الإمام السجاد وقف بالضد من هذا التيار السائد ورفع راية (رسالة الحقوق) وغيرها، ثم نجده عملياً النموذج الأسمى المجسد لرعاية الحقوق حتى غير الواجبة منها، وقد ذكرنا لكم بعض اللمحات الحقوقية ونشير الآن الى البعض الاخر منها، والتي تكشف عن هذه المدرسة الإنسانية العريقة...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولاحول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)

الحقوق في منظومة الفكر الإسلامي

ماذا يعني الحق؟ وماهي النسبة بين الحق والواجب؟ ثم ماهو واجبنا تجاه منظومة الحقوق، على ضوء ماذكره سيد الساجدين، وزين العابدين، الامام علي بن الحسين (عليه صلوات المصلين) في رسالة الحقوق وغيرها؟.

فههنا مجموعة من النقاط:

1- ماذا يعني الحق؟

الحق له إطلاقان:

1- مايقع في مقابل (الواجب) بل في مقابل (الحكم)، اي هناك(حكم) وهناك(حق).

2- الأعم من (الواجب) ومن (الحكم).

توضيح ذلك: الحق تارة يطلق ويراد به ماهو قسيم للحكم، كحق الشُفعة وكحق الأخذ بالخيار، كخيار المجلس او خيار الشرط وغيرهما. وكذلك حق القَسم للمرأة، او حق حيازة المباحات، وحق التملك، او الحق في الزواج، او الحق في الحصول على فرصة عمل، وهكذا وهلم جرا.. الى سائر الحقوق.

وتارة يطلق الحق ويراد به (الواجب)، كما لو قلنا ان الصلاة واجبة، او الصوم واجب، او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.

وهناك فروق عديدة بين الحق والحكم، منها: ان الحكم لايقبل الاسقاط، اما الحق فعادة يقبل الإسقاط

وهنا نسأل: ماهو المراد من (حقه) في الآية الشريفة: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)؟.

هل المراد هو الحق الذي هو قسيم للواجب؟ وهو الإطلاق الأول الذي جرى عليه الفقهاء؟ ام المراد الحق الأعم من الواجب، وهو الإطلاق الثاني الذي ذكرناه (مطلق الواجبات وكافة الحقوق)؟.

الظاهران المراد بالحق في الآية الشريفة هو الإطلاق الأعم للحق. اي هو مطلق ما استحقه الشيء بلحاظ حاله، وماطابق حاله وشأنه، (واجبا) كان ام (حقا) بالمصطلح الثاني.

واما في العرف العام والخاص – ولنلاحظ الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن، مثالاً - فأنهم قد استخدموا (الحق) بالمعنى الأعم، فشمل الواجب وشمل الحق بالمعنى الأخص.

وليس ههنا موضع تفصيل هذه النقطة، وتكفينا هذه الإشارة.

وقد عرّف السيد الوالد في موسوعة الفقه (كتاب الحقوق) الحق بـ: "ما يلزم الانسان له او عليه، فردا عاش ام في المجتمع".

والحديث حول تعريفات (الحق) طويل، الا اننا نكتفي بهذا المقدار.

وموجز القول ان الظاهران المراد من الحق في الآية الشريفة، وفي سائر الآيات المشابهة لها: هو مطلق الحقوق بالمعنى الفقهائي، او القانوني المصطلح عليه، إضافة الى كافة الواجبات ونظائرها (اي حتى المستحبات فان لها درجة ومرتبة من مراتب صدق هذا العنوان).

2- اهمال الحقوق معرفياً وسحقها عملياً

ان المشكلة بل المأساة الرئيسية هي ان هذه السلسلة الواسعة من الحقوق ابتليت على الصعيد المعرفي بالإهمال، وعلى الصعيد العملي بالانتهاك والسحق.

اما على الصعيد المعرفي والنظري، فنجد ان الحقوق عندنا نحن المسلمون مهملة، ولم تعطَ حقها من البحث والدراسة.

وهناك شواهد كثيرة على هذا الإهمال إلا أننا نكتفي بشاهدين، احدهما يعود لما يقارب الألف عام والآخر يتعلق بالعصر الحاضر.

شاهد من الزمن الغابر: إهمال بعض المعاجم للحق

فقد كتب احد أشهر علماء فقه اللغة، كتابا باسم (معجم مقاييس اللغة)، وهو ابو الحسين احمد بن فارس بن زكريا (ت 395 هـ) والغريب اننا عندما نرجع الى هذا الكتاب المصدري، في خصوص كلمة (حق)، نجد إهمالا غريبا لهذا المعنى المُبتلى به اشد الابتلاء على مر التاريخ، اي (الحق) الذي هو قسيم لـ(الحكم)مع ان الحق بهذا المعنى يملأ الكتب الفقهية والقانونية عند الفريقيين؛ لان الحق ليس مصطلح مخترعا، بل هو مصطلح قديم، والفقهاء ملئوا كتبهم من الحقوق المختلفة، لكننا نجد ان هذا الفقيه في اللغة يذكر معاني مختلفة للحق، حتى المعاني البعيدة ولا يذكر هذا المعنى، مثلا يذكر ان من مفردات الحق: الحِقة: من أولاد الإبل وهو ما استحق ان يُحمل عليه.. ويقول... الأحَق من الخيل: الذي لا يعرق... ويقول...الحقُ من الخشب: كانه ملتقى الشيء وطبقه.

فهذا الفقيه اللغوي يذهب الى الإبل..!، وينتقل الى الخيول..!، ثم ينتقل الى الخشب..! وغير ذلك، وتجده يذكر مفردات ومعاني كثيرة في ضمن مادة (ح. ق. ق)، لكن لا تجد من ضمن المعاني الحق بمعنى (الحق)!، وهو المعنى الذي ابتلي بلوازمه هو وغيره على مر التاريخ.

نعم هناك إشارة بعيدة منه الى ذلك، يمكن للإنسان ان ينتقل منها الى هذا المعنى لكن بعد تعّمل وتأمل وذلك عندما يعرّف الحق في بداية كلامه بـ(إحكام الشيء وصحته)، وهذا المعنى وان كان صحيحا الا انه اين هذا من المعنى المعهود والمتعارف، ثم إن من الصعب تطبيق هذه الكبرى الكلية على الصغرى الجزئية، اذ كيف نطبق هذا المعنى (وهو إحكام الشيء وصحته) على هذا المعنى المتداول للحق، اللهم إلا بتعّمل وتأمل؟.

الشاهد المعاصر: اهمال الموسوعات الحديثة لـ(الحق)

ثم لنتجاوز حاجز الزمن وننتقل مقدار ألف عام الى الأمام، لنبحث في احدى أشهر الموسوعات العربية الإسلامية التي صدرت في إحدى الدول العربية والتي مُوِّلت بأموال مؤسسة خيرية، فاننا عندما نرجع إلى مادة (الحقوق) ونقارنها بما ذكرته هذه الموسوعة في نفس المجلد عن (الحصان) نجد ان هناك إهمالا واضحا للحقوق، اذ عندما تتحدث هذه الموسوعة عن الحصان فإنها تخصص مايقرب من (25) صفحة كاملة عن صفاته، وامراضه، وخصائصه، وأنواعه وما أشبه.. اما تتطرق هذه الموسوعة لـ(حقوق الإنسان في الإسلام) فإنهالا تفرِد لذلك إلا صفحة واحدة كما ان مجمل ما خصصته للحديث عن مجمل الحقوق يقرب من (8) صفحات فقط!

الإهمال النظري يستتبع الانتهاك العملي

اذن لانستغرب عندما نجد ان الحقوق منتهكة؛ لان الحقوق على الصعيد النظري والمعرفي مهملة، فاين الحديث والتنظير لحقوق الإنسان في بلداننا، ومعاهدنا العلمية، وجامعاتنا الأكاديمية..؟ اين الحديث عن حقوق الطفل؟ او حقوق المرأة؟ او حقوق العامل؟ او حقوق المزارع؟ او حقوق الطالب؟ او حقوق المعلم؟ او حقوق النقابات؟ او حقوق العشائر؟ او حقوق الاحزاب؟ او حقوق الشعب؟ او حقوق الدولة على الشعب وبالعكس؟.

ان مدرسة اهل البيت (صلوات الله عليهم) متميزة في هذا الحقل كسائر الحقول لكننا اذا استثنينا هذه المدرسة المباركة، نجد ان الحقوق والمباحث الحقوقية مهملة بشكل عام، ومن الطبيعي ان يستتبع الإهمال النظري، سحق الحقوق وانتهاكها عمليا.

بنو أمية ينتهكون الحقوق الإلهية

وهذا مانجده على مر التاريخ فعندما نلاحظ بني أمية الذين واجهوا أئمة اهل البيت (عليهم ازكى الصلاة والسلام) بشكل عام والإمام السجاد (صلوات الله عليه) بالخصوص؛ فان محور حديثنا حوله (صلوات الله وسلامه عليه)، نجد انهم – أي بني أمية- كانوا ينتهكون الحقوق بشكل سافر وعلني: حقوق الله وحقوق الناس، على حد سواء.

يأكلون الطعام على المنبر أثناء الخطبة!

ومن أغرب ماوجدت ان من جملة مبتدعاتهم في انتهاك حق الله تعالى، انتهاك حرمة بيوت الله، وحرمة صلاة الجمعة بالذات، عندما كان يخطب فالخليفة بزعمهم او الوالي الذي يعينه، كانوا يجلبون له مائدة من الطعام فيخطب قليلا.. ثم يأكل من تلك المائدة الموضوعة إلى جواره والتي تحتوي على لذائذ الأطعمة والأشربة.. ثم يكمل خطبته!! أية مهزلة هذه! واي انتهاك لحرمة المسجد وحرمة خطبة صلاة الجمعة!

ثم انهم عمموا هذه العادة السيئة فسمحوا للمصلين ان يأتوا بما يشاءون من الطعام، كي يأكلوا منها في أثناء الخطبة!!وهذا مثال واحد من المئات بل الآلاف من الأمثلة على انتهاكهم لحقوق الله تعالى.

أما(حقوق الناس) فنذكر مثالا واحدا من عشرات ألآلاف من الأمثلة لانتهاكهم لهذه الحقوق.

ان من المعروف ان (مسلم بن عقبة) والذي اشتهر بـ(مسرف بن عقبة) لأنه أسرف في انتهاك الحرمات وسفك الدماء، أجبر أهل المدينة وفيهم الأخيار والصحابة والتابعون والعلماء والعبّاد، تحت وطأة السيف ان يبايعوا على ان كل واحد منهم عبد قنٌ لأشد خلق الله فسقا وفجورا وانتهاكا للحرمات وهو يزيد بن معاوية (عليه لعائن الله).

فأي انتهاك صارخ هذا، لحقوق الناس والصحابة والعلماء والعباد وللحرمات والنواميس؟.

الحقوق في المدرسة السجادية

إلا أن الإمام السجاد (صلوات الله عليه) وقف بالضد من هذا التيار السائد ورفع راية (رسالة الحقوق) وغيرها، ثم نجده عملياً النموذج الأسمى المجسد لرعاية الحقوق حتى غير الواجبة منها، وقد ذكرنا لكم بعض اللمحات الحقوقية في البحث السابق ونشير الآن الى البعض الاخر منها، والتي تكشف عن هذه المدرسة الإنسانية العريقة، التي أهملها كثير من المسلمين للأسف الشديد عن علم وعمد فابتليت الأمة الإسلامية بما ابتليت به من المآسي والرزايا حديثا وقديما.

الإمام يزيح الأذى من طريق الناس

ففي الرواية ان الامام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) عندما كان يمشي في الطريق راكبا على جواد او دابة اخرى، فكان اذا رأى مَدَرَةً ساقطة في عرض الطريق، نزل من على جواده ونحى تلك المدرة.

فاذا ما التفتنا الى مسؤوليات الامام (صلوات الله وسلامه عليه) الكبرى من جهة، وكثرة المَدَر الملقى على الطريق من جهة اخرى، ثم لاحظنا موقف سيد الساجدين وزين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) إذ كان ينزل لينحي المدر عن الطريق.. فاننا سنعرف بعض ملامح عظمة هذه المدرسة الحقوقية ومنها: شدة الالتزام بحق الناس عليك حتى بما لايلزمك!.

لكن الذي يؤلم، ويُعدّ أيضاً من أسرار تخلف الأمة الإسلامية في الوقت نفسه، ان الأمة اعرضت بشكل عام عن التآسي بمنهج أهل البيت الحقوقي وغيره، فعلى سبيل المثال كم شخصاً يوجد منها يتأسى بسيد الساجدين (صلوات الله وسلامه عليه) في شدة رعايته لحقوق الناس؟ وكم رأيتم من رجل وجيه او غير وجيه من يتجنب حتى أن يقول (الطريق.. الطريق)؟ ومن ينزل عن سيارته أو دابته لينحي الأذى عن الطريق أو الحجر أو المَدَر؟.. من يفعل ذلك؟ من العلماء او العوام، من الاساتذة او الطلبة، او غيرهم؟!

فمتى نتعلم من هذه المدرسة الحقوقية المعطاء؟

التعامل مع المعارضة

هذا من جانب ومن جانب اخر نلاحظ كيف ان الامام (صلوات الله وسلامه عليه) وكذلك بقية الائمة (صلوات الله وسلامه عليهم) كانوا يتعاملون مع المعارضة حتى المغرضة منها بما لا نجد له نظيرا في العالم كله، حتى في الدول التي ترفع شعار الديمقراطية عاليا وتتبجح بذلك وكأنها السبّاقة للتحضّر والتسامح!

والشواهد والقصص التي وثقها التاريخ عن سلوكيات أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليه) في هذا المجال كثيرة جدا، الا اننا نكتفي بذكر مثالٍ واحدٍ فقط نظراً لضيق المجال:

الإمام يستغفر لمن إتهمه!

ففي الرواية ان الامام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) مرَّ على قوم يغتابونه فوقف عندهم ثم قال لهم: "إن كنتم صادقين فغفر الله لي، وان كنتم كاذبين فغفر الله لكم"

فهل تجدون مثل هذا الخلق السامي في كل العالم؟ وهل تجدون من يتعامل مع المعارضة، بهذه الروح الكبيرة، وبهذا الهدوء والتسامح مع وسعة الصدر؟

وهل تجدون ان أخلاقيات المنتقِد ـ بكسر القاف ـ واخلاقيات المنتقَد ـ بفتح القاف ـ مطبقة في عالم اليوم؟.

ان الاعم الاغلب من الناس – بمختلف مستوياتهم - بمجرد، ان يصله خبر سلبي عن الجهة الأخرى أو التيار الآخر، واذا به يتلقاه على الفور وكأنه من المسلمات، بل قد يهاجم الجهة الأخرى ويشن عليها حملة تسقيط حتى بدون ان يتحقق او يتثبت من قبل! فاين أخلاقيات النقد؟ بل اين شروطه وضوابطه؟ ان على الإنسان المنصف والمتشرّع ان يتثبت أولاً هل ان هذا النقد صحيح ام لا وهل هذه تهمة او لا؟ ثم بعد ذلك وعلى فرض ثبوت ان تلك الجهة الاخرى كانت قد اجترحت خطيئة أو قامت بفعل مخالف للموازين، تبقى ضرورة الالتزام بأخلاقيات النقد وقواعد الجرح كي يكون النقد موضوعيا هادفاً، الغرض من الإصلاح، لا التشفي والانتقام.

كما ان المنتقَد ـ بالفتح ـ هو الاخر لا بد ان يتعرف على أخلاقيات المنتقدَ ومواصفاته وآدابه ورسومه ومنها: ان يتسع صدره للنقد وان يستمع إلى الناقِد بكل هدوء وموضوعية، وان يتدارس النقاط المثارة بروّية فان كان النقد صحيحاً، قوّم سلوكه وغيرّ نهجه، وإلا تسامى عن ان يرد النقد وإن كان خاطئاً، بالجرح والعدوان أو حتى بالعنف والغضب والانفعال.

والآن.. لنرجع إلى أنفسنا ونحتكم إليها فإننا عندما نسمع شخصا ينتقدنا، فما هي ردة فعلنا؟ وهل يستفزُّنا ويستثيرنا بمجرد توجيهه نقداً معيناً لنا؟ لعل الكثير منا يتخذ مواقف غير مدروسة او غير حكيمة وحتى ان كانت موقفاً نفسياً في مطاوي ضميره..

ان علينا أن نتأسى بالإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) في أخلاقيات تعامله مع المعارضة اذ نجده يقول لأولئك الذين اغتابوه: "ان كنتم صادقين فغفر الله لي" مع انه مما يُقطع به أنهم ليسوا صادقين في اغتياب الإمام الحقّ والولي المسدد من قبل الله تعالى، إلا أن ذلك يكشف عن منتهى المداراة والرفق وسعة الصدر "وان كنتم كاذبين فغفر الله لكم"

وهذا ملمح واحد من ملامح المدرسة الحقوقية السجادية التي لا نظير لها في العالم كله.

الغرب يختطف الريادة من المسلمين

والمأساة الكبرى هي ان الغرب اختطف من المتدينين الأضواء وانتزع منهم حتى الريادة الحقوقية، لان المسلمين كانوا هم القادة والرواد في مختلف الحقول، في الاقتصاد السليم وفي السياسة القويمة وفي الاجتماع المستقيم، وفي ألف شيء وشيء.

ففي مجال الحقوق – وهو مصبّ بحثنا الآن - نجد ان مدرسة اهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) على الصعيد المعرفي النظري، وعلى الصعيد العلمي التطبيقي، هي المدرسة الرائدة ولكننا تقاعسنا عن التأسي بأهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان الناتج من ذلك ان اختطف الغرب هذه الريادة منا أيضاً حتى انهم أصبحوا هم الحاملين لراية الدفاع عن حقوق الطفل، وحقوق المرأة، والمزارع، وحقوق المعارضة، وسائر الحقوق... لقد أضحى الغرب هو الذي يتحدث باسم هؤلاء وهو الذي يحدد ان هذه الدولة الإسلامية أو غير الإسلامية وتلك الأخرى، هي دول منتهكة لحقوق الإنسان بل ان الكثير من التقارير الصادرة من قبلهم تؤكد على ان الدول الاسلامية بشكل عام، والدول العربية بشكل خاص هي في ذيل قائمة الدول التي ترعى حقوق الإنسان.

ومن الطبيعي ان الغرب عندما يكون هو القائد في المجالات الحقوقية فانه يبصمها ببصمته، ويهندسها على ضوء منظومته المعرفية والحضارية، ويفرض شروطه وأفكاره على الآخرين من الأمم الأخرى والحضارات الأخرى، وذلك لأن الحقوق التي يدعو إليها الغرب ليست كلها حقوقاً فطرية سليمة، بل ان العديد منها هي في الواقع تعد انتهاكا لحقوق الله تعالى، بل حتى لحقوق الإنسان.

ومع الاسف الشديد بدأ الكثير منا رغم تدينه، يبشِّر بل ويسير وراء هذه المنظومة المعرفية الغربية، مثلا: نجد ان المرأة لها حقوق كثيرة بل ومثالية في الإسلام، لكن هل لها الحق في الابتذال؟ وهل من حقوقها الانحلال والتحلل؟، ان من الواضح ان الغرب عندما يكون هو الرائد والمنظر في الحقل الحقوقي، فانه يفرض ثقافته الحقوقية في هذه القضية وسائر القضايا، اما اذا انتزعنا الريادة في الحقول الحقوقية على الاقل، فان المنظومة الإلهية الإنسانية الحقوقية، ستكون هي التي تتحكم في هذه البسيطة، وستكون النتيجة سعادة الناس في الدنيا والاخرة.

ان علينا ان نتأسى بسيد الساجدين (صلوات الله وسلامه عليه) لكي نكون روادا في الحقول الحقوقية، ولكي نهندس تلك الأطروحات الحقوقية على ضوء النهج السليم والصراط القويم والطريق المستقيم، وذلك مثل حق الإنسان في التوطن في أي بلد شاء بدون جنسية أو هوية أو فيزا أو إقامة وكذلك حق الانسان في حيازة المباحات، وحقه في التعليم، او حقه في الامن، وهكذا سائر الحقوق...

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

اضف تعليق