من البديهي ان يعيش كل انسان في هذا العالم ازمات وانكسارات نفسية لأسباب داخلية (داخل النفس) واخرى خارجية (من المحيط)، وتنعكس المشكلات بالضرورة على سلوكياته وتؤدي الى تدهور صحته النفسية في اغلب الاحيان.

من هذه الازمات ما يسمى بـ(ازمة ربع العمر)، التي يعرّفها الطبيب النفسي (أليكس فوك) بأنها حالة من انعدام الأمن والشك وخيبة الأمل فيما يخص حياة الفرد المهنية والعلاقات مع المحيط والوضع المالي.

ولعل اول من اطلق هذا المصطلح هما (ألكسندرا روبينز وآبي ويلنر) في عام 2001م لوصف حالات القلق والضياع التي يعشيها الشباب.

وهذه الحالة تعد نتاج التغيرات التي يشهدها الانسان في فترة المراهقة حين يشرع في مواجهة الضغوط التي تواجهه باندفاع كبير من دون تخطيط او حتى صبر وهذا امر طبيعي نظراً للمرحلة العمرية التي تحدث فيها الازمة.

ووفقاً للكثير من الدراسات التي تجريها مراكز البحوث النفسية ان معدلات انتشار هذه الازمة بين صفوف الشباب اخذت بالارتفاع بالمقارنة بالأجيال السابقة ذات الدخول المنخفضة والتي تتصف ببساطة العيش وبساطة ادواته، ورغم هذه البساطة تجد كل المجتمع او اغلبه يتمتع بمستوى عال من الرضا عن الحياة التي يحيوها.

على النقيض تماماً نرى اغلب الشباب في وقتنا المعاصر يقبعون تحت ضغوط تكوين أنفسهم في سوق العمل وتوفير السكن الفخم ووسائل النقل الباهظة الاثمان والتفكير في تأسيس عائلة والهروب من شبح البطالة والديون والرغبة في السفر بين البلدان باحثين عن مفهوم مشوه للحياة زرعته فيهم مواقع التواصل الاجتماعي والدراما العالمية وحتى المحلية منها.

ويقول الباحث من جامعة غرينتش في لندن (أوليفر روبنسون) ان: أزمة ربع العمر لا تحدث في ربع العمر حرفيا ولكن في ربع طريق تحمل المسؤولية والنضج، في الفترة بين 25 و35 عاما، على الرغم من أنها تتبلور في الثلاثينات من عمر الفرد، حيث ان 86% من كل شاب وشابة يشعرون بأنهم تحت الضغط بسبب إحساسهم أن عليهم أن ينجحوا في عملهم وأمورهم المالية ووظائفهم قبل سن الـ 30.

تشير نتائج الدراسات الى ان النساء معرضات لأزمة ربع العمر أكثر من الرجال بنسبة من 56% إلى 61%، فيما تبلغ نسبة اصابة الرجال 39% من نسبة الاصابات ولأسباب سيكولوجية تتعلق بالاثنين.

لهذه الازمة مراحل متتالية اولى هذه المراحل يشعر الفرد بالانعزال والوحدة وشعور وهمي بالسجن يمكن تركه والتغلب عليه ان شاء الفرد، اما ثاني المراحل فهو الشعور المتولد لدى الفرد بإمكانية تغيير واقعه والانفصال عن الالتزامات المفروضة عليه والتي تمثل له عبئ ثقيل يسبب له جميع أنواع الاضطرابات النفسية كما يبحث الفرد عن شغف معين كأن يكون في ممارسة لعبة او اقتناء جهاز الكتروني او غيره.

والمرحلة الثالثة هي فترة إعادة بناء حياة جديدة ربما على انقاض الحياة القديمة التي سقطت بفعل المرحلة العمرية الجديدة، ثم المرحلة الرابعة والاخيرة التي تتضمن التزامات جديدة للشاب تعكس اهتمامات جديدة وتطلعات يسعى الى تحقيقها ويراها جزء من تكوينه وشخصيته واسمه لعل في ذلك تحفيزاً على التغير والتطوير الفكري والمعرفي.

السبب الرئيس لهذه الازمة هو عدم قدرة الفرد استيعاب ان لكل مرحلة خصائصها، فمرحلة المراهقة تختلف عن الطفولة وكذا الحال بالنسبة للشباب، وهذا الانتقال بين المراحل يرافقه تحول في الاعتماد على النفس مادياً ومعنوياً، وضرورة الاستقلال هي من تسبب ضغط مجتمعياً عليه مما يحدث هزة نفسية له وبالتالي حدوث الازمة.

اهم ما ينصح به الخبراء في مجال الصحة النفسية لتجاوز ازمة ربع العمر هي، محاولة الافراد الذي يعانون من الازمة ان يقتنعوا بما لديهم والتأني والرضا بالنصيب مع مواصلة التنافس الشريف وترك الاجهاد المبالغ فيه فالحياة ليست سباقاً وكل منا له امكانياته وقدراته ومهاراته وهي من تعود عليه بكم من الميزات والكفاءات وبذا يمكنه الحفاظ على قدر من السعادة في حياته.

كما ينبغي عليه التخلي عما سيحبطه ويبقيه في تلك الأزمة فلا يجب أن يبقي نفسه سجينًا لأيٍّ من تلك العوائق التي نالت منه نفسياً وجسدياً وفكرياً وجعلت منه انسان عاجز خامل بليد.

ويتطلب احياناً من الشخص مواجهة نفسه والسعي للتغيير وبناء حياة جديدة بعيداً عن التردد فلكل مرحلة معطيات تتغير من خلالها الشخصية لعدة مرات وصولاً الى النضج الكامل في الشخصية.

ومن الضروري ان يبحث ان الانسان عن الشغف والحب للعمل والوظيفة فمعظم الشباب يقعون في الازمة كونهم يتعاملون مع اول وظيفة يشغلونها بعد تخرجهم من الجامعة على انها وظيفة العمر التي صعب تبديلها او تركها لاستحالة الظفر بالبديل وهذا التصور والخوف غير حقيقي ولا منطقي فالتجارب الجديدة تمنح خبرات أكبر وتمنح الشاب فرصة الوصول إلى الوظيفة التي يجد شغفه فيها.

ويجب ابعاد هاجس مرور الايام الذي يلاحقنا والخوف من ضياع الحياة دون تحقيق ما نريد والانشغال بالقلق حول المستقبل، فمن المهم تحرير أنفسنا من هذا القلق المهلك وعدم الاكتراث لما يحدث بعد سنوات فالسفينة لها من يسيرها وما علينا سوى اخذ مكان مميز بين جنباتها وبذا يمكن ان نعتبر أنفسنا اناس اسوياء فاعلين ومنتجين في المجتمع الذي يكتنفنا.

اضف تعليق