منوعات - صحة

القطاع الصحي في العراق وسبل تطويره

المحور السادس: قطاع الصحة والبيئة

وضع القطاع الصحي الحالي بالعراق يستدعي وقفة حقيقية تتناسب مع حجم المعضلات التي تنخر في معظم قطاعاته المختلفة. وهنا يجب القول بان مناقشة محاور القطاع الصحي كل على حده سوف لن يؤدي الى تغيير وتحسين فعال وناجع بدون النظر الى جميع المحاور والاخذ بنظر الاعتبار...

ورقة دراسة موجزة: الدكتور سلام موسى-إستشاري الجراحة

 

ان وضع القطاع الصحي الحالي بالعراق يستدعي وقفة حقيقية تتناسب مع حجم المعضلات التي تنخر في معظم قطاعاته المختلفة. وهنا يجب القول بان مناقشة محاور القطاع الصحي كل على حده سوف لن يؤدي الى تغيير وتحسين فعال وناجع بدون النظر الى جميع المحاور والاخذ بنظر الاعتبار الارتباط الوثيق بينها واعتماد كل محور على الاخر.

وهنا سأحاول ان أقف على بعض المعضلات وطرق تغييرها او تطويرها آخذا في اعتباراتي الإضافات البناءة التي يطرحها الآخرون من ذوي الاختصاص لجعل الناتج شموليا ومتمنيا ان تكون وثيقة عمل مستقبليه لخدمة الحركة الصحية في العراق لتصب في الاخر في خدمة المريض الذي هو جوهر ومركز كل عمل وجهد.

وفيما يلي بعض هذه النقاط:

١- القبول في الكليات الطبية:

ان القبول في الكليات الطبية ومنذ عهد بعيد يتم على المعدل فقط وتكون من نصيب الطالب الذي يحصل على اعلى المعدلات. وهنا لابد ان نوضح بأننا يجب ان نعمل جاهدين لتغيير هذا ان أردنا ان يكون المتخرج والذي هو طبيب وقائد المستقبل فعالا وذو إمكانيات تطويرية لخدمة المريض والقطاع الصحي. وهنا يجب ان تكون وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على دراية بهذا وتفاعل مع وزارة الصحة لتطوير كيفية القبول بما يتلائم مع الهدف المنشود. ولابد ان نعرف بان ليس مٓن اخذ معدل عالٍ سيكون طبيبا ناجحا في المستقبل او سيكون ملائما للدراسةِ والتعليم في الكلية الطبية. ولغرض تطوير أسس القبول فإنني اعتقد ان المعدل يجب ان يراعى في الحسبان مع بعض الامور الاخرى الضرورية في هذا المجال واقترح هنا مايأتي:

أ- ان تكون المعدلات التي ينظر في قبولها في كليات الطب من ٩٠ الى المئة وليس بالضرورة اعلى المعدلات.

ب- ان يرفق مع التقديم الى الكلية الطبية رسالة يقدمها الطالب يشرح فيه لماذا ينوي الدخول الى الكلية الطبية والدوافع واهدافه وغيرها من التفاصيل التي تسند الطلب.

ج- ان يعطى الخيار للطالب للتقديم على ثلاث كليات طبية فقط.

د- يتم تنظيم مقابله للطالب من الكليات الطبية الثلاث المختارة بواسطة لجنة متخصصة ويجب ان يكون فيها المختص النفسي والمختص العلمي وهكذا.. وفيها يتم تقييم الطالب من معلومات طبية اساسية، نوع الشخصية، الدوافع وتقييم نفسي للطالب.

كل هذه العوامل يعطى لها نقاط مع نقطة للمعدل ونقطة للموقع الجغرافي للطالب في العراق من ثم الانتقاء الجيد للطالب للقبول. وتتم هذه العملية بزمن يسبق القبول في الجامعات الاخرى ليتسنى لغير الناجحين بالتقديم الى كليات اخرى بعدها. وهنا لابد ان أشير الى ان الكليات الطبية يجب ان تعمل بصورة استقلالية لغرض حصر الانتقاء.

ه- يجب ان تطبق جميع الضوابط أعلاه على الكليات الطبية الأهلية ان وجدت في داخل العراق.

٢- الطبيب المتخرج حديثاً والتدريب الأولي:

وهنا ايضا يجب تغيير توزيع الاطباء وبنفس ماذكر أعلاه وبما يتلائم وحاجة المستشفيات وقدرتها وامكانيات التدريب فيها. وهنا يجب إيجاد برنامج واضح للتدريب وقياس نوعية التدريب والاداء سنوياً لكل طبيب من قبل متخصصين في هذا المجال.

٣- قاعدة العمل في القطاع الحكومي والخاص وقاعدة بيانات المريض:

لابد ان نعرف ان العراق يفتقر الى قاعدة بيانات فعالة للمريض وخصوصا في مايخص الرعاية الاولية وانتقال المريض من منطقة الى اخرى وعدم معرفة تاريخ الأمراض للمريض بدقة. لغرض تطوير هذا اقترح بناء قاعدة بيانات تشمل جميع المرافق الصحية وتكون مرتبطة مركزيا ولعموم العراق ويجب ان يعتمد النظام في القطاع الخاص أيضاً لغرض المركزية وتبادل المعلومات من اي جهة وفي اي وقت لضمان علاج المريض بالصورة الصحية وديمومة استمرارية المعلومات لخدمة المريض. كذلك وجود قاعدة بيانات صحيحة ستساعد على معرفة الأمراض وانتشارها ودراستها بشكل صحيح ومعرفة الواقع لكل مرض خصوصا الأمراض المعدية والامراض التناسلية والسرطانية وستؤمن هذه القاعدة البيانية الأسس الدراسية والاقتراحات والتطوير الناتج من دراستها.

٤- العمل في القطاع الصحي العام والخاص:

ان الوضع القائم حاليا في العراق يسمح لأي طبيب ان يعمل في الجهتين وبدون ضوابط حقيقية تحدد هذا وأصبحت العيادات الطبية في كل مكان لتشمل أمكنة تحت السلالم للبنايات وكذلك خبرة الاطباء العاملين والهدف الكامن من وراء ذلك الا وهو الكسب المادي فقط والذي أدى الى خلق مافيات لدفع المريض الى مكان ما او باتجاه ما محددا بالعامل المادي فقط. كذلك فان المريض قد فقد ثقته بالمستشفيات الحكومية وبالنتيجة بمستوى الخدمة المعطاة له وكذلك فان الطبيب في المستشفى الحكومي صار جُلّ همه استخدام المستشفى الحكومي كوسيلة للدعاية الى عمله الخاص وتوجيه المريض اليها مع عدم الاهتمام بنوعية الخدمة الطبية في المستشفيات الحكومية او اي من المرافق الصحية الاخرى.

وهنا لابد من النظر في هذا وتغيير هذه العملية واقترح مايلي:

أ- يجب ان لايسمح بفتح العيادات الخاصة لكل اختصاصي لم تمض على نيله شهاده الاختصاص خمس سنوات واعتبار الخمس سنوات الاولى بعد شهادة الاختصاص هي بمثابة تدريب عالٍ ضمن المهنة قبل ان يكون أهلاً لعمله الخاص ضمن المعطيات والضوابط.

ب- انشاء العيادات الجامعية والتي تتبع الكليات الطبية وتكون منافسة للعيادات الخاصة بل وأحسن منها من حيث الإمكانيات والفاعلية وللطبيب المختص الحرية في العمل ضمنها او ضمن عيادة خاصة خارج هذه المنظومة وتحديد الاجور والخدمات.

ج- تفعيل الشروط والضوابط المتعلقة بالعيادات الخاصة والتي تتعلق بسعة العيادة والخدمات فيها ووجود الكادر والبيانات وإدخالها بما يضمن عدم انعزالها عن باقي القطاعات وهنا تكون وزارة الصحة والنقابة في تلك المحافظة لهما الدور الفاعل في تقييم ومراقبة الأداء فيها.

د- انشاء التخصصات الدقيقة والتي ستؤدي الى انشاء التجمعات التخصصية لمناقشة حالة المريض والقرار الجمعي بنوعية العلاج وليس القرار الفردي (multidisciplinary meeting) في داخل المستشفيات الحكومية والذي سينعكس ايجابا على القطاع الخاص.

خ- إرجاع العمل الفعّال بمناقشة كل التعقيدات المرضية وحالات الموت ومناقشتها ضمن لجان وبحضور عنصر فاعل من الرعاية الطبية الاولية لغرض دراستها واستخلاص الدروس وتحسين الداء.

٥- التدريب الطبي:

لايوجد في العراق سبل ناجعة للتدريب والتعليم المستمر لكل الكوادر ويكتفي الكثير من حاصلي الشهادات على دوافعهم الشخصية بالتعلم وزيادة الخبرة وليس ضمن اطر ممنهجة ومدروسة وهنا اقترح الاتي:

أ- التدريب المستمر ووضعه ضمن جدول التقييم السنوي كأساس لاستمرارية العمل بهذا القطاع مثل المؤتمرات والدراسات والبحوث وتعليم الاخرين وماشاكلها ولا تتوقف هذه الالية الا عند التقاعد.

ب- استقدام الكفاءات من الخارج بشكل دوري لتبادل المعلومات مع الداخل بالإضافة الى ايفاد الداخل لمؤتمرات خارجية بدعم مادي من المستشفيات بما يوازي الحاجة لذلك.

ج- تفعيل دور النقابة في المحافظة وكليات الطب لإسناد وتنظيم هذا بالإضافة الى المستشفيات او القواطع الحكومية العامة.

٦- التوعية الصحية:

وهذه من اهم الامور وتكون جميع القطاعات مسؤولة عن ذلك ضمن نطاق عملها لغرض توعية المواطن من خلال التجمعات العامة، النشرات الطبية حول الأمراض، المدارس وكل قطاعات المجتمع. ان زيادة الوعي الطبي لدى المريض هو الكفيل بدعم العمل الطبي وإيجاد الحلول وتشخيص العلل ويجب الاعتماد على المريض كقوة فاعلة في هذا من خلال إشراكه في عدة فعاليات تصل الى حد اسناد بقية المرضى وإرشادهم. يجب ان يتم التحول في نهاية الخطة الخمسية من بلد يعتمد على علاج المرض الى بلد يعتمد على تقليل حدوث المرض أولاً.

٧- ترتيب الكوادر الادارية المساندة للعاملين في القطاع الصحي وتطويرهم لغرض اسناد الهدف وتقليل البيروقراطية الموجودة حاليا في المؤسسات بما في ذلك وزارة الصحة وبقية مؤسساتها الادارية التابعة لها.

٨- تفعيل وتطوير العمل لإنتاج الادوية والمواد المختبرية داخل العراق والاكتفاء الذاتي لتقليل الاستيراد وتوفير فرص العمل فيها.

أخيراً ان رفع اداء العمل الصحي في العراق وتطويره سيكون معتمداً مع تطوير الخدمات الاخرى مثل خدمة البريد والهاتف والايميل الالكتروني، وخدمات البلدية والنقل والتطوير وكذلك بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم.

اتمنى ان تكون هذه نبذة مختصرة عن الواقع الصحي وتطويره في العراق.

.................................
* تدعو الأمانة العامة للهيئة الاستشارية العراقية للإعمار والتطوير (ICADP)، التي تأسست عام 2010، الأخوات والإخوة الزملاء الأعزاء من الأكاديميين والخبراء العراقيين المختصين في مختلف المجالات والميادين العلمية والثقافية من داخل العراق وخارجه، لتقديم رؤيتهم لإصلاح الوضع في العراق، من خلال: تقييم تجربة الحكم والعملية السياسية وإدارة الدولة ما بعد عام 2003 وإيجاد الحلول الناجعة لإخفاقاتها، عِبرَ مشاركتهم بدراساتهم ومقترحاتهم العلمية كلٌ حسب اختصاصه، وتقييمها بالشكل التالي:
أولاً ـــ تحديد المشاكل والمعوقات فيما يتعلق بالموضوع الذي يتم إختياره.
ثانياً ـــ تقديم الحلول والمقترحات العلمية الواقعية لها دون الخوض في تفاصيلها.
وإرسالها عن طريق البريد الالكتروني: E- mail: [email protected]
د. رؤوف محمّد علي الأنصاري/الأمين العام

اضف تعليق