روى الشيخ ابو جعفر محمد بن علي بن بابويه الصدوق ت 326 هـ في كتابة (من لا يحضره الفقيه) عدداً من الروايات عن الامامين ابي جعفر محمد بن علي الباقر وابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) تكشف عن استعدادات رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في استقبال شهر رمضان، ونجد في هذه الروايات ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان يقوم خطيباً في المسلمين كلما حضر شهر رمضان وفي الايام الاخيرة من شهر شعبان فقد روي عنهما (عليهم السلام) أنه خطب في آخر جمعة من شهر شعبان وفي رواية أخرى في عام اخر من ثلاث بقين من شعبان.

وفي هذه الروايات كان يعبر عن قدوم شهر رمضان بعبارة (لما حضر شهر رمضان) وتدل هذه العبارة وورودها في الرواية على الاهتمام المكثف والروحي الفائق عند المؤمنين بقدوم او حضور هذا الشهر المبارك الكريم، هذا والقوم بانتظاره في ايام شعبان الاخيرة.

ولعلنا نحدد ذلك الانتظار والاستعدادات في استقباله على ضوء هذه الروايات في الايام السبع الاخيرة من شهر شعبان، ويصنع المؤمنون ذلك ولازالوا الى يومنا هذا تأثراً واقتداء بسيرة النبي الاعظم والرسول الاكرم ابي القاسم محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وتنقل عنه روايات (من لا يحضره الفقيه) دأبه واستمراره على استقبال القبلة بوجهه كلما نظر الى هلال شهر رمضان وهو يقول (اللهم أهله علينا بالامن والايمان والسلام والاسلام..) الى آخر دعائه صلوات عليه وآله، ثم يقبل بوجهه الكريم الى الناس مذكراً لهم بحلول هذا الشهر وأن الشياطين قد غلت فيه وان ابواب السماء قد فتحت فيه وقوله في الرواية (كلما نظر الى هلال شهر رمضان) نستشف منه أنه كان يصنع ذلك في كل عام في حضور شهر رمضان فهو سنة من سننه، وقراءة هذا الدعاء واحدة من سننه في مفتتح هذا الشهر الشريف الذي اختص بمفتتحات خاصة به من بين الشهور، فهو شهر الله كما جاء في بعض الروايات عن ائمة الهدى وعند بعض اهل اللغة كما اشار الى ذلك ابن منظور في لسان العرب ويحمل اسم اول دعاء من لياليه المباركة (دعاء الافتتاح) رمزية كل هذه المفتتحات.

وفي تعظيم شهر رمضان كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يطلق عليه اسم شهر الصبر واسم شهر المواساة ويقسم احواله وأوصافه في خطبته (صلى الله عليه واله وسلم) الى ان (اوله رحمة واوسطه مغفرة واخره اجابة وعتق من النار) في رواية الصدوق عن الباقرين (عليهما السلام). وقال فيه ايضاً صلوات الله عليه وآله (قد حضركم – شهر- هو سيد الشهور)، مذكراً ان سر شرفه وعظيم أمره ان فيه ليلة القدر التي هي خير من الف شهر وسر الخير فيها انها الليلة التي نزل فيها القرآن سواء جملة في روايات من اللوح المحفوظ الى السماء الرابعة او الى البيت المعمور الذي محله في هذه السماء او نزوله فرداً منجماً او نجوماً من اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا الى متلقيه الاعظم النبي الامي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) او من البيت المعمور الى البيت الحرام حيث بانتظاره القلب الاقدس قلب المتلقي الاعظم وعلى غير موعد من جانبه وان كان على وعد من ربه تعالى الذي افتتحه باسم او صفة (الرحمن الرحيم) حيث مفتتح هذا التنزيل العظيم هو (بسم الله الرحمن الرحيم) ولذا كان الشهر الذي تنزل فيه مفتتحه او اوله الرحمة واوسطه المغفرة وهي الرحمة واخره الاجابة وهي الرحمة القصوى وهو مضمون ما أنبأنا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في حديثه الذي مربنا.

وقد وصفت ليلة القدر في روايات الائمة الاطهار بأنها قلب شهر رمضان، وبعد واقعتها في اول مفتتح عصر الوحي، وفي كل رمضان لاحق بعدها يستعيد الزمن الدنيوي ذكرى اتصاله بالزمن الأخروي في نزول القرآن من الله تعالى الذي نزل به جبرائيل، الوحي، القوي، الامين، وهنا يتصل الدنيوي بالأخروي اتصالا مباشرا ومؤثرا في هذا الاتصال فتغلق النار ابوابها بعد ان تغل الشياطين، وفي رواية مردة الشياطين وهم كبراؤهم وتفتح ابواب الجنة بعد ان تفتح ابواب السماء في الرواية عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) عن خطبة لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ويظهر من الرواية ان ادراكها هي النيل الاكبر وخلاصة جوائز الرب عز وجل.

فقد روى الصدوق عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) ان رسول الله (ص) اجتمع عليه الناس بعد منصرفه من عرفات الى مِنى ودخوله المسجد وسألوه عن ليلة القدر، ويبدو من الرواية انه لم يحدد لهم وقتاً فيها وانما اخبرهم بأن (من ورد عليه شهر رمضان وهو صحيح سوي فصام نهاره وقام ورداً من ليله وواظب على صلاته وهجر الى جمعته – بمعنى ذهب الى صلاه الجمعة – وغدا الى عيده فقد ادرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب عز وجل).

واستدل على خصوصية هذه الجائزة فيما يتعلق بليلة القدر من شهر رمضان دون بقية جوائز هذا الشهر الكريم لانها ذكرت عن النبي محمد(ص) في معرض حديثه عن ليلة القدر ثم نستدل على خصوصيتها بوصف النبي محمد(ص) لها بأنها جائزة الرب عز وجل، بينما ذكرت بقية الجوائز لهذا الشهر الكريم اجمالاً في رواية اخرى عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) وهو يعقب على حديث رسول الله (ص) الذي يبدأ به في اول شهر رمضان وهو مستقبل القبلة فيقول عليه السلام: (حتى اذا طلع هلال شوال نودي المؤمنون أن اغدوا الى جوائزكم فهو يوم الجائزة) معقباً(ع) عليها بأنها ماهي بجائزة الدنانير والدراهم.

ونستظهر هذا الاهتمام المكثف في سيرة آل محمد (صلى الله عليه واله وسلم) بهذا الشهر العظيم وبالصيام فيه وقدر ليلة القدر فيه التي هي سر عظمته وكرامته، وفي رواية إمامية فان الله تعالى قد منحها لآل محمد وفضلها على الف شهر كما في سورة القدر، والاشهر الالف هي سني حكم بني أمية كما تذهب الى ذلك هذه الرواية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0