خلافا للاعتقاد السائد، لا يحصر الأفراد عادة أنفسهم في دائرة ضيقة من الآراء التي توافق توجهاتهم على الإنترنت، أو ما يُعرف بـ \"غرف الصدى\" الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، بل يطالعون آراء أخرى متنوعة، ومع ذلك يستمر التخندق السياسي ولا تبدو في الأفق بادرة لإنهاء الاستقطاب السياسي...
ديفيد روبسون- صحفي

 

خلافا للاعتقاد السائد، لا يحصر الأفراد عادة أنفسهم في دائرة ضيقة من الآراء التي توافق توجهاتهم على الإنترنت، أو ما يُعرف بـ "غرف الصدى" الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، بل يطالعون آراء أخرى متنوعة، ومع ذلك يستمر التخندق السياسي ولا تبدو في الأفق بادرة لإنهاء الاستقطاب السياسي.

في مطلع الألفية الجديدة، أبدى معلقون كثيرون انبهارهم بالأفق المتحرر الذي أتاحته شبكة الإنترنت، متوقعين أن يعزز ذلك المناخ الديمقراطي بشكل عام، غير أن الباحث القانوني الأمريكي كاس سانستين حذر من الإفراط في التفاؤل.

إذ قال سانستين إن هذا الفضاء الواسع قد يساعد على تجاوز عوائق اجتماعية وجغرافية بين البشر، مؤسسا لنظرة أكثر توازنا للعالم - وبنفس القدر قد يؤدي لحواجز جديدة مع الاصطفاف في خنادق تجمعنا بمن لهم نفس آرائنا فقط، وتفصلنا عن المخالفين في وجهات النظر، ومصادر المعلومات.

وكتب سانستين يقول: "رغم أن الملايين يستخدمون الإنترنت لتوسيع مداركهم، فإن الكثيرين يفعلون خلاف ذلك تماما بقصر مطالعتهم على ما يوافق اهتماماتهم وتحيزاتهم"، وهو ما يخلق ما اصطُلح على تسميته بـ "غرف الصدى"، والذي يشير إلى حالة التقوقع على الإنترنت، التي تزيد حالة الاستقطاب السياسي بدلا من الحد منها.

وسرعان ما لاقى مصطلح "غرف الصدى" رواجا، إذ أشار معلقون لاحقون إلى أن المنتديات الإلكترونية نفسها قد تعزز هذا التخندق. فعلى سبيل المثال، قد يجد موقعا فيسبوك وتويتر أنك تزور أكثر من مرة الأخبار على موقع نيويورك تايمز مقارنة بموقع ديلي ميل، وبالتالي يقدمان لك الأخبار التي تفضلها على هذا الموقع بالتحديد.

وتقول إليزابيث ديبوا، الباحثة بجامعة أوتاوا، إن مرجع ذلك هو "الكم الهائل المتوافر من المعلومات الذي لا قِبل لأحد باستهلاك المتاح منه. ورغم فائدة هذا الانتقاء التفضيلي (الذي توفره منتديات الإنترنت) إلا أنه ينتهي بالمتلقي في شرنقة يراها ذلك المنتدى الأكثر اتفاقا مع قناعاته".

واليوم يتحدث الناس عن هذا التقوقع والانتقائية باعتبارهما أمرا مسلما به، ويعزون إليهما التحزب المرير في الرأي العام، مستشهدين مثلا بأن نحو 78 في المئة ممن أعطوا أصواتهم لهيلاري كلينتون كانوا من المؤيدين لحركة "بلاك لايفز ماتر" (أو "حياة السود مهمة") مقارنة بما لا يتجاوز 31 في المئة من المصوتين لترامب.

لكن هل مبعث هذا التحزب هو اقتصار الرؤية والاطلاع على الإنترنت، أم أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك؟

لا شك أن ما نقرأه يشكل قناعاتنا السياسية - وإن كان لم يتضح بعد مدى تأثير الإعلانات الموجهة على سلوك الناخبين. ومع ذلك، تشير دراسات حديثة إلى أنه ربما هناك تهويل من أثر ذلك التقوقع والتعرض الانتقائي للإنترنت على توجه الأفراد.

فقد بحث سيث فلاكسمان وزملاؤه بجامعة أوكسفورد سجلات التصفح لـ 50 ألف مستخدم للإنترنت بالولايات المتحدة، وتوصلوا إلى أن المستخدمين كانوا أكثر مطالعة لمواقع مناقضة لقناعاتهم، بما خالف افتراض التقوقع والانتقائية، وتوصلوا أيضا إلى أن الأفراد يطالعون في المجمل وجبة إعلامية أكثر تنوعا.

ويقول فلاكسمان، الذي يعمل حاليا بجامعة إمبيريال كوليدج بلندن: "بدا الأمر مخالفا للمتوقع، فبينما يقتصر التصفح المباشر عادة على مصدرين يرتادهما الفرد - بي بي سي، وسي إن إن مثلا - تطالعك منتديات التواصل الاجتماعي بطبيعتها بمجموعة من المصادر الأكثر تنوعا".

ويشير فلاكسمان إلى أن دراسته استندت إلى بيانات من عام 2013، وينبه إلى أن التوجهات ربما تغيرت منذ ذلك الحين. غير أن دراسة أخرى أجراها مركز "بيو" للأبحاث حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، جاءت نتائجها متفقة والنتائج السابقة.

فقد أكد أغلب الأشخاص المستطلعة آراؤهم تنوع الآراء التي يطالعونها عبر التواصل الاجتماعي. كما جاءت نتائج دراسة ديبوا بجامعة أوتاوا متفقة أيضا مع ما خلصت إليه الدراستان.

وتوصلت ديبوا، من خلال استطلاع رأي ألفي بريطاني بالغ، إلى أن معظمهم يطالعون آراء تتجاوز مواقفهم السياسية، كما يبحثون عن مصادر إضافية ووجهات أكثر تنوعا لا تتفق بالضرورة وقناعاتهم المسبقة، ووجدت أن نسبة لا تتجاوز ثمانية في المئة يقصرون اطلاعهم الإعلامي على هيئة إخبارية أو هيئتين، ولا يطالعون آراء مغايرة ما يجعلهم عرضة للتقوقع.

وأشارت ديبوا إلى أن نسبة ثمانية في المئة - على قلتها - تظل نسبة غير مستحبة، لكنها أقل بكثير مما توقعه المعلقون. والخلاصة أن أغلب الناس على اطلاع بمواقف الآخرين فيما يتعلق بالقضايا الخلافية.

بل وثمة ما يدلل على أن المحاولات الرامية لمجابهة التقوقع والانتقائية بتوفير محتوى إخباري أكثر تنوعا قد تؤدي لنتائج عكسية، إذ تقود لترسيخ الاستقطاب السياسي.

وتدليلا على ذلك، درس فريق تزعمه كريستوفر بايل، من جامعة ديوك، المواقف السياسي لأكثر من 1600 مستخدم لتويتر قبل دفع مبلغ بسيط لهم لمتابعة تغريدات شخصيات بارزة على الجانب المخالف سياسيا.

وقَبِل نحو نصف المشاركين ذلك، لكن بدلا من أن تصبح مواقفهم أكثر اعتدالا فيما يتعلق بقضايا من قبيل حقوق المثليين، أصبحوا ببساطة أكثر ثقة بمواقفهم المبدئية (وكان ذاك أكثر وضوحا في حالة الجمهوريين، الذين تبنوا مواقف أكثر محافظة، بينما تمسك الديمقراطيون تقريبا بنفس مواقفهم السابقة).

وربما أمكن تفسير ذلك بأكثر من نظرية في علم النفس. إحدى تلك النظريات يطلق عليها "تحفيز التفكير"، إذ أشارت دراسات عديدة إلى أن تمسكنا بهوياتنا السياسية من القوة بحيث نحفز عقولنا لتفنيد أي أدلة مناقضة لوجهة نظرنا المبدئية، بحيث ينتهي الأمر بأن تصبح قناعاتنا أكثر رسوخا.

فقد توصل باحثون إلى أن مستخدمي الإنترنت الجمهوريين تبنوا لهجة أشد في التعبير عن رأيهم مع تعرضهم لمزيد من وجهات النظر الليبرالية.

ويقول بايل: "مع مرور الوقت، شهدنا تصاعدا في المشاعر السلبية المعبر عنها تجاه قادة الرأي الليبرالي، ما فسرناه بنظرية تحفز التفكير، إذ كان هناك تصاعد (في المشاعر السلبية) مع مواصلة التعرض للآراء المناقضة".

وثمة تفسير آخر يعتمد على ما اصطُلح على تسميته بـ "استماحة العذر للذات"، والمقصود به الاعتقاد اللاواعي بأن إظهار الانفتاح في موقف ما يعطينا العذر للتصلب في موقف لاحق.

فقد توصلت دراسة في عام 2008 مثلا إلى أن من بين الداعمين لباراك أوباما من أبدى لاحقا آراء قد تندرج في إطار العنصرية.

كذلك فإن مطالعة بضعة آراء مناهضة لقناعاتنا على فيسبوك أو تويتر قد تبرر لنا أمام أنفسنا التشبث بآرائنا المبدئية، وقد وجدت ذلك بنفسي بين بعض معارفي في أعقاب استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016.

ويشير بايل إلى أن التغريدات جاءت من شخصيات بارزة، وهو ربما ما نفّر المستخدم العادي لتويتر، "فالناس لا يحبون من يوصفون بالنخبة"، لذا يلزم إجراء دراسة تستخدم تغريدات لشخصيات أقل استفزازا، لنرى ما إذا كانت النتيجة ستكون هي نفسها.

كل هذا يشير إلى أن مشكلات الخطاب السياسي على الإنترنت لا يبدو أن مرجعها محدودية الاطلاع على الآراء المغايرة أو التقوقع ضمن آراء مماثلة والتخندق مع أصحاب نفس الرأي، بقدر تعلقها على الأغلب بكيفية تجاوبنا اللاواعي مع تلك الآراء، وهو ما يعبر عنه عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايت بالقول: "بأخذ أي قياس لنظرة مجموعة من البشر لمجموعة مخالفة، نجد أن النظرة زادت عدائية على نحو واسع".

ويبدو أن السرية التي يوفرها التواصل عبر الإنترنت تسهل من رفضنا لآراء الآخرين، ما يخلق بيئة نقاش أكثر حدة.

وتتفق ديبوا وهذا الرأي، وتقول: "جرى التهويل من تأثير التقوقع على منتديات التواصل الاجتماعي، والحقيقة أن الاستقطاب السياسي يرجع أيضا لأسباب أخرى".

كما لا تنفي أي من تلك الدراسات إمكانية التلاعب بمواقع التواصل الاجتماعي والتأثير الذي ربما خلفه ذلك على أحداث سياسية لاحقة. فقد أكدت دراسة حديثة نُشرت بمجلة "ساينس" انتشار الأنباء الكاذبة بسرعة تفوق كثيرا الأنباء من مصادر موثوقة.

وتقول ديبوا: "قد لا يكون أغلب الناس عرضة للتقوقع الإلكتروني. ومع ذلك يتم استهدافهم بإعلانات يحددها سلوكهم على الإنترنت، وربما تستهدفهم دعايات مضللة".

ورغم أنه لا يبدو أن هناك حلا سهلا للتحزب على الإنترنت، يأمل خبراء مثل ديبوا أن تساعد دورات التوعية بالإعلام التي تقدم بالمدارس والجامعات - والتي تحفز المهارات الأساسية للتفكير النقدي، ورصد سمات التحيز في الرأي - في جعلنا أكثر قدرة على تمحيص مصادر الأخبار.

وباقتراب شبكة الإنترنت من عيد ميلادها الثلاثين، مازال أمامنا الكثير للوقوف على أفضل السبل للإبحار وسط الأفكار العاصفة المنتشرة عليها.

http://www.bbc.com/arabic

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق