان ضحية للدنيا، كيف نستطيع أن نحمي أنفسنا من السقوط في ألاعيبها؟، هذا يتوقف على نهل العلم والوعي والثقافة من منابعها الأصيلة، حيث يكمن الوعي السديد والرشاد العتيد، ومنابع العلم نجدها في العقول الرشيدة والنفوس الرصينة والقلوب المعبّأة بالتقوى.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يخاطب العلماء والمفكرين والمثقفين وكل من يجد في نفسه قدرة على التصدي لمسؤولية التوعية السديدة، فيقول سماحته:     

(علينا وعليكم أن ننهض بالمسؤولية، وذلك عبر تعبئة علمية كاملة، وتقوى حقيقية).

إن الإنسان الذي لا يشعر بمسؤوليته في الحياة، سوف يسقط في عبور الجسر إلى الجهة الأخرى، الدنيا كما يصفها سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) هي الجسر الذي سنعبر من خلاله إلى جهة الخلود، لذلك فهي ليست أكثر من جسر، تكمن أهميته في كونه واسطة عبور لا أكثر، لذلك لا ينبغي أن تشغل الإنسان، وتلهيه وتسحبه من تلابيبه إلى زخارفها، فتجعل منه عبدا لها، وتنسيه مسؤولياته، فيضيع في توافه الأمور، وتسحقه الملذات الزائفة، وينسى الهدف الأعظم المتمثل بعبور جسر (الدنيا) إلى الآخرة بلا أدران، ولا عواقب وخيمة، فالإنسان يجب أن يكون من الذكاء بحيث يعبر الجسر دون أن يسقط في الماء، ولا ينظر إليها أكثر من كونها قنطرة يمر من فوقها مرور الكرام، عبورا إلى الضفة الثانية.

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(إنّ الله عزّ وجلّ لم ينظر إلى الدنيا منذ خلقها. وهذا يدلّ على إنّ الدنيا هيّنة كثيراً عند الله تعالى. وأما بالنسبة للبشر، أي نحن، فالدنيا هي قنطرة لنا. واستفادة الإنسان من هذه القنطرة هي أن يعبر من عليها، ولا يقع في الماء، ويعني إنّ الدنيا جسر، وفائدة الجسر هي أن يجعلك تعبر من جهة إلى أخرى).

الدنيا جسر للعبور لاأكثر

احتياجات الإنسان في الدنيا معروفة، ونعني هنا الاحتياجات الماسّة التي تديم حياته بصورة معتدلة، فالملذات والامتيازات في الدنيا لا حدود لها، مثلما أن النفس لا حدود لرغباتها، ولكن طالما أن الدنيا قنطرة لا أكثر، على الإنسان أن يكون حذراً في الذهاب وراء ما يحتاجه أو يريده، وعليه أن يفهم ويؤمن بأن كل فعل يقوم به يقف وراؤه حساب، هذه هي مسؤولية الإنسان التي لا يجوز أن يهملها أو ينساها، أو يعطيها ما تستحقه من اهتمام.

كل كلمة تصدر منك، تترتب عليها نتائج، وكل فعل، وكل حركة وكل إجراء، فإذا كان نشاطك في الدنيا لا يعبأ بنتائج الأقوال والأفعال التي تقوم بها تجاه الآخرين، فهذا يعني أنك لا تأبه بالمسؤولية، ولا تعنيك عواقب ما تقوله وما تفعلهُ، وهذا دليل على أنك وقعت في حبائل الدنيا، واهتممت بالجسر أكثر من كونه واسطة للعبور، ومنحته قيمة لا يستحقها، فتنكّرت لمسؤوليتك الكبرى.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يؤكد قائلا:

(نحن كم نحتاج في الدنيا إلى ملابس؟ وإلى طعام؟ وإلى ضروريات الحياة؟ فعلينا أن نأخذ من ذلك بمقدار الضرورة، لا أكثر. فالإنسان لا تهمّه أن ماذا تكون القنطرة، سواء كانت من خشب أو من إسمنت، أو جميلة أو غير جميلة، أو كيف يعبر عليها، فالمهم هو أن يعبر من عليها).

الكلمة الصحيحة لها مكانتها ونتائجها، والفعل الصحيح كذلك، والقول الذي يربك الآخرين ويمس بكرامتهم تترتب عليه نتائج وعواقب في الدنيا وفي الدار الأخرى، فلا يتصور الإنسان أنه في منجى مما يقوله أو يفعله، وعليه أن يعي ويفهم ويؤمن بأن الصراع الذي يجري على جسر (الدنيا)، وهو مهمته ليست أكثر من عملية عبور لا أكثر، صراع مزيّف لا يستحق العناء.

كل مخلوق يحتاج إلى ما يديم حياته، فمن لا يأكل لا يعيش، ومن لا ينام لا يمكن لجسمه أن يحصل على النمو الطبيعي، ومن لا يستحم سوف تتهدد صحته بالفناء، كل هذه أمور بديهية لا تحتاج إلى إثبات، ولكن هل مطلوب من الإنسان أن يأكل أفضل المأكولات وأطيبها وألذَها، وهل عليه أن ينام في القصور الفارهة والأسرّة الملكية، وهل عليه أن يستحم في أفخم المنتجعات والبحيرات والحمّامات؟

الدنيا جسر للأخرة

كلا بالطبع، هذا ليس شرطا من اشتراطات الحياة الحاسمة، فعلى الإنسان – حتى يعبر جسر الدنيا بسلام- أن يكتفي بالطعام البسيط الذي يكفي لإدامة أنفاسه شهيقا وزفيرا، وعليه أن لا ينغمس في الملذّات لأنها ستعودُ وبالاً عليه، كون جميع ملذات الدنيا تترتب على فشل في تصدي الإنسان لمسؤولياته، وغالبا ما تقوم على محرمات وتجاوزات تعبر على حقوق الآخرين.

أصحاب المناصب في الدنيا إذا لم يلتزموا بحدود صلاحياتهم وفقا للقوانين والضوابط الرسمية والشرعية والأخلاقية، سوف يفشلون في أداء مسؤولياتهم، وسوف يظلمون الناس، ويرتكبون جرائم كثيرة كالاختلاس والاستخدام الخاطئ للنفوذ والسلطة والصلاحيات، لذلك هؤلاء لا ينظرون إلى الدنيا كجسر للعبور فقط، إنهم يتلاشون في الدنيا ويعدّونها آخر المطاف لهم، وينسون أن هناك محطات قضائية سوف تتصدى لهم وتقتص منهم، محطة قضاء البرزخ، ويوم القيامة، هذه الإجراءات القضائية الحاسمة لا ينبغي للإنسان أن ينساها أو يتناسها.

حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، قول شهير للإمام علي عليه السلام، يختصر كل ما يرتكبه الإنسان في الدنيا من زلّات بعضها كبير وخطير، فهو يُقبل على حلاوة الدنيا كالأعمى، لا يرى ولا يعرف حدوده وحدود الناس، يرتكب الحماقات بحقّهم، يظلمهم، يتحول إلى مجرم يبطش بالجميع، كلّ هذا وسواه الكثير من أجل ماذا؟ من أجل أن يتذوّق حلاوة جسر زائل ليس أكثر من مكان مؤقت يعبر عليه الناس من ضفة إلى أخرى.

لذلك من الأخطاء الفادحة والمصيرية، أن ينسى الإنسان مسؤولياته، وأن يخفت في ذاكرته يوم الحساب (القيامة)، وأن تلهيه مظاهر الدنيا، ومن الخطأ الجسيم أن يفشل أو يضعف الإنسان في التصدي لمسؤوليته تجاه نفسه والآخرين.  

يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):

(على الإنسان أن يأكل ما يحتاجه من الطعام، لا أن يشترط بأن يكون الطعام لذيذاً. فاللذّة لها الحسرة يوم القيامة. فحلاوة الدنيا مرارة الآخرة كما يقول مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه).

خلاصة الكلام، الإنسان مخلوق واعٍ، ذو عقل لا ينقصه شيء، إلا إذا أراد الإنسان نفسه أن يلحق بعقله الجهل، وانطلاقا من ذلك، على الإنسان أن يفهم بأنه مسؤول عن كل ما يقوم به، وهو مساءَل عنه آجلا أو عاجلا، ومن الخير له أن لا يُفسد في الدنيا، وأن لا يتشبث بها وبملذاتها وحلاوتها، ويأخذ منها ما يحتاجه لا أكثر، فهناك مساءَلة لا مفرّ منها مطلقا. 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0