ملفات - شهر رمضان

وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ التَّاسِعةُ (٢٦)

{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ}.

مجموعةٌ مِن المعاييرِ حدَّدتها آيات القُرآن الكريم كأُسُسٍ للتَّفاضلِ ترسم معالِم مُجتمعٍ عادلٍ ومُتكاملٍ ومُتكافلٍ، وعكسها تقودهُ إِلى الفشل.

لعلَّ مِن أَهمِّها خمسةٌ وردَت في الآيات الخمْس التَّالية؛

- {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَآءِ وَهَٰؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}.

- {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

- {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}.

- {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}

- {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}.

١/ إِنَّ مصادر البِناء وأَدوات النُّهوض مُشاعة لا يجوزُ منحَ امتيازَها لجماعةٍ دونَ أُخرى بالتَّمييزِ على أَساسِ الخلفيَّة بكُلِّ أَشكالِها.

٢/ رِعايةُ واحترامُ أَشياء النَّاس وبضمنِها ما يتميَّزونَ بهِ من طاقاتٍ وخبراتٍ وكفاءاتٍ وقُدراتٍ تميِّزهُم بالإِكتسابِ وليسَ بالإِنتماءِ والهويَّة.

٣/ إِحترامُ فضل النَّاس بعضهُم على بعضٍ وعدَمِ الإِستهانةِ بأَيٍّ منهُ مهما كانَ صغيراً، فلِكُلِّ صاحبِ فضلٍ دورٌ في عمليَّةِ البناءِ بِدءاً بالأُسرةِ وانتهاءً بالسُّلطةِ مروراً بالخدَماتِ العامَّةِ، {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.

٤/ القانُون فوقَ الجميع لتتحقَّق العَدالة والمُساواة من خلالِ حاكميَّتهِ حصراً وليسَ من خلالِ حاكميَّة العِلاقات الشخصيَّة مثلاً أَو الحزبيَّة أَو من خلالِ مُعادلة القوَّة، فلقد كتبَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) لأَحدِ عُمَّالهِ {وَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَلَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا}.

٥/ أَن يحصلَ كُلَّ صاحبِ فضلٍ على ثمنِ جُهدهِ وبالقانُون فلا يُسرق من جهدهِ شيءٌ أَو يُنتقَصُ منهُ بطريقةٍ من الطُّرق المُلتَوية، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ- وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

فكما طمأَنت الآية الكريمة {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} كُلَّ صاحبَ عملٍ صالحٍ إِلى أَنَّهُ سوفَ لن يُظلم أَو يُهضم في الآخِرةِ كذلك يجب أَن تتحقَّق هذهِ المُعادلة في الدُّنيا.

فليسَ من العدلِ والإِنصافِ أَن نُساوي بينَ النَّاجح والفاشِل وبينَ النَّزيه والفاسد وبينَ المُبادر والكَل، فلقد كتبَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في عهدهِ المعرُوف للأَشترِ لمَّا ولَّاهُ مِصر {وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ}.

وإِنَّ من أَقبحِ أَنواع المُفاضلة عندَ الحاكِمِ تحديداً هو اعتمادهُ على الخلفيَّة والعِلاقات الشخصيَّة فيسرُق من فضلِ هذا ليُضيفهُ إِلى حسابِ ذاكَ لمجرَّد أَنَّ الأَوَّل غَير مدعُوم والثَّاني مُوصى بهِ!.

يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَلَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً}.

هذهِ لعلَّها من أَهم المعايير التي لا تجدَها إِلَّا في المُجتمع العادِل بنسبةٍ من النِّسَب ولا أَقولُ المُجتمع العادِل بالمُطلق، وهي الصُّورة التي لا تلمِس لها أَثرٌ يُذكر في مجتمعِنا بسببِ الفسادِ المالي والإِداري وغلبَة المِزاج والعِلاقات الشخصيَّة على القانُونِ.

وإِنَّ ما يُؤسفُ لهُ جدّاً، والذي يُشكِّلُ خطراً على مُستقبلِ المُجتمعِ، هو أَنَّ النَّشء الجديد يُعاني أَشدَّ المُعاناة من غيابِ هذهِ المعاييرِ وتجاوُزها وسحقِها من قبلِ عِصابةٍ أَو عصاباتٍ تتحكَّم بمُقدِّرات البِلاد.

فالشَّباب يُعانونَ مِن انعدامِ الفُرص وعلى مُختلفِ المُستوياتِ وخاصَّةً التَّعليم والعَمل وتشكيلِ حياتهِم الإِجتماعيَّة الخاصَّة.

كما يُعانُونَ من تجاهُلِ المُجتمعِ والدَّولةِ لقُدراتهِم الخلَّاقةِ وكفاءاتهِم وما يتميَّزُونَ بهِ من القُدرةِ على الإِبداعِ.

إِنَّهم يُعانُونَ من غَيابِ فُرص التَّعبير عن ذاتهِم لتحقيقِ ذاتهِم، لأَنَّ أَبوابَ الفُرص مُفتَّحة على أَساس العلاقاتِ الشخصيَّة وليسَ على أَساسِ القدرةِ على استيعابِها وتوظيفِها، ولذلكَ ترى، مَثلاً شابّاً غبيّاً لا يمتلِك شيئاً من القُدُرات والرَّصيد الشَّخصي يمتلِك كُلَّ أَدَوات البِناء الذَّاتي والنُّهوض لمُجرَّد أَنَّهُ إِبنُ فُلان فيما ترى شابٌّ آخر يتميَّز بعقليَّةٍ خارِقةٍ وطريقةِ تفكيرٍ خلَّاقةٍ لا يمتلكُ شيئاً من الأَدَوات والفُرص لأَنَّهُ [غَير مدعُوم].

هذهِ الحالات تُشكِّل إِنتهاكاً لسيادةِ البِلاد وحُرمة المُجتمع لما تُسبِّبهُ من إِهدارٍ للطَّاقاتِ والفُرص والأَدواتِ التي تذهَب أَدراج الرِّياح ويتمُّ تضييعَها لأَنَّها لا تذهب إِلى مَن يستحقَّها فيهدرَها ويضيِّعها [الأَغبياء].

ومِن صُور الظُّلم كذلكَ مُساواة ثمن الجُهد المبذُول الأَمر الذي يُضيِّع فُرص النُّهوض بتدميرِ نفسيَّة النَّشء الجديد الذي لا يلمِس أَيَّ نوعٍ من العدالةِ في توزيعِ الثَّمن المفرُوضِ بإِزاءِ كُلِّ جُهدٍ مبذُولٍ مِن أَيٍّ كانَ.

اضف تعليق