تزامنا مع حلول شهر رمضان المبارك عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حلقة نقاشية تناول من خلالها موضوعا تحت عنوان (دور البناء الأخلاقي في الإصلاح والتغيير.. شهر رمضان نموذجاً) بحضور عدد من مدراء المراكز البحثية وشخصيات أكاديمية وثقافية وإعلامية، وذلك في تمام الساعة العاشرة صباح يوم السبت الموافق 4/5/ 2019 بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام في كربلاء المقدسة.

 أدار الحوار محمد الصافي الباحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، قال:

اختلف الفلاسفة والمفكرون في فهم ومعرفة "الطبيعة البشرية" او "الفطرة" او "الاخلاق" الدالة على الانسان والمميزة له عن سائر المخلوقات، وهو خلاف اشبه بالصراع الأسطوري بين الخير والشر على مر التاريخ، لكنهم اتفقوا على قدرة الطبيعة البشرية في الاصلاح واحداث الفارق في التغيير إذا توفرت الظروف المناسبة لها.

فقد كان الفلاسفة القدماء في الصين مثل كونفوشيوس ومونشيوس يعتقدان ان البشر طيب بالفطرة (وهي نظرة قريبة مما اشارت اليه الأديان السماوية حول الفطرة السليمة للإنسان او الطبيعة البشرية)، وذهب معهم الكثير من فلاسفة عصر التنوير منهم الفيلسوف الشهير جان جاك روسو الذي أكد ان "المبدأ الأساسي في جميع الاخلاق، وهو المبدأ الذي فكرت به في جميع كتاباتي والذي طورته بكل وضوح هو ان الانسان كائن خيّر بطبعه، يحب العدالة والنظام، وانه لا يوجد شذوذ أصلي في قلبه، وان اول الحركات في الطبيعة هي دائماً خيّرة".

بينما اعتقد اخرون أمثال الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز الذي قال ان طبيعتنا تقودنا الى العزلة والفقر والشر.

الإصلاح والتغيير في القرآن

الإصلاح والتغيير على رأس سلم الأولويات التي حث عليها القرآن الكريم الانسان واعتبرها من مسؤولياته الأساسية في طلب الإصلاح ومنع الفساد كما في قوله تعالى (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) الأعراف: 56، او السعي للتغيير وتحمل المسؤولية التاريخية لعملية التغيير كقوله تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد:11.

 هذا الامر (تحمل الانسان مسؤولية الإصلاح والتغيير) لم يأت من فراغ اذا اعتبرنا ان الانسان هو محور حركة التغيير والإصلاح (وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة) البقرة:30، بعد ان هيّأ له كل ما يحتاج من سبل لتحقيق النجاح في هذه المهمة من علم (علم الانسان ما لم يعلم) العلق:5، وتفضيل (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الاسراء:70، ليتبنى الإصلاح كقاعدة أساسية داخل المجتمعات الإنسانية (فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم ان كنتم مؤمنين) الانفال:1، لتكون قادرة على الاستمرار والعطاء والتغيير بخلاف المجتمعات غير القادرة على ممارسة دور الإصلاح داخلياً ليكون مصيرها الضمور والهلاك والفشل (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) هود:117.

النموذج الابرز

يمتلك شهر رمضان الكريم كل مقومات النجاح لعملية الإصلاح والتغيير من خلال البناء الأخلاقي والروحي للمجتمع لأنه تجسيد عملي وواقعي لها كما يشير الى ذلك السيد المرجع الراحل السيد (محمد الشيرازي) في كتابه (شهر رمضان شهر البناء والتقدم) بالقول "في شهر رمضان تترجم الأفكار إلى وقائع، وتتحول الحروف إلى حركة والكلمة إلى حياة، يتحول الإنسان إلى أمّة كإبراهيم (عليه السلام) حيث كان أمة قانتاً لله".

ويؤكد السيد المرجع (محمد الشيرازي) على ضرورة الاستفادة من الفرصة المتاحة للإنسان في شهر رمضان الكريم للتركيز على ثلاثة أمور مهمة يمكن العمل من خلالها على احداث الفرق الإيجابي في عملية الإصلاح وتوجيه بوصلة الإصلاح الاجتماعي نحو النجاح:

الأمر الأول: المبدأ الصالح.

الأمر الثاني: الإنسان الصالح.

الأمر الثالث: الجو الصالح.

"فعندنا مبدأ هو أرقى المبادئ وقد جُرّب فعلاً وأثبت جدارته وصدارته، والانسان عندنا هو انسان ممتلئ بالإيمان والاخلاق، هاجسه الأول والأخير هو عمل الخير، والجو الصالح من مسؤولية الامة بأن توفر الاجواء الصالحة من شورى وحرية ومساواة وأُخوّة لكي يمكن اعادة الحضارة الإسلامية مجدداً".

وللولوج اكثر في تفاصيل هذا الموضوع كان لابد من طرح الاسئلة التالية:-

السؤال الاول: ما هو اثر البناء الاخلاقي في عملية الاصلاح والتغيير؟

التقوى هي المسؤولية والمسؤولية هي التقوى

- الشيخ مرتضى معاش، المشرف العام على مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام "يعرض اولا الآية القرآنية، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالإنسان في غمرة هذه الحياة المعقدة ينغمس كثيرا في تفاصيل هذه الحياة ليتجاوز عما يدور من حوله، هذا مما يجعل الانسان مقولبا في سياق معين، الا ان الله سبحانه وتعالى دائما ما يريد للعبد الفرصة المواتية كي يتحرر ويراجع نفسه".

اضاف معاش "لذلك كان صوم شهر رمضان في فلسفته وحكمته، يمثل فرصة سانحة للإنسان حتى يسترجع نفسه، وذلك على امل أن يتجاوز حالة الانغماس الدنيوي، الذي يقوم على الحياة المادية والغريزية، لذا الهدف الاساسي والعلة الاساسية من وجود الصيام هي التقوى، والتقوى هي (بناء الانسان الانسان)، وليس بناء الانسان الغرائزي الغارق في الاهواء والملذات، فالدنيا ليست مجرد طعام وشراب وسلطة".

يكمل معاش "بل على العكس من ذلك الانسان الحقيقي هو الذي يحمل قيم اخلاقية وانسانية نبيلة، تجعل منه متميزا عن الاخرين وحرا في التفكير، التقوى لا تعني فقط (الورع عن محارم الله)، بل التقوى تعطي للإنسان طريقا حقيقيا، كي يكون انسانا يحمل قيم اخلاقية وفطرية حقيقية، لذلك البناء الاخلاقي يتمثل في كون الانسان حرا، ناهيك عن بناء المسؤولية عند الانسان، بالتالي يمكن القول (بان التقوى هي المسؤولية والمسؤولية هي التقوى)".

اضاف ايضا "اليوم نحن نعيش في عالم اللامبالاة والفردية المطلقة والانعزال، فاللامبالاة أصبحت مرضا واللامسوؤلية ايضا اصبحت مرضا، فالإنسان لم يعد يتحمل المسؤولية من اجل بناء النظام العام، فالمجتمع الحقيقي هو المجتمع الذي فيه نظام عام وتكامل اجتماعي، بالتالي المحور المفصلي الذي يمسك النظام العام هي المسؤولية، والمسؤولية تدمر من خلال اللامبالاة وعدم الاهتمام".

كما اشار معاش "لذلك عندما يأتي شهر رمضان يخرج الانسان من حالة اللامبالاة ويضعه في موقع المسؤولية، إلى جانب ذلك شهر رمضان يحاول بناء التكافل والتكامل الاجتماعي، فهذه الفردية والعزلة الانسانية تجعل الانسان يخرج عن حالته الانسانية، لهذا من ضمن اهداف شهر رمضان هو بناء التكافل والتضامن الانساني، اضف إلى ما تقدم فان مفردة الصبر الواردة في النص القرآني القائل (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)، تعني الصوم".

يوضح معاش "ان وصف الصوم بالصبر (هو نوع من التدريب العملي على ممارسة الصبر)، اما ما يخص الانفلات الاخلاقي الذي نعيشه في مجتمعاتنا هو تعبير حقيقي عن حالة الجزع لدى الانسان، وهو بدوره عديم الايمان بـ (الإنسان / الحياة / الكون / الله / القيم الاخلاقية)، لذلك عندما يأتي شهر رمضان يبني لدى الانسان الصبر والارادة القوية لمواجهة تلك التحديات والصعاب".

يختم معاش "بالتالي الانسان عندما ينهار ايمانه وينهار يقينه يصبح بركان يتوقد حمم، لذلك حين يأتي شهر رمضان يحاول ان يسترجع لدى الانسان حالة الايمان من خلال ممارسة الصبر، الذي هو ضرورة ملحة لمواجهة تلك التحديات الحياتية، الشيء الاخر فان التقوى هي المرادف الحقيقي للصدق، فعلى على هذا الاساس دائما ما نجد الانسان المتقي يتصف بالحيادية وبالتوازن وهذا يقوده نحو الحقيقة".

شهر رمضان فرصة للبناء الاخلاقي المجتمعي

- محمد علي جواد، مدير تحرير مجلة الهدى، يعتبر "شهر رمضان هو فرصة اكيدة للبناء الاخلاقي المجتمعي، الذي من المفترض أن يستمر ويتطور ليعانق كل فصول السنة، أضف إلى ذلك فان فلسفة شهر رمضان المبارك تكاد أن تضرب عرض الجدار كل النظريات والفلسفات الغربية، التي تدعو إلى الفردية وعدم التدخل في شؤون الاخرين".

الاصلاح هو التغيير نحو الافضل

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يصف "شهر رمضان على انه شهر الله وهو شهر استثنائي، ويتميز بطقوس وبعادات وبتقاليد ومواصفات عبادية استثنائية، وبالتالي هي فرصة لترميم العلاقة ما بين الانسان وخالقه، وايضا ترتيب العلاقة واعادة تنظيمها بين الانسان وباقي افراد المجتمع الاخرين، الفلسفة في أن يكون شهر من السنة ويتميز بصفات معينة، كذلك مطالب فيه الانسان بطباع وبعبادات ومعاملات معينة".

اضاف الحسيني "وذلك كي يكون فرصة استثنائية يستطيع من خلالها الانسان مراجعة الذات وتقييم الاداء لاحد عشر شهر مضت، وبالتالي يجدد الانسان منطلقه الفكري والفلسفي، ويجدد التزامه الديني والعقائدي، فشهر رمضان يكاد يكون صعقة كهربائية ينتبه من خلالها الانسان إلى ما فسد من سلوكه السابق، عندها يستطيع أن يعيد ترسيخ وبناء منظومته الخلقية بالشكل الذي تكون فيه صالحة لما بقي من عمر الانسان".

يكمل الحسيني "المشكلة الحقيقية تكمن في كون السلوك والطاعة والعبادة والورع، ستكون فقط حسب رأي المسلمين ورأي عامة الناس، انها فقط ستكون خلال شهر رمضان، وهذه اشكالية كبيرة، يجب أن ندرك تماما ونضع في الاذهان، انه ليس فقط في شهر رمضان نحن مطالبين بعبادات وادعية وصلوات معينة، المختلف في شهر رمضان هو فقط الصوم عن الاكل والشرب، وباقي الامور مطالب بها الانسان طيلة أشهر السنة".

اضاف ايضا "لماذا يحاول الانسان أن يجعل من نفسه خلال شهر رمضان صورة نموذجية متكاملة في الخلق وفي السلوك، وفي الاشهر الاخرى يكون مختلفا تماما، الفرصة التي يوفرها شهر رمضان كون السلوك المؤقت وغير المستقر من الالتزام والورع والتقوى، ممكن أن يكون سلوكا دائما يمتد ليشمل باقي أشهر السنة، هذه الحقيقة يبدو انها لم تكون حاضر في اذهان من يصوم شهر رمضان".

كما اشار الحسيني "لذلك يجب أن نفكر جميعا فيما نقوم به في شهر رمضان من السهل أن نقوم به باقي أشهر السنة، باستثناء الصوم عن الاكل والشرب، كذلك فان علاقة شهر رمضان ببناء الاخلاق وبناء المنظومة الخلقية المستقيمة، هو فرصة مهمة لتحقيق الاصلاح في المستقبل، فنحن عندما نتكلم عن الاصلاح وعن التغيير، فالتغيير ممكن أن يكون من دون الحاجة لبناء اخلاقي، والعلة أن التغيير ممكن أن يكون سلبي أو ايجابي، لكن الاصلاح هو التغيير نحو الافضل، أي التأسيس لمنظومة ثقافية اجتماعية اقتصادية عقائدية صحيحة".

يختم الحسيني "بالتالي فان بناء الاخلاق مرتبط ارتباطا وثيقا بالإصلاح، لذلك لا يمكن باي حال من الاحوال أن يتحقق الاصلاح، اذا لم يكون هناك بناء اخلاقي سليم، وهذا البناء الاخلاقي السليم ممكن ان يتحقق خلال مدة شهر رمضان وهي ثلاثين يوما".

شهر رمضان شهر ترويض النفس

- الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، يرى "إن الانسان دائما ما يبحث عن معنى التغيير، اما بخصوص الحكمة والفلسفة التي يقوم على اساسها الصوم، فلها معاني متشعبة لا يحيط بها الا الله سبحانه وتعالى، ولكن مع مضي الوقت ربما نكتشف بان الصوم يحقق لنا مصلحة صحية أو اقتصادية أو اجتماعية، والدليل على ذلك نجد الاسر العراقية وخلال شهر رمضان المبارك تتهادى فيما بين الموائد وقت الافطار، وهذا حقيقة عنوان للبناء الاخلاقي والمجتمعي".

اضاف جويد "عندها تدرك بان قضية التكافل الاجتماعي التي تمارس في شهر رمضان، أضف إلى ذلك فان كبح النفس عن الشهوات كشهوة الجنس والاكل وقضايا اخرى، بالتالي نستطيع من خلال هذا الشهر ترويض النفس، لذلك من الضروري جدا التفاعل مع تلك الاخلاقيات وتنميتها، خاصة وأن النفس الانسانية بطبيعتها هي مجبولة على حب الخير، فأحيانا تجد الشخص الفلاني متصلب لكن ممكن اثارته ببيت من الشعر، حتى يتحول للجانب الاخر الذي يسعى لفعل الخير وإلى الاصلاح وإلى البناء الاخلاقي".

ترسيخ هذه المبادئ لما بعد شهر رمضان

- الدكتور حيدر حسين أحمد آل طعمة، التدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة كربلاء، والباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يعتقد "إن الفرد يشعر بتحسن على الجانب الاخلاقي خلال هذا الشهر، وذلك بحكم العبادات والالتزامات الدينية، لكن السؤال المطروح اليوم هو كيفية ترسيخ هذه المبادئ لما بعد شهر رمضان، لذلك نحن نحتاج لترسيخ هذه المبادئ لما بعد شهر الصوم، وهذا الدور ممكن ان تضطلع به المراكز الثقافية والمؤسسات الدينية للعمل على كيفية ترسيخ تلك المبادئ".

العالم بأسره يعاني من ازمة وفوضى اخلاقية

- حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية يتصور "إن العالم بأسره يعاني من ازمة اخلاقية، وخير دليل على ذلك هي المشاكل والفوضى التي تعم العالم اليوم، لذلك أحد اسباب تلك الفوضى هي النظر للحياة بشكل عام، اليوم اغلب المجتمعات المعاصرة تنظر دائما إلى الأشياء وإلى المادة، وتتجاهل حقيقة وجودها السامي والاهداف التي من اجلها خلق الانسان، فالإنسان لم يستخدم الوسيلة للوصول للهدف، بل استخدم الانسان ليحقق مآربه للحصول على المادة".

اضاف الجبوري "وهذه مشكلة اخلاقية عظيمة يعاني منها الحاكم المستبد الذي لا يقبل بالمعارضة، لذلك نحن نحتاج إلى مؤتمرات وندوات ومحاضرات من اجل ترسيخ تلك القيم، اما بخصوص فرضية كون الانسان مجبول على حب التغيير، فهذه الحقيقة غير مؤكدة لاسيما وان مجتمعاتنا العربية تسير باتجاه النمطية والقولبة، بحكم عامل الخوف من التغيير غير الآمن".

السؤال الثاني: كيف نؤسس لمنظومة اخلاقية قادرة على النهوض بالأمة من جديد؟

شهر رمضان هدفه بناء الرحمة في قلوب الناس 

- الشيخ مرتضى معاش، يعتقد "إن المادية تزداد قوة في عصرنا هذا، خصوصا مع وجود التطور التكنولوجي والاقتصادي، وهذا يؤسس لخطرين اساسيين، الخطر الاول يصبح الانسان اكثر توحشا، والعلة لان المادة تجعل من الانسان اناني اكثر، بالإضافة إلى ذلك يزداد العالم تفاهة وعبثية، وهذا نتيجة تطور العالم المادي، لذا نحتاج دائما إلى بناء التطور المعنوي اكثر من التطور المادي، وذلك حتى يطغى المعنى على المادة".

اضاف معاش "لذلك نحن في شهر رمضان نحتاج للتطور المعنوي، وهذا خلاف النظرة السائدة لدى بعض الناس حيث ينظرون لشهر رمضان نظرة مادية، حيث الاكل والشرب والعزائم والاكلات المتعددة والمتنوعة، بينما في شهر رمضان لابد على الانسان المؤمن أن لا يسرف في الاكل، إلى جانب ذلك اعظم الليالي في شهر رمضان هي ليلة القدر(23)".

يكمل معاش "ففي هذه الليلة يستحب عمليين مهمين وهما.. اولا طلب العلم على اعتباره اساس التغيير الاصلاح، والثاني هو صلة الارحام وهي تعبر عن الحالة المعنوية لدى الانسان، بالتالي الانسان البائس هو الذي يخرج من شهر رمضان من دون حصيلة، فعلى الانسان السوي أن يضع قائمة يحدد من خلالها الانتصارات التي حققها خلال هذا الشهر لنفسه ومن ذاته".

اضاف ايضا "لابد على الانسان كذلك أن يزداد لديه مستوى الصبر، لأنها عملية تعليم مستمرة، الصبر معناه أن يكون لدى الانسان (سعة صدر) أو (استقامة امام التحديات التي تقف امامه)، كذلك يقلع عن الحساسية اتجاه أي كلمة أو اية قضية، ايضا لابد من قلع الامراض الاخلاقية كـ (الحسد / الغيبة / النميمة / التسقيط)، لذلك على الانسان أن يراقب نفسه وأن لا يبرر لها الاخطاء، على الانسان ايضا أن يضع لنفسه برنامج لتحجيم الماديات وتعظيم المعنويات".

كما اوضح معاش "كذلك لابد ان نعمل سويا لاستخراج الكنوز الطيبة عند الآخرين، فالناس طيبون بقدر ما هم سيئين وسيئون بقدر ما هم طيبين، فالأمر مرهون على الكيفية التي نتعامل بها معهم، لذلك الكلمة الطيبة هي افضل صدقة، وهي بإمكانها اخراج الكنوز الطيبة والنوازع الخيرة لدى الانسان، فالتشجيع والدعم والتعاون والتعاضد من اجل بناء الخير داخل الانسان، ففي بعض الاحيان الكلمة تقتل الانسان وتقتل طموحه، والدليل على ذلك الأب عندما يقول لابنه انت فاشل، فهذه الكلمة سوف تلازم هذا الشاب طيلة ايام عمره، اما اذا قيل للشاب انت ناجح تجعل منه انسانا ناجحا على طول الخط، لذا لابد أن تكون كلماتنا طيبة ايجابية فيها امل وروح ومعنوية، وذلك من اجل تحسين انفسنا وتحسين حياة الاخرين، من خلال هذه الكلمة الطيبة والحسنة والخيرة".

ويستطرد معاش "فنحن عندما تكلمنا عن العالم المتوحش، فداعش هي قمة التوحش في العالم، كذلك هناك توحش في المدارس وقتل من خلال الاسلحة ومذابح وجرائم الاغتصاب الجنسي، فالقضية الاساسية أن العالم المتوحش يحتاج بالمقابل إلى عالم رحيم، لذلك احد اهداف شهر رمضان بالإضافة إلى التقوى هي خلق الرحمة في قلوب الناس، فالمادة تجعل قلب الانسان قاسيا، فكلما ازداد الانسان ترفا يزداد قسوة، والعالم اليوم اغلبه يعيش ازمة بسبب قضية التفاوت العالية بين طبقة الاغنياء والفقراء".

يختم معاش "بالتالي يشير الخبراء الى قنبلة التفاوت التي من الممكن أن تفجر العالم باسره، فشهر رمضان ممكن تقييمه من خلال مستوى الرحمة التي تزداد في قلوبهم، فشهر رمضان هدفه بناء الرحمة في قلوب الناس، خاصة وأن الرحمة هي التي تنشر السلام في العالم".

- محمد علي جواد، يعتقد "إن النظام يتحقق من خلال سلوكيات افراد المجتمع، كذلك فان قضية الاستفسار عن عملية البناء هل تستدعي هدم، الجواب الاسلام هو قائم على الهدم والبناء، فنحن عندما نتكلم عن بناء المنظومة الاخلاقية فهناك منظومات اخرى، بالتالي فان الاسلام يطرح الافضل، فشهر الصوم على سبيل المثال له مردود ايجابي على الجانب الصحي".

اضاف جواد "فنحن عندما نتكلم عن منظومة اخلاقية ومنظومة اجتماعية ايضا هي منظومة متكاملة، وهذا ما اشار اليه الكثير من المفكرين وعلماء الاجتماع فقضية العلاقات الاجتماعية التي تجمع المسلمين، هي أكثر نفعا وايجابية مما موجود في جميع بقاع العالم، إلى جانب ذلك هناك ظاهرة ارسال التهاني والتبريكات التي ترسل للمسلمين بحلول شهر رمضان، وهذا اكتشاف حقيقي لدوافع الفكر الاسلامي".

الصراع الشرس لصالح العقل

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، يدعو "إلى استغلال فرصة شهر رمضان بكل اطرها وامكانياتها وبكل ما توفره لنا من قيم وعادات وتقاليد، لكن الواقع حقيقة وعندما نركز في سلوكيات الناس في شهر رمضان، نجد العجب العجاب فكم منا مثلا يصوم ويعطي للصيام حقه؟، كم منا يصوم وهو عارف في قرارة نفسه أن صيامه قد لا يكون مقبولا عند الله؟، كم منا مثلا يصوم عن المفطرات المحددة فقها وشرعا، لكنه لا يمنع نفسه من السلوكيات المحرمة الاخرى؟".

اضاف الحسيني "ايضا نلاحظ قضية الاسراف في الاكل والشرب والمائدة الطويلة والعريضة التي تعد للإفطار، هل هذه هي الحكمة من شهر رمضان اننا نصوم حتى نرى سفرة الافطار عامرة بما لذ وطاب، شهر رمضان هو صراع ما بين الانسان ونفسه وغرائزه ونوازعه الشخصية، فمتى ما استطاع الانسان أن يكسب هذا الصراع الشرس لصالح العقل وفيما يرضي الله، فقد ادى الغاية التي من اجلها شرع فيها شهر الصيام".

يكمل الحسيني "نرى ام البيت وحينما تصل الظهر تذهب إلى الطبخ للانشغال بأعداد الطعام وتنسى العادات والعبادات التي من المفترض أن تؤديها خلال شهر رمضان، الكثير من العائلات يهرب من فرائض شهر رمضان باللجوء إلى النوم، كذلك الكثير من الموظفين وعندما يراجعه مواطن لقضاء معاملة ما، تجد الموظف يتذمر ويتعصب لأبسط الامور بدعوى انه صائم، فهل هذه اخلاق الصيام؟، وهل هذه الحكمة من تشريع الصيام؟، الجواب اكيد لا".

اضاف ايضا "نتحول ايضا نحو قضية اخرى وهي الفضائيات التي تعد البرامج المخصصة لشهر رمضان من مسلسلات وبرامج، وهي تريد من خلال تلك الدورة التلفزيونية أن تحول شهر رمضان من شهر الطاعة إلى شهر الخلاعة، وهذه كلها ضغوط وتحديات تواجه الصائم في شهر رمضان، فكلما استطاع مواجهة هذه التحديات بإيمان راسخ وبإرادة قوية، بالتأكيد سوف يكسب الرهان لنفسه ويؤسس لبناء اخلاقي ممكن أن يكون مقدمة لتحقيق الاصلاح".

- الحقوقي احمد جويد، يصف "المنظومة الاخلاقية عندما تتعرض إلى الهزة من الصعب على الشعوب أن تنهض، فخلال هذه الايام يتم التركيز من قبل الاعلام الغربي على شهر رمضان، والدليل على ذلك ما تقدمه احدى القنوات الفرنسية الناطقة بالعربي وعبر برنامج (في فلك الممنوع)، وهو يناقش شهر رمضان على اعتباره مفروض من قبل رجال الدين على عامة الناس، وهو عبارة عن تدخل بالحريات الشخصية، وليس هناك جدوى منه سوى الاكل والشرب واعداد الولائم".

اضاف جويد "وهم يقللون من فحوى هذا الشهر، قدر ايمانهم بان هذا الشهر فيه تهذيب للنفس البشرية، بالتالي فان شهر رمضان يعكس صورة طيبة للإسلام في دول العالم، فحينما يشاهد المواطن الغربي ولائم الافطار العامة التي يشارك فيها الجميع، وسواء كانوا مسلمين او غير مسلمين اغنياء او فقراء، فتتجلى من خلال ذلك روحية اخرى لكسب ود المجتمع، فهذه واحدة من المعاني الانسانية الكثيرة، فالدين الاسلامي هو دين انسانية ودين رحمة ودين اخلاق".

يكمل جويد "بالتالي علينا الحفاظ على هذه النعمة التي انعم الله بها علينا، وهي نعمة الاسلام ونعمة شهر رمضان المبارك، علما أن ما يأتينا من شهر رمضان وسواء على المستوى المعنوي والمادي لا نستطيع ادراكه بهذه السهولة، خصوصا وأن دواعي الصوم ذات مرامي سماوية وبعيدة عن مستوى التفكير الانساني".

- حامد عبد الحسين الجبوري، يحث "على ترسيخ منظومة القيم، عبر برنامج حكومي تعليمي على مستوى المراحل التعليمية المختلفة من الابتدائية إلى الجامعات، خصوصا وأن معايير استلام المناصب الادارية والسياسية يمر من خلال نافذة التحصيل العلمي، بالتالي عندما يتخرج الطالب وهو يمتلك قيم اخلاقية، فهذا سينعكس على المجتمع بطريقة ايجابية".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0