ملفات - شهر رمضان

الخلافات: لماذا تدمر المجتمعات والجماعات؟

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّامِنَةُ (18-22)

{وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّلِمِينَ}.

الخلافاتُ التي لها أَوَّل وليس لها آخِر تُشكِّل أَحد أَخطر أَسباب الفشل سواءً على صعيدِ الفرد أَو على صعيدِ الجماعة، وهي عائقٌ أَمام النَّجاح والتقدُّم والإِنجاز.

كُلُّ الجماعات في العالَم تعيشُ الخِلافات، إِلَّا أَنَّ الفرق بينها هو؛ أَنَّ الجماعات النَّاجحة تديرُ خلافاتها بمعاييرَ منطقيَّة واضحة فلا تدعها تنفجِر، وإِذا انفجرت فعندها سدودٌ للسَّيطرةِ على آثارِها.

أَمَّا الجماعات الفاشِلة؛ فقد صوَّرتُ حالها!.

إِنَّ الجماعة التي لا تعرف كيفَ تُدير خلافاتها ومشاكلها تظلِم نفسها لأَنَّها تُضعف جبهتَها وتُشتِّت قوَّتها وتُمزِّق صفوفها بيدِها {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ}.

فكُلُّ خلافٍ عندنا يتطوَّر إِلى انشقاقٍ وفِراقٍ وطلاقٍ.

يحصل هذا في الأُسرة والمُؤَسَّسة والحُسينيَّة والمرجعيَّة والمَوكب والحزب والسُّلطة وعلى كُلِّ المُستويات، على الرَّغم من كُلِّ التَّجارب التي نمتلكها لكنَّنا مازِلنا نجهل حلَّ مشاكلِنا!.

فالمشاكلُ عندنا مُزمنةً!.

ومِن أَسبابِ ذلك أَنَّنا نتهرَّب من البحث في حلولِها فكثيراً ما نُرحِّلها إِلى إًشعارٍ آخر ظنّاً مِنَّا بأَنَّ الزَّمن كفيلٌ بحلِّها.

هذا صحيحٌ فيما يخصُّ نسبةً ضئيلةً جدّاً من المشاكل، أَمَّا الأَعمَّ الأَغلب فإِنَّ ترحيلها يُعقِّدها ويُضخِّمها أَكثر فأَكثر ككُرةِ الثَّلج المُتدحرِجة من علٍّ.

ولا ننسى فإِنَّ الخُوض في الخِلافات لحلِّها بحاجةٍ إِلى شجاعةٍ وإِلى تضحيةٍ في آنٍ واحدٍ لا يتمتَّع بهما كثيرُون.

يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ}.

لذلكَ ترانا عادةً ما نُورِّث مشاكلنا للأَجيال، خاصَّةً على مُستوى [الأُسر العلميَّة] و[العشائر] فالأَجيالُ تتوارث الخِلافات حتَّى أَنتجت حِقداً وكراهيَّةً وبغضاءً {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} إِنعكست على المُجتمع كلَّهُ! وبالتَّالي على الدَّولة والعمليَّة السياسيَّة برُمَّتِها!.

والمشكلةُ ليست في ذاتِ الخِلاف والإِختلاف فهوَ من سُنن الحياة وهو صبغة الله وفطرتهُ التي فطرَ النَّاسَ عليها {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ} كما في قولهِ تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}.

بل أَنَّ من فلسفةِ بعثةِ الرُّسلِ والأَنبياءِ حلُّ الخِلافاتِ بينَ النَّاسِ {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

والاختلافُ في كلِّ شيءٍ من آيات الله تعالى ودليلُ عظمتهِ وقُدرتهِ ورحمتهِ في نفسِ الوقت {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}.

يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ}.

ويقُولُ (ع) {وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَاخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَكَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَتَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَالْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ}.

حتَّى أَصحابَ رسولِ الله (ص) وبحضورهِ بين ظهرانيهِم كانُوا يختلفُونَ {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

وقولهُ تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

ففي الآيةِ تصريحٌ بالمُشاجرات والخلافات التي تحصل بينَ أَصحابِ الرَّسول (ص) وفي نفسِ الوقت فيها حلٌّ لذلك، وهو الأَهم، والذي تُشيرُ إِليهِ الآية الكريمة {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} وقولهُ تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

أَسباب الخِلافات المُزمنةِ

{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.

إِنَّ الإِختلاف بلاءٌ ليميزَ به الله تعالى الخَيرَ من الشَّر، والنَّاجح من الفاشل، والمُحسن عن غيرهِ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ}.

فبالإِختلافِ يتَّضح كُلَّ هذا، ليس على مُستوى الأُمَّة فحسب وإِنَّما حتَّى على مُستوى الأُسرة، فبهِ يكتشفُ الوالدان قُدُرات الأَبناء وخصُوصيَّاتهِم وامتيازاتهِم، ليعدِلوا فيما بينهِم.

جَوهر المُشكلةُ إِذن لا تكمنُ في الإِختلاف بحدِّ ذاتهِ وإِنَّما في الإِختلاف الذي ليسَ لهُ حلًّا فيتحوَّل إِلى نِزاعٍ يُقطِّع أَوصال الجماعة، فإِذا كان الإِختلافُ سبباً من أَسباب التطوُّر والتقدُّم والتكامُل فإِنَّهُ إِذا تحوَّل إِلى نزاعٍ فسيكونُ سبباً مُباشراً للضَّعف وضَياع الإِرادة {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ}.

يقولُ تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} وقولهُ {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

وهذهِ الآيةُ تحديداً تُشيرُ إِلى أَحدِ أَهمِّ أَسباب فشل الجماعة في إِدارةِ خلافاتِها أَلا وهوَ التزمُّت واعتزازِ كُلِّ مجموعةٍ بموقفِها رافضةً أَن تتزحزحَ عنهُ للصَّالح العام إِذا شعرت بضعفِ موقفِها أَو لمست حكمةً أَو رشَداً في رأي وموقفِ المجموعَةِ الثَّانية.

فلَو أَنَّ كُلَّ الأَطراف تتَّفق على مبدأ إِحتماليَّة الصَّح والخطأ في كُلِّ الآراء والأَفكار والمواقف المطروحة من دونِ تزمُّت برأيٍ أَو مُصادرةٍ لآخر لتوصَّلت إِلى حلُولٍ معقُولةٍ قبلَ أَن يتحوَّل الإِختلاف إِلى نزاعٍ.

يقول تعالى {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.

وهذا يحتاجُ إِلى إِرادةٍ {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}.

ولا عِلاقةَ للخلفيَّة في تحقيقِ هذا التَّوازن، ولذلك نُلاحظ أَنَّ أَمراض النِّزاعات والإِنشقاقاتِ تُصيبُ الأَحزاب [الدينيَّة] و [العلمانيَّة] و [اليساريَّة] و [اليمينيَّة] على حدِّ سواء! حتى تحكَّمت فيها الظَّاهرة [الأَميبيَّة] أَو [المُتتالية الهندسيَّة].

والسَّببُ الثَّاني هو الإِستعجال في الحُكم على الآراء والأَفكار والمواقف {حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَٰتِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

فلو نتأَنَّى بدراسةِ الموقف لاستوعبناهُ بشكلٍ أَفضل وبالتَّالي لحصلَ الفَهم والتَّفاهُم بشكلٍ يُقرِّب الجماعة من الإِنسجام.

إِنَّ الصَّبر على الرَّأي والرَّأي الآخر، وإِنَّ الصَّبرَ لسماعِ جوابِ [المُتَّهم] قبلَ الحُكمِ على فعلهِ أَو رأيهِ من أَدوات حلِّ الخِلافات للتوصُّلِ إِلى حلُولٍ معقولةٍ ومنطقيَّةٍ تخلقُ الإِنسجام في الجماعة، ولذلكَ أَردفت آية النِّزاع الصَّبر كأَداةٍ أَساسيَّةٍ من أَدوات تجنُّب النِّزاع {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

ولعلَّ في قِصَّة نبيَّ الله موسى وأَخيهِ هارُون درساً بليغاً بهذا الصَّدد.

تقُولُ القصَّة {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي* قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}.

كذلكَ فإِنَّ في قصَّة [أَصحاب الحُجُرات] درسٌ مُشابهٌ {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

فبالصَّبرِ تجدُ الجماعة حلولاً لحلِّ خلافاتِها إِذا استحضرت الإِرادة.

السَّببُ الثَّالث هو تصدِّي غَير المُستحق لموقعٍ لا يفهمُ فيهِ فتراهُ بهذهِ الحالةِ حريصٌ على قمعِ النَّقد والرَّأي الآخر خوفَ الفضيحة وبالتَّالي الإِزاحة عن الموقعِ الذي امتطاهُ بالصِّدفةِ أَو بالمُحاصصةِ أَو بالتَّآمر أَو بالمال [الرَّشوة].

أَمَّا المرءُ المُخلص الحريص على الصَّالح العام وعلى مصالحِ وأَماناتِ النَّاس فيعرفُ قُدراتهِ فلا يورِّط نفسهُ بموقعٍ ليسَ لهُ أَهلاً {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ}.

وأَكثر من هذا فهوَ يُحرِّضُ على استيزارِ واستئجارِ الكفُوء إِذا لمسَ فيهِ خصال الكفاءة والنَّزاهة {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.

إِنَّ أَحد أَهم أَسباب الخِلافات المُزمنةِ التي لا تجد لها الجماعةُ حلًّا هي تصدِّي غَير الكفُوء وإِزاحة الكفُوء، فذلكَ يُكرِّس الفشل ويُضيِّع فُرص النَّجاح، وبينما يرفضُ الفاشل الإِعترافَ بعجزهِ يُصِرُّ الآخرُون على أَنَّ تصدِّيه هو سبب الفَشل، وهكذا تتطوَّر المُواجهة لتتحوَّل عادةً إِلى نزاعٍ!.

المؤامرة والطغيان

{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

السَّبب الرَّابع للخلافاتِ التي ليسَ لها حلولاً، هي ظاهرة تآمر بعض الفُرقاء ضدَّ البعضِ الآخر في الجماعةِ الواحِدة، وهو الأَمر الذي يُدمِّر الثِّقة بينهُم ويزيدُ من حالاتِ الظَّن والتَّشكيك ما يحولُ بينهُم وبينَ الإِتِّفاق على حلُولٍ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

وفي هذهِ الحالةِ تتحوَّل المجموعةِ إِلى [أُذن] يسمعُ بعضهُم الدَّعايات والتُّهم ضدَّ البعضِ الآخر من دونِ تثبُّت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.

فيستحكم سوء الظَّن في الجماعةِ ويذهبُ حُسنَ الظَّنِّ الذي يصفهُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في عهدهِ للأَشتر {إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا} في مهبِّ الرِّيح.

ويشيعُ الظَّن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}.

إِنتبِهُوا إِلى أَنَّ المُخاطب في الآيتَينِ هُم [المُؤمنُون]!.

وقتها ينقلبُ الإِيثار {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إِلى استئثار {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ۚ أُوْلَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} والتَّمكينُ كما يصفهُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) [تُصادفُ اللَّيلة ذكرى استشهادهِ في محرابِ الصَّلاة في مسجدِ الكوفة عندَ صلاةِ الفجرِ على يدِ عدوِّ الله المُجرم عبد الرَّحمن بن مُلجم عام (٤٠) للهجرةِ] {وَأَيُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَرَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلًا فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ} إِلى تربُّص {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ}.

هذهِ الحالات إِذا مرَّ عليها الوقت فستتحوَّل إِلى سببٍ لعدمِ تحمُّلِ أَحدٍ لمسؤُوليَّاتهِ إِذا ما وقعَ السَّيفُ بينَ صفُوفِ الجماعةِ الواحدة، تحتَ شِعار [إِمساك العصا من الوسط] وهي النظريَّة السَّخيفة التي ما أَنزل الله تعالى بها من سُلطانٍ ورفضها القُرآن الكريم، لأَنَّ الموقِف مسؤُوليَّة والمسؤُوليَّة يُحاسبُ عليها المرءُ فهي لها آثارٌ وضعيَّة في الدُّنيا ويومَ القيامةِ {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ}.

في هذهِ الآية لا معنىً لنظريَّة [إِمساكُ العصا من الوسط] يقُولُ تعالى {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

لا معنىً لموقفِ المُتفرِّج، وإِذا كانت الأُمور مُلتبسةً عليكَ فواجبُكَ أَن تستَوضحَها في أَسرعِ وقتٍ أَو أَنَّك مُسرِفٌ!.

مخبُولٌ مَن يتصوَّر أَنَّ بإِمكانهِ أَن يفلِتَ منها {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقولهُ تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} وقولهُ {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

السَّببُ الخامس؛ هو طُغيان البعض في الجماعةِ بمُجرَّد أَن يُحقِّقَ بعض النَّجاحات فيسعى لفرضِ إِراداتهِ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكال والتي تتحوَّل شيئاً فشيئاً إِلى نَوباتٍ [ثوريَّةٍ] وهزَّات وبراكين تنتهي إِلى تمزقِ صفُوف الجماعة.

يقُولُ تعالى {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.

وهذا سببهُ ضَعف الإِيمان بالعملِ الجمعي والنُّزوع إِلى التنمُّر والتسلُّط والأَنانيَّة المُفرطَة.

حلُّهُ في القانُون الذي يلزم أَن يَكُونَ حاكِماً في علاقاتِ الجماعةِ وفي طريقةِ ترتيبِ مواقعِ المسؤُوليَّات.

قالَ تعالى {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} و {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}.

إِنَّ أَي تجاوُز للحدودِ والقوانين المُنظِّمةِ للعلاقاتِ يُعدُّ ظلماً {ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فقدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.

والجماعةُ الفَوضويَّة التي لا يُنظِّم القانُون علاقاتها والتزاماتها وطريقة حساب النَّجاح والفشل لهِيَ جماعةٌ تُبطن عوامل التَّدمير الذَّاتي ولَو بعدَ حينٍ.

كما أَنَّ اعتماد [الإِنصاف] و [العقلانيَّة] و [العلميَّة] في التَّعامُل مع القانُون يُساهم في التَّوصُّل إِلى حلُولٍ {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}.

الإِنجاز كميزانِ عدلٍ

{وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

والعكسُ من هذا المفهوم القرآني الرَّاقي يكونُ سبباً من أَخطرِ أَسبابِ الخلافاتِ التي لا يوجدُ لها حلّاً والتي تُنتِجُ الفشل في الجماعةِ، بما فيها [الأُسرة] التي هي نواة المُجتمع.

فعندما تكونُ معايير مثل الرَّشوة والمحسوبيَّة والواسِطة والولاء للزَّعيم والعِلاقات العامَّة والصَّداقات والعشائريَّة والحزبيَّة الضيِّقة والمناطقيَّة والمُحاصصة وغيرِها من معايير الفساد المالي والإِداري، هي الحاكِمة في الجَماعة سواء كانت للتَّقييم أَو للتصدِّي للمسؤُوليَّة أَو ما إِلى ذلك، فإِنَّها تظل تُثير الخِلافات وتُشعل الحرائق داخل الجَماعة من دونِ أَن يتمكَّن أَحدٌ من إِيجادِ أَيِّ حلٍّ معقُولٍ للخلافاتِ والمشاكل.

والنَّتيجةُ هي الفشل الحتمي.

إِنَّ مبنى العُقلاء هو أَن يكونَ [الإِنجاز] فقط هو مِعيار الجزاء في التَّقييم والتصدِّي، وليسَ أَيِّ شيءٍ آخر، وهو المعيار الذي يأخذ بنظرِ الإِعتبار النَّزاهة والخِبرة والتَّجربة والكفاءة والقُدرة على تحمُّل المسؤُوليَّة والإِستعداد للتَّضحيةِ من أَجلِ النَّجاح والشَّجاعة في قَبولِ ومُواجهةِ التحدِّيات بالإِضافة إِلى القُدرة الذهنيَّة والعلميَّة على التَّنافس الشَّريف والحقيقي مع الآخرين لشغلِ وتحمُّلِ مسؤُوليَّةِ موقعٍ ما {خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.

ولقد لخَّص أَميرُ المُؤمنينَ (ع) هذا المِعيار الحقيقي للتَّنافس بقولهِ {قِيمةُ كُلُّ امرِئٍ ما يُحسِنُ}.

حتَّى السُّلطة والإِمرة فإِنَّ مِعيار نجاح المسؤُول فيها أَو فشلهِ هوَ الإِنجاز {وَايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ} وليسَ أَيِّ شيءٍ آخر.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ؛ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي؛ مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟! فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ (ع) {وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا}.

فليسَ لمعاييرِ الجاهليَّة مثل العصبيَّة والولاءات الشخصيَّة أَو حتَّى طريقة الوصُول إِلى السُّلطة معنىً عند تقييم نجاح أَو فشل المسؤُول، مهما كانت مقدِّماتها مُهمَّة فالأَهم من كلِّ ذلكَ هو الإِنجاز وما يترتَّب على عمليَّة الوصُول للسُّلطةِ وما يقدِّمهُ المسؤُول وهوَ يتربَّع على سدَّتِها.

نحنُ عندما نقرأ آيات القُرآن الكريم نُلاحظ أَنَّ الله تعالى حصرَ مِعيار الحِساب في الدُّنيا والآخِرة بالعمل، مثل قولهِ تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} و {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ} و {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} و {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} و {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} و {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وغيرِها من الآيات القُرآنيَّة الكريمة.

فمِن علامات نجاح الجماعة إِحترام معيار القُدرة على الإِنجاز كميزانِ عدلٍ للتَّقييم {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }ۖ أَمَّا معيارهُ في الجماعةِ الفاشلةِ كثيرة الخلافات والمشاكل فأَيِّ شيءٍ آخر باستثناءِ هذا المِعيار.

يوصي أَميرُ المُؤمنينَ (ع) مالكاً الأَشتر عندما ولَّاهُ مصر في عهدهِ المعرُوف {وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ}.

يوصيهِ أَن يأخُذَ بمعيارِ [الإِنجاز] عند تقييم الأَفراد، ويُضيف {وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَلَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ وَلَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَلَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً}.

ولتوكيدِ هذا المعيار يوصيهِ (ع) بقوله {فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً}.

احتكار الحق المُطلق والخلافات المُستدامة

{قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ* قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ}.

الحرقُ مُقابل المنطق!.

إِذا تحكَّمت هذهِ المُعادلة في علاقاتِ الجماعة فلا تنتظر أَن يجدُوا حلّاً لأَيِّ خلافٍ أَو مُشكلة.

وإِنَّ احتكار الحق المُطلق واحد من أَخطر أَسباب تحكُّم هذهِ المُعادلة والتي تُنتج الخلافات المُستدامة لا محالة، فعندما تتصوَّر كُلَّ جماعةٍ أَنَّها تمتلك الحقَّ دونَ الآخرين، أَو عندما يتصوَّر تيَّارٌ أَو حتَّى فردٌ واحدٌ ذا سُلطة أَنَّهُ على حقٍّ فيما يقولُ ويعتقد ويعمل ويُشرِّع ويقترح دونَ أَيِّ أَحدٍ آخر سواء كانَ فرداً أَو تيَّاراً، وعندما يقولُ كُلُّ واحدٍ من أَعضاءِ الجماعة أَو كُلَّ تيَّارٍ من التيَّارات {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} عندها تبرز الخِلافات التي ليس لها حلٌّ أَبداً، لأَنَّ الحلَّ شراكةٌ وهو يستندُ في مثلِ هذهِ الحالات عادةً إِلى قاعدتَينِ أَساسيَّتَينِ لا غِنى عنهُما؛

القاعدةُ الأُولى؛ هي إِحترام التعدديَّة والتنوُّع وعلى مُختلفِ الأَصعدة، بِدءاً من التنوُّع الدِّيني وانتهاءً بالتنوُّع الفكري والسِّياسي مرُوراً بالتنوُّع العرقي الذي يُحدِّد عادةً مصالح كلَّ جماعةٍ.

القاعدةُ الثَّانية؛ هي الإِتِّفاق على إِطارٍ عام واحدٌ أَشمل وأَوسع من كلِّ العناوين التي يستوعبها التنوُّع والتعدُّد.

وفي حالةِ الدَّولة مُتعدِّدة ومُتنوِّعة المكوِّنات يشخص الإِطار الوطني [الإِنتماء الوطني] كإِطارٍ عامٍّ شاملٍ وواسعٍ يُمكنُ أَن يستوعبَ كُلَّ التنوُّع والتعدُّد، وما دونَ ذلكَ يظلُّ إِطاراً أَضيقُ وبالتَّالي أَعجزُ من أَن يستوعبَ التنوُّع والتعدُّد.

ولتوضيحِ الفكرةِ أَكثر يُمكنُ أَن نضرِبَ موضوع العِلاقة بينَ [الدِّيني] و [اللِّيبرالي] أَو الذي يُسمُّونهُ بـ [العِلماني] مثلاً على ذلكَ.

ففي كلِّ مرَّةٍ يكون أَحد التيَّارَين مبسوط اليد أَو على الأَقل يتمَّدد نفوذهُ في السُّلطةِ والحُكم تراهُ يعمد أَوَّلاً وقبلَ كُلِّ شيءٍ إِلى إِضعافِ الآخر أَو إِلغائهِ إذا استطاعَ إِلى ذلكَ سبيلاً!.

لا يُفكِّرُ في توظيفِ المُشتركاتِ، وهي لا تُعدُّ ولا تُحصى في إِطارِ الإِنتماءِ الوطني، لتحقيقِ الشَّراكةِ والتَّكامُل، أَبداً، فالمُصطلح الوحيد الشَّاخص في ذهنهِ هو؛ التقاطُع!.

ولقد ظلَّت هذهِ العِلاقة المأزُومة بين التيَّارَين لعقُودٍ طويلةٍ من دونِ أَن يجدَ لها أَحدٌ حلّاً على الرَّغمِ من الجهُودِ الكبيرةِ التي بُذلت بهذا الخصُوصِ، لأَنَّ أَدوات الحلِّ المُمكن غَير مَوجودة، أَلا وهيَ؛ الإِعتراف بالتنوُّع والتعدُّد والإِحتكامِ إِلى الإِطارِ الوطني العام.

ولذلكَ فأَنا أَتصوَّر أَنَّ كِلا التيَّارَين [الدِّيني والعِلماني] غَير وطنيَّين بالمعنى الدَّقيق للمُصطلح، فلو أَنَّهما لجَآ إِلى الإِنتماء الوطني لاستوعبهُما وبالتَّالي لوجَدا فيهِ إِمكانيَّة التَّلاقي والتَّعايش والتَّعاون في إِطارِ مبدأ التنوُّع والتعدُّد.

أَمَّا تصوُّر [الدِّيني] أَنَّهُ قادرٌ على إِلغاء [العِلماني] بالفتوى مثلاً أَو بالعُنف والتَّشكيك والطَّعن والدِّعايات وما إِلى ذلكَ من وسائلِ وأَساليبِ التَّسقيطِ غَير الأَخلاقيَّة، فإِنَّهُ سيصرف وقتهُ وجهدهُ على [الفاضي] من دونِ أَن يُحقِّق مُرادهُ!.

والعكسُ هو الصَّحيح فإِذا ظلَّ [العِلماني] ينشر الدِّعايات المُغرضة ويطعن بطبيعةِ [الدِّيني] ويُحاول إِلغائهِ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكال، فهو الآخر سيُضيِّع جهودهُ بِلا نتيجةٍ!.

ولو عُدنا إِلى حقيقةِ الأُمور فسنجد أَنَّ كِلا التيَّارَين أَسماء على غيرِ مُسمَّيات {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} فلا [الدِّيني] هوَ ديني بالمعنى الحقيقي والواقعي، فكيفَ يكونُ دينيّاً وقد تورَّط بالفسادِ وأَوغلَ بالدَّم والعِرض إِلى المرافقِ؟!.

ولا [العِلماني] علمانيّاً فكيفَ يكونُ كذلكَ وقد تورَّط بحربٍ شَعواء ضدَّ [الدِّين] دامت عقُوداً لحدِّ الآن في الوقتِ الذي تعتمد [العِلمانيَّة] على الحَياديَّة في المَوقفِ من الدِّين؟!.

يبدو من ذلكَ، وغيرِها الكثير من الأَدلَّة والإِثباتات والشَّواهد والظَّواهر اليوميَّة أَنَّ صِراع [الدِّيني] و [العِلماني] لا يعتمد الفكر ليُمكننا مُناقشتهِ بهدوء ورويَّة وإِنَّما يقومُ على نظريَّة الصِّراع على النُّفوذ سواءً على الصَّعيد المُجتمعي أَو على صعيد السُّلطة! وهو لا يختلفُ بذلكَ عن صراعِ [الدِّيني- الدِّيني] و [العِلماني-العِلماني] ولذلكَ يتواصل الصِّراع بينهُما مُنهكاً بلادنا إِلى ما شاءَ الله من الوقتِ مازالَ الكُلُّ لا يرغب في الإِعتراف والإِعتماد على القاعدتَينِ الآنفتَينِ.

اضف تعليق