إنسانيات - علم نفس

كيف يكتشف المرء نرجسيته؟

كان اكتشاف فرويد لمفهوم النرجسية واحداً من اكتشافاته الكبرى، على الرغم من أن فرويد بتفسيره المفهوم على أساس الإطار المرجعي لنظرية اللبيدو قد ضيّقه. ووفقاً لفرويد على المرء أن يتحدث عن النرجسية الأولية حيث لا يزال كل اللبيدو في الأنا ومن ثم في الهو، وبعدئذ تُرسل النرجسية إلى شيء في الخارج. فإذا أعيدت النرجسية بعد ذلك إلى الأنا أو الهو من جديد، فإنك تتحدث عن النرجسية الثانوية. ورؤية فرويد هذه مفهوم شديد الميكانيكية، كما هي النظرية الكلية للبيدو. وإذا حرر المرء مفهوم النرجسية مثل بعض مفهومات فرويد الأخرى من مفهوم اللبيدو، وإذا استخدم المرء اللبيدو كما استخدمه يونغ في الواقع بمعنى أوسع بكثير ليكون الطاقة النفسية، فسيتبين أن مفهوم النرجسية يكاد يكون واحداً من أهم المفهومات التي اكتشفها فرويد في أي وقت.

ووفقاً لفهمي، فإن الشخص النرجسي هو الشخص الذي لا يكون الواقع عنده إلا الذي يجري ذاتياً. فأفكاره وأحاسيسه وما إلى ذلك يراها حقيقية؛ وتمثّل الواقع. ولذلك فالطفل الصغير يكون نرجسياً إلى أبعد الحدود لأنه في الأصل لا يوجد عنده واقع في الخارج بعد. والمريض الذُّهاني نرجسي متطرف لأن واقعه الوحيد تشكله تجاربه الداخلية. وجُلّنا نرجسيون إلى هذا الحد أو ذلك، أي أننا منجذبون قليلاً أو كثيراً إلى ألاّ نحسب حقيقياً إلا ما هو في داخلنا، لا ما يشير إلى شخص آخر. وأعتقد بالنسبة إلى فهم الإنسان، أي إلى فهم أنفسنا، أن فهم النرجسية من أهم الأمور، وأنها لم تجد الاهتمام حقاً، حتى في التحليل الأُرثوذكسي.

وعليّ أن أشرح بوضوح أشد قليلاً هذه النرجسية على أساس تجربتنا. ولنقل إنك كتبت مقالة صحفية أو إنك تكتبها الآن وتقرأ مسوّدتك التي تقع في صفحتين. وتعتقد أنها مدهشة، وهي ضعيفة. وتُريها لصديقك وتكون متألماً من الأعماق عندما لا يظن الصديق أنها أعظم شيء في القرن. وتقرؤها مرة أخرى في اليوم التالي وتفكر: "ماذا، إنها لا معنى لها، وهي لا شيء، وهي سيئة التأليف، وغير واضحة." والتفسير هو إنه من الواضح أنك عندما كنت تكتب كنت في حالة نرجسية. والحالة النرجسية تعني هنا أن كل شيء يخصّني ـ فكري وشعوري وجسدي وميولي ـ إن كل ذلك هو حقيقي، وبقية العالم التي لا تتعلق بي ليس حقيقية، ليس لها لون، غبشاء، وليس لها وزن. فأنا أقيس بمقياسين مختلفين كل الاختلاف: ذلك الذي هو لي، ويعود إليّ، وهو رأيي، المكتوب بحروف كبيرة، وذلك هو اللون، وذلك هو الحي. وأشعر لأنني أقول ذلك أجعله حقيقية، وليس عليّ أن أملك البرهان. فأنا مشغوف بنفسي، أي بعملي، بأفكاري. ولكن ما هو في الخارج فإنه لا يخلق أي انطباع، وأكاد لا أشعر به.

والمثال التالي متكرر كثيراً، وهو في الحين ذاته مثال جيد على السمات الأخرى للنرجسية. خذ على سبيل المثال رجلاً متزوجاً ويحتاج إلى أن تكون لـه علاقات غرامية عديدة. إنه يتوقع أن تكون زوجته مبتهجة عندما يأتي ويخبر زوجته عن كل الفتوحات العجيبة التي قام بها. وهو يأتي إلى المحلل ويقول: "انظر، إنها لا تحبني، لأنها بدلاً من أن تكون سعيدة بخصوص فتوحاتي ومهتمة بما أقوم به وكيف تقع الفتيات الكثيرات في حبي، لا تُبدي أي اهتمام." وتُظهر الحجج السخيفة لهذا الرجل كيف أنه لا يعيش إلا تجربة نفسه، ما يتعلق به، أي هو سعيد جداً لأنه يحتاج إلى ذلك النوع من الشيء، ولكنه عاجز تماماً عن رؤية واقع زوجته، أي أنه من الطبيعي تماماً ألا تكون سعيدة بذلك. ولو كان من شأنها أن تقعد ثمت وتستمع إلى قصصه وهي شديدة الابتهاج بها لكانت عُصابية لأنها كانت ستتصرف مثل أم وتنظر إلى الرجل كأنه صبي صغير يخبرها بمغامراته، وكم مباراة ربحها في كرة القدم.

والشخص النرجسي يعيش على تغذية نرجسيته. والنرجسي شخص مضطرب للغاية لأن كل مشاعره ليس لها أساس، وليس لكل هذه الأشياء أساس في الواقع. إنه ينشئ عبارة ولكن هذه العبارة لم تُنجز بعدَ تفكرّ، ولم ينجزها تفّطن، أو عمل، أو تماسّ بالمادة، بل ببساطة لأنه ينشئها. إنها عبارته ولأنها عبارته فهي صحيحة. ولكنه في أمسّ الحاجة إلى أن تتأكدّ نرجسيته لأنها عندما لا تتأكد يبدأ الشك في كل شيء. إذن من هو؟ فإذا كانت عبارة النرجسي صحيحة لأنها عبارته، فإنه لا يستطيع أن يتراجع ويقول: "طيب، سأنشئ غيرها في مرة قادمة."

وعلى سبيل المثال: إن شخصاً قال في إحدى الحفلات شيئاً ما، إنه قد يكون شديد الذكاء، وقد كان محطّ إعجاب دائماً. ثم قال شيئاً فيه غباء، أو ارتكب خطأ واكتشفه الناس. قد لا يكون الأمر بذلك السوء، ولكنه سيقع في اكتئاب عميق. إن درعه قد تمّ اختراقه، لأنه يفقد الإيمان بروعة كل شيء يعمله. وبما أن وجوده الكلي، أمنه الكلي، ليست لـه جذور إلا في اقتناعه، اقتناعه الشخصي، فإذا التقى شخصاً انتقده أو نظر إليه بخيبة أمل، فإنه يشعر بأنه مهاجَم. وعندئذ يتمّ اختراق نظامه الكلي من الاعتقاد بالذات وتضخم الذات وسيصاب بالاكتئاب الشديد أو يستشيط غضباً.

وليس هناك استشاطة غضب أشد من إيذاء نرجسية الشخص النرجسي. إنه سوف يغفر كل شيء إلا إيذاء نرجسيته، وذلك بالفعل أمر على المرء أن يتذكره دائماً. ويمكن أن تفعل مع النرجسي أي شيء تقريباً، ولكنك إذا اخترقت نرجسيته أو آذيتها فسيصاب بالغيظ وسواء في ذلك إظهاره وإخفاؤه، وسيكون لديه شعور بالرغبة في الانتقام لأن ذلك يكاد يشبه قتله.

والناس الذين هم نرجسيون جداً كثيراً ما يكونون جذابين جداً لأن الشخص منهم شديد التمكّن من نفسه. وهم ينزّون بالثقة بالنفس. والنرجسي جذاب، ولنقل إن الفتاة تقع في حبه وتُعجب به لأنه متمكّن من نفسه كثيراً ـ ولا أحد متمكّن من نفسه مثله. وإذا لم يكن الشخص نرجسياً فإنه لا يستطيع أن يكون واثقاً بنفسه، وبأي شيء. وبعد بضعة أشهر تعتقد أنه مخطئ في أمر ما وتنتقده. وفي هذه الآونة فإن السبب الكلي الذي يجعله يحبها هو : أنها أُعجبت به أكثر مما أعجبت الفتيات الأخريات. وذلك هو الخيار غالباً، فهناك منافسة الإعجاب، وهكذا كانت أكثر المعجبات به والآن تقوّض الوضع كله بانتقاده. وذلك يعني عنده: "إنها لا تؤمن بي، إنها خطرة، إنها تهديد." وسيكون لـه أي نوع من رد الفعل: فقد يكون شديد البذاءة بحيث لا تجرؤ على تكرار ذلك، أو قد يهجرها، والشكوى المألوفة هي أنها لا تفهمه. والشكوى من أن ذلك الطرف لا يفهم الطرف الآخر هي الشكوى النموذجية، ولاسيما بالنسبة إلى النرجسيين، لأنهم يعتقدون أنهم غير مفهومين.

* مقتبس من كتاب: فــن الإصــغاء-إريك فروم

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق