ينتظر المسلمون مجيء شهر رمضان على أحر من الجمر، ولهم الحق في هذا الاشتياق الجارف لهذا الشهر، حيث تتضاعف أعمال الخير وتبلغ أقصى درجاتها، وتنهض الكثير من القيم المجتمعية ممن سباتها أو عدم فاعليتها، يرشدنا إلى ذلك كتاب (نهج البلاعة) وما يكتنز بين دفتيه من غرر الحكم التي تساعد الإنسان على بلوغ ما يرومه من أهداف سامية.

وأهم ما يستشعره الإنسان في هذا الشهر، هو فرصة نزع الذنوب ورميها بعيدا عن فكر الإنسان وسلوكه عبر التوبة النصوح، فهو شهر يختص بمحو الذنوب ومنح الإنسان فرصة التصحيح والعودة إلى الصواب، وعندما نقول أن العفو يتقدم على العقاب، فإننا لا نعني بذلك غض الطرف عمن يرتكب الجرائم والتجاوزات الكبيرة بحق الآخرين، ولكن هناك أنواع كثيرة من الزلل يمكن معالجتها بالتسامح، والتغاضي عن الهفوات، خاصة عندما يكون مرتكبها مستعدا للتصحيح والاعتذار، وعدم العودة إلى ارتكاب التجاوزات والأخطاء والجرائم نفسها، هذا هو شرط التوبة حين يتعهد الإنسان بعدم العودة لارتكاب الذنوب بعد محوها.

والعفو عن مرتكب الذنب يأتي بمثابة الفرصة للمذنب وهي تُمنح في هذا الشهر الكريم (شهر الله) حيث يحصل الإنسان على التزكية من المعاصي شريطة التوبة الصحيحة، وفي مثل هذه الحالة يكون العفو بمثابة منح الفرصة لمن يرتكب الخطأ، حتى يعود الى وضعه السليم الاعتيادي في المجتمع، لكي يبقى عنصرا فاعلا وقويا ومنتجا على المستوى الفردي والمجتمعي أيضا، هنا يكون العفو طريقة لمعالجة الأخطاء التي قد يتعرض لها كل إنسان، ولا يعني العفو هنا السماح بالانحراف والانجراف نحو مجتمع تسوده الفوضى والتجاوزات، أما على المستوى الفردي، فإن القوي اذا كان مبادرا الى العفو فهو الأقرب الى مرضاة الله تعالى، لذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في نهج البلاغة بهذا الخصوص:

(أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ).

ممحاة لذنوب الإنسان

ومن تكون لديه قدرة على معاقبة الآخرين، فهو أكثر من الجميع قدرة على العفو، ولكي يكون الإنسان اقرب الى العفو من سواه، كان النموذج الأمثل هنا هو الله تعالى، كما ورد في الآية الكريمة التي تؤكد بأن الله الرحمة يقدم العفو على سواه، فقد ورد أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: (إن الله لعفو غفور)، وهو الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً وهو الذي يتجاوز عن الزلات بفضله وكرمه فلا يعاقب عليها ولا يعاتب صاحبها مبالغة في إكرامه له وعطفه عليه ولا يذكره بها حتى لا يحرجه ويخجله ويمحو آثارها محوا تاما وينسيه إياها وينسي كذلك الحفظة حتى لا يشهدون عليه وينسي جوارحه والأرض التي عصاه عليها وهذا هو العفو في أسمى صوره وأرقى معانيه. كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو، لمن أتى بأسبابها، ذكر القرآن: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى).

فالأمل بالرحمة والعفو موجود للجميع وخصوصا في هذا الشهر الكريم، لذا على الإنسان أن يستثمر الفرصة أفضل استثمار، علما أن أحد أسماء الله الحسنى هو العفوّ، أي أن أبواب الصفح مفتوحة، مع شرط ثبات التوبة ولا يجوز العودة لارتكاب الذنوب مرة أخرى والعفوُّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولاسيما إذا أتوا بما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو الله يقبل التوبة، عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو عفو يحب العفو ويحب من عباده أن يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه: من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه، ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له جميع جرمه صغيره وكبيره، وأنه جعل الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها قال الله:

(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم).

لذلك نأمل من المسلمين بفئاتهم العمرية المختلفة أن يستفيدوا من شهر رمضان بتكثيف التدبّر بالقرآن والأدعية المعروفة والإقبال على أعمال الخير، إذ غالبا ما يفتح العفو طريقا جديدا الى الأفراد الذين تجاوزوا على الآخرين بطريقة أو أخرى، وهذا يمنحهم الفرصة للعودة الى المجتمع بطريقة سليمة، وهذا السلوك السليم هو الذي يساعد على بناء المجتمع المنتج المستقر وليس العكس، كما تؤكد التجارب التي مر بها المسلمون وسواهم من المجتمعات التي أصبحت اليوم في المقدمة من حيث الإنتاج والتطور والاستقرار، بسبب التزامها بمنهج التسامح والعفو عند المقدرة، والسبب أن هناك حالة من الرضا سوف تسود شرائح المجتمع، وبهذا لابد أن نجعل من شهر رمضان بداية لتزكية النفس من شوائبها.

القوي أوجب للعفو من غيره

وثمة فارق بين القوي والضعيف عندما يريد أحدهما أن يطبق العفو عن الآخر، فعندما يكون الإنسان ضعيفا ويعفو، فهو قد يكون مضطرا لذلك، كونه لا يمتلك قوة العقاب، لهذا لا يكون الضعيف صاحب فضل مثل القوي القادر على العقاب ويعفو عمن يتجاوزون على حقه او يجرمون بحقه، لأي سبب من الأسباب، لهذا يرتبط العفو وفضله، بالقوي الذي يقدّم العفو على معاقبة من يخطئ فيه، ويتجاوز على حقوقه، لهذا أكد الإمام علي بن ابي طالب سيد البلغاء عليه السلام، على الميزة الكبيرة التي يتحلى بها القوي عندما يكون اقرب للعفو من سواه، واقترنت هذه الميزة بقوة الإنسان ومدى قربه إلى العفو من العقاب.

وفي خلاصة الأمر مطلوب من الإنسان المؤمن، كبير أو صغير، شاب أو شيخ، رجل أو امرأة، وعليهم التمسك بتلاوة القرآن، وقراءة نهج البلاغة بتمعن وتركيز والاستفادة من أجواء هذا الشهر المتميزة، فالتمعن في هذه الكلمات التي تختزن معان كبيرة، تجعلنا جميعا أقوياء او ضعفاء، لا نفكر بالعقاب قبل العفو، نظرا للمزايا الكبيرة والعظيمة التي ستتبع العفو اذا قدمناه على المعاقبة، ذلك أن الإنسان المخطئ عندما يشعر بضعفه الكبير وحالة الذل والخوف التي تحيط به، وفجأة يجد أن فرص الحياة السليمة قائمة بين يديه ومتاحة له من خلال العفو الذي يهبه إياه صاحب الحق، إنما تعد هذه الخطوة بمثابة، إعادة الروح الى جسد قارب الموت، أي أنها تنتشل الإنسان من براثن الضياع والتيه، وتعيده بقوة إلى الحياة، وما عليه سوى التمسك بهذه الفرصة بإيمان مطلق.

هكذا هو شهر رمضان الكريم، يصنع الأجواء المناسبة للتصحيح، كي يخلص الإنسان من المعاصي الكبيرة التي يقع بعض الناس في فخها، ويرتكبها في حالة طيش او غضب او حماقة، حيث يصعب عليه التحكم بأعصابه وسلوكه، فيرتكب الخطيئة او التجاوز او الجريمة بحق الآخر، فيغدو عند ذاك كالطائر العليل الذي يطير بجناح مكسور، لا هو قادر على مواصلة الحياة، ولا هو منفصل عنها، لهذا عندما يمنح القوي العفو لمثل هؤلاء، إنما هي إعادة الحياة السليمة لهم، لذلك يدفعنا نص الإمام علي عليه السلام، نحو تقديم العفو عند القوة على سواه، في التعامل مع من يتجاوز أو يخطئ او حتى يجرم بحقنا، مع الأخذ بنظر الاعتبار عدم التكرار، والتوبة عن اقتراف التجاوز، والامتثال للعرف ومنظومة القيم التي يسير في هديها المجتمع، وما على الإنسان والمجتمع عموما سوى استغلال فرصة شهر رمضان بأفضل طريقة حتى يتخلص من أعباء الذنوب في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

15