خذوهم صغاراً، تلك مقولة ترددها ألسن الآباء قبل الأبناء، يعتصر الأب كف ابنه ويسحبه بحنو الى المجلس الديني اليومي بعد تناول الإفطار، يرتدي الصبي البالغ لباسه الأبيض، يتعطر بماء الورد، يضع على رأسه (عرقجين)، ينتعل نعله الإسفنج المغسول، يتلهف للوصول الى وجوه المجلس اليومية، شيوخ وكهول وشباب وصبْية، يجلس الى جانب أبيه، تبهره أضواء المصابيح، تنعشه وجوه الأطفال الذين يقاربونه بالسن، يتشوّق لرؤية الخطيب، لسماع صوته واستيعاب كلماته، يعبّ منه الكلمات عبّاً، كأنها الماء الزلال في قيظ ملتهب، تغور في أعماقه، تدونها ذاكرته في حشايا العقل وثناياه، قيماً كلها خير وبركة وانبهار.

تمرّ السنوات حثيثا، يكبرُ الصبي، وتكبر المسافة بينه وبين المجلس الديني الرمضاني، هو لا ينتبه لخطورة هذا التباعد، أبوه ينشغل مع أصدقائه، ويطمئن الى أن ولده الصغير لم يعد بحاجة إليه، كلنا نرتكب هذا الخطأ، لأن الولد يحتاج لأبيه في كل مراحله العمرية، فالخبرة الأبوية لا يجب أن تمتنع أو تتوقف عن الابن، تأخذه الكتب الدراسية، والخارجية، تسحبه الصداقات بأنواعها، وعيه يدرك سعة الوجود، تصدمه الآفاق الواسعة للحياة.

يشرب من العلم كما يشتهي، كتب بالآلاف، في مجالات العلم والأدب والفكر والفلسفة تضع نفسها بين يديه، تتبلور في ذهنه قاعدة فكرية متنوعة، لا ضير في ذلك إذا لم تكن من بينها تسريبات تفسد الذائقة وتصادر العقل أو تحرفه عن أصله، تتكون لديه أفكاره الخاصة عن الوجود والدين والذات والإنسان وخفاياه العقلية والنفسية والبايولوجية، تشغله العلاقات الثنائية والجمعية، يشغله تصادم الآراء، عبثية بعض الأفكار، جماليات الأحلام الوردية، بؤس ظلام الروح، تتوهج في خياله صورة المجلس الرمضاني وهدوء كلمات الخطيب وعمقها، يظهر ذلك البون الشاسع بين بيئة الطفولة وبين الاضطراب الذي يعيشه اليوم.

بين ذاكرة الأمس وما يجري اليوم تناقض شديد البأس والأثر، فقد مضت أيام السكينة والحنان والتراضي، وحلّت محلّها بضاعة أخرى، سلة هائلة من الأحداث، تطرف، إرهاب، حروب طائفية، تفجيرات، أرحام تأكل بعضها، عالم يغلي، حتى في شهر الله، الأب مشغول عن بنيه، الابن في متاهة، المقارنة بين أجواء الطفولة، وما يحدث الآن لا يمكن تصديقه، كان الإنسان إنسان، أما الآن، فنصفه بشر ونصفه الآخر جشع وطمع، حتى شهر رمضان لم يكن سببا عندهم كي يدخل الرحمة والهدوء في قلوبهم ونفوسهم، العالم يغلي فعلا، صفقات في قمة الفساد، تعقدها حكومات تستأثر بثروات الأغلبية، وتبذرها على الشياطين كي تحميها.

مهزلة القرن الواحد والعشرين يراها بعينه الآن، فيعود مسرعا الى تلك السنوات المضيئة، سنوات الأمن والأمان، ربيع الطفولة، منبع الأمان في رمضان، الأفكار الإنسانية وحب الآخر والعفو والتكافل والإيثار والمسامحة والمحبة، يعقد مقارنة بين الأمس واليوم، يستحضر صورة أبيه عندما كان يمسك بكفه ويذهب به بعد الإفطار الى المجلس الرمضاني.

لماذا تغيب هذه التقاليد اليوم أو أصبحت شحيحة، لماذا لم أمسك بكف ولدي وأقوده معي، لماذا لم تفعل ذلك أنت وهو ونحن؟؟، كي يتشبع الأبناء بتلك القيم حتى يستعينوا بها على راهن مشحون بوباء الاحتراب والتكفير والتطرف والإرهاب، في الحقيقة الخطباء موجودون، والمنابر لم تضمحل أو تقلّ، ولكن الخلل في الطرف الآخر، وأعني بذلك، نحن الآباء، لم نعد نتعب ونشقى من أجل أولادنا كما فعل معنا آباؤنا.

كم من الآباء الآن يحرصون على الأفكار التي يتغذى بها أولادهم؟، نحن لا نشترط اغتراف العلم والقيم من جهة بعينها، فكل المنابع الفكرية الجيدة يمكن أن تكون منهلا لعقول أولادنا، ولكن حذار من تلك المناهل الفكرية المسمومة، تلك التي تخلط السم بالعسل، فيظهر كلامها جميلا رقيقا معسولا، لكنها تتلفع بأفكار معبّأة بأنواع السموم الفكرية القاتلة، هنا يتوجّب الحذر والدقة في اختيار الفكر الذي نمنحه لأولادنا.

أن تصطحب طفلك الى مجلسك الرمضاني المفضل هذه هي الخطوة الأكثر دقة في الصراط الصحيح، وأن تراقب مجساته عن بعد، وعدم إشعاره بأنه مراقَب، هذا هو الصواب، فلا تتركه وشأنه فيكون لقمة سائغة للشذوذ الثقافي، ولا تكن ثقيلا عليه بأحكامك وتوجيهاتك، فتجعله ينفر منك الى ما هو أكثر خطورة ورداءة، كن معه كونك أبيه، ولا تكن ثقيلا عليه كاتما لأنفاسه في كل شاردة وواردة.

في هذا الشهر تكثر المجالس، وترتفع المنابر، وتزهو الأضواء المشعّة، وتتفتح العقول والقلوب، ويشعّ البِشْر في الوجوه الوضاءة، فرمضان له نكهة الإيمان التي تميزه عن كل الشهور، أقارن الآن بين فعله أبي من أجلي، وكيف كان حريصا على أن أتناول الإفطار معه، وأقيم الصلاة معه، وكان يلبسني ملابسي البيضاء بنفسه، يغسل وجهي، ويمشط شعر رأسي ويضع (العرقجين) فوق رأسي، ويصطحبني معه، ولا زلت أعيش لحظات الزهو والنشاط والتفتح العقلي والروحي وأنا أخطو معه الى منبر الحيّ.

اليوم هل يقوم الآباء بهذه المهمة التي قد تكون عسيرة بسبب اختلاف الأزمنة، وهل الأبناء على استعداد كي يعيشوا لحظات الانتعاش الفكري وزهو تلك الأزمنة ولحظات الأمن والسكينة واستيعاب القيم؟؟، تساؤلات صعبة حقا، خصوصا إذا أردنا الإجابة عنها بشفافية، ولكن لا ننسى أننا الآن نعيش في رحاب شهر الله، وهذا الشهر أيامه لها نكهتها التي لا تتواجد في الشهور الأخرى، كما أن أطفالنا وأبناءنا يعشون بركات شهر رمضان لحظة بلحظة، وعليهم أن يدركوا فضائل هذا الشهر، فكرا، وقيما، وأعمالا، ذلك أن الفرص التي تكون بين أيديهم اليوم، ربما لن تعود القادم من الشهور والأيام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0