هل مازال شهر رمضان يؤثر إيجابا في علاقاتنا الاجتماعية؟‏، ما ان يهل هلال شهر رمضان المبارك حتى يعم جو من الاستقرار النفسي والهدوء والسكينة لدى المجتمع المسلم، ولعل ابرز ما يميز هذا الشهر من غيره من الشهور الاحد عشر هو بعده الاجتماعي المعهود، والذي ينبغي ان يوظف من خلاله استثارة وعي الناس ودفعهم نحو العودة الذات البشرية الاصيلة التي فطر عليها الانسان منذ خلق آدم الى حين يبعثون.

فالتراحم والتواد والتعاون بين الناس هي ابرز سمات الانسانية التي بدأت تنحسر في الفترات القليلة الماضية سيما تلك التي كانت تغلب على هذا الشهر المبارك، فكثير من الطقوس الرمضانية التي فاح عبقها في الماضي القريب، والتي مازالت ترتبط بأذهان كبار السن ومدونة في سجل ذكرياتهم التي لا يعرفها النسيان يروونها لأبنائهم وأحفادهم ممن لم يعاصروا تلك الأجواء الروحانية والاجتماعية الرمضانية التي بدأت تفقد بريقها، مثلاَ حجم دائرة الزيارات العائلية ضاق ربما حتى بين ابناء الاسرة الواحدة فلم تعود تلك (اللمة) تتسيد المشهد الرمضاني لكثير من الاسباب منها تغير ادوات الحياة وصعوباتها وتعقيداتها المستمرة والتي اخذت منا مأخذها، فبعد أن كان هذا الشهر محطة مميزة ينتظرها الناس سيما الراغبين في التواصل الاجتماعي مع المحيط، اصبح كل فرد مشغولا بنفسه وبزحمة المسؤوليات التي اثقلته متخذا ذلك مبررا لغيابه الاجتماعي،‏ فلم تعد احدى ميزات هذا الشهر المبارك هو اجتماع الاخوة والاخوات والاقارب حول المائدة او بعد الافطار.

ان هذه اللقاءات من شانها ان تزيل الجليد بين افراد الاسرة والمجتمع وتغسل النفوس من الخلافات المتراكمة التي قد تؤدي الى مفترق طرق وتطورها مما يؤدي الفرقة بين الاخوة والاهل والاصدقاء، ففي رمضان فرصة ثمينة لكسر دائرة الانغلاق عن طريق التزاور بين العائلات، او حضور المبادرات الواعية التي تنبثق لتقديم برامج توعوية فيها تجديد وتطوير للفكر والعقل، وملامسة لحاجات الساحة الاجتماعية من ندوات ومحاضرات وحوارات تعالج مختلف المشاكل والقضايا الفكرية والاجتماعية، ففي هذه التجمعات فرصة ومناسبة لتجديد العلاقات بين أفرادها واشاعة روح الحب والتماسك في المجتمع وتخطيه حالة الانغلاق التي ربما فرضت على اعضاءه نتيجة الانشغال بالعمل او الدراسة او غيرها من الالتزامات.

كما تقلصت ان لم تكن انعدمت احدى عادات شهر رمضان الجميلة وهي عادت تبادل اطباقا من المأكولات الشعبية التي كانت تجهزها العائلة إلى الجيران، والعكس صحيح، من اجل الثواب او كنوع من المشاركة، فالآن الجار لا يعرف جاره في كثير من المناطق والاماكن بسبب الحياة المدنية والأبنية الكبيرة التي تضم سكانا من كل حدب وصوب يختلفون في الأطباع والعادات وعلاقات يعلوها الطابع الرسمي على غير العادة في الزمن السابق .

وهنا اود الاشارة الى امر يعد سلبيا ومعاب يظهر للعيان في شهر رمضان المبارك، وهي مسألة الاحراج في اقامة مآدب الطعام فعلى الرغم من ان التجمعات العائلية الرمضانية او حتى تلك التي تتعدى حدود العائلة لتشمل الاصدقاء وزملاء العمل او غيرها من جماعات الانتماء هي مناسبة للتواصل وترسيخ العلاقات الاجتماعية الا ان لها جوانب سلبية وهي جعل الولائم تكون بشكل دوري على اعضاء الجماعة مما قد يحرج البعض من اقامة هذه الدعوات لظروفه المادية غير المريحة، فهذه الدعوات مكلفة ماديا ومرهقة للعاملين على اعداد الطعام(الاسرة)، وقد يكون الانسان مكرها على اقامتها وهذا الامر غير مرغوب فيه، او ربما جعلها البعض مناسبة للبذخ والاسراف والتباهي بما يقدمه من انواع الطعام والشراب والحلوى في حين ان العشرات من العوائل لم تجد تسد به رمقها ونحن في شهر الله الذي احد علل كينونته الاحساس بالفقراء واستشعار حاجاتهم و مساعدتهم لانهم عياله الله.

ختاماَ اقول ان ايام هذا الشهر مختلفة عما سواه من الشهور لذا يلزم علينا استثمارها للبذل والعطاء وفي كافة الصعد، ولنجعل منه مناسبة لتعميق قيم التواصل والتراحم واحداث تطور فكري وقيمي واجتماعي ..الخ، فهذا الشهر يعد بمثابة المحطة التي نتزود منها الصفاء الروحي والنفسي الكافي لبقية اشهر السنة وايامها، فالشهر الفضيل منطقة مميزة على كل المناطق الزمنية ينبغي استثمارها بالصورة المثلى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0