يعامل احدنا مع الاخرين عموماً بثلاث اساليب اساسية، اما ان يكون اسلوب عدواني نتيجة لأثارة معينة تقع الشخص فيندفع الى الشجار بالأيادي او التهديد والوعيد بصوت مرتفع مع لهجة عدائية بحته، والعدائية متمثلة بلوم الناس واشعارهم بالذنب بقصد اخضاع اطراف النزاع لنا تريد، والاسلوب الثاني هو السلبي الذي يجبرك المحيط عليه لتحقيق ما يريدون هم فتتصرف كما يُطلب منك بغض النظر عما تشعر به او تفكر فيه، فتصبح مستغلاً وقد يترتب على هذا الاستغلال خزين رهيب من المشاعر المؤلمة بالإضطهاد والظلم والحزن والاكتئاب والقلق والغضب المكتوم، ثالث الاساليب وانجحها واكثرها صدقاً مع النفس والمحيط هو الاسلوب التوكيدي والذي سنفرد حيزاً للحديث عنه في مقالنا هذا.

اذ يتعامل مع الجميع بثقة مطالباً بحقوقك ومعبرا عن مشاعرك الحقيقية ومانعاً الناس من امتطائك واستغلالك مع الحرص على عدم التعدي علي حقوق الآخرين مع احترام مشاعرهم وأفكارهم وابر ما يميز الاسلوب التوكيدي هو الحصول على ما تريد من دون الشعور بالذنب او الإنسحاب من المواقف الحرجة، ودون مهاجمة الآخرين او توبيخهم.

يعرف السلوك التوكيدي على انه "التمسك بثبات بحقوقك الشخصية المشروعة والتعبير عن افكارك ومشاعرك ومعتقداتك بطريقة مناسبة والرسالة الرئيسية التي تحاول ان توصلها من خلاله هي: (هذا ما أفكر به، هذا ما أشعر به، وهذا ما أراه في هذا الموقف)"، بمعنى ان الانسان عبر هذا الاسلوب يقول ما يفكر ويشعر به ويعتقده ببساطة ووضوح ودون محاولة السيطرة علي الآخرين وفرض الرأي عليهم او اهانتهم او التقليل من شانهم.

من اهم الاسباب التي تدعوا الانسان الى التصرف بطريقة توكيدية هو لتحقيق الاحترام الذاتي مما ينعكس على ثقة افرد بنفسه في هذا السياق أكدت دراسات علمية عديدة الي ان صورة الفرد عن ذاته (مفهوم الذات) قد تتحسن بعد ان يتقن الفرد توكيد الذات.

فوائد السلوك التوكيدي تكمن في انه يقلل حاجة الفرد الى طلب استحسان الناس أو إرضائهم بأي وسيلة على حساب سعادته او راحته هو نفسه، بالإضافة الى ان المجتمع يحترم الانسان الذي يحترم نفسه ويمتلك شجاعة التمسك بحقه دون التدخل في افكار الآخرين ولو تأملت الناس حولك لوجدت إننا نحترم من يتصرف بوضوح وصراحة وبطريقة عادلة معنا.

كما انه يسهم في خلق احساس بالراحة والامن النفسي الذي سيصبح مهدداً لو تراكمت المشاعر والافكار السلبية، ومن خلاله ايضاً يمكن للانسان أن يحافظ على مصالحه وحقوقه ويستطيع تحقيق أهدافه، ويعطي انطلاقا في مجالات الحياة من الناحية السلوكية وأيضا الفكرية بعد أن يتم التخلص من الأحاسيس والمشاعر السلبية المدفونة.

اما المهارات التي تستخدم في السلوك التوكيدي فهي: تقبل الذات بمحاسنها ومساوئها بإيجابياتها وسلبياتها والوعي بحقيقتها كما هي بكل واقعية وتلقائية وموضوعية، وتعلم كيفية تقديم النفس للأخرين بصورة ذكية، وتعلم الفرد كيفية القيام بالنقد البناء الرامي للاصلاح، كما تعود الفرد معرفة قول (نعم ولا) بشكل واضح ومن دون تردد او محاباة فارغة، وتساعد على امتلاك الشجاعة لطلب امر ما يبدوا ضرورياً، كما يعلم الانسان التحكم بوعي بالأفكار السلبية وتجنب اثارها المحطمة نفسياً.

ويعلم الاسلوب التوكيدي الفرد الرد على الانتقادات والقدرة على التعبير عن المعتقدات والقناعات والاختلاف بطريقة واضحة، كما انه يسهم في التخلص من التوتر والقلق عند مواجهة الاخرين بوجهات النظر او الآراء أو الأفكار، كما يحفز الانسان على النجاح واتخاذ الحلول واقتراح المبادرات والتعبير عن الغضب والاستياء بدون عدوانية علاوة على تحسين العلاقات مع الأخرين ووضع اهداف واقعية قابلة للتطبيق.

خصائص اللغة اللفظية لصاحب السلوك التوكيدي تتمثل بالآتي: يستخدم كلمات إيجابية تعكس تحمله للمسؤولية وتفاؤله وإرادته في التفاعل البناء مع الأخرين وليس رفضهم ومعاداتهم، كما ان كلامه يتصف بالتلقائية والصدق والمباشرة حول ما يقصد او مايريد ايصاله، وعادة ما يستخدم ضمير المتكلم (انا) في التعبير عما يدور في خاطره من جهات نظر ومواقف وقيم واختيارات ومشاعر مما يدلل على شجاعة وقوة شخصية علة عكس من يتكلمون بضمير (نحن) الذين يلوذون حول جدار الجماعة كي لا يتعرضوا الى الضد المخيف بالنسبة إليهم.

في الختام نقول ان استخدام المنهج او السلوك التوكيدي بمثابة تأصيل نمط حياة فعال ومحترم ومبتعد عن النفاق والتعامل بأكثر من طريقة بدافع الخشية من مواجهة الاعوجاج، مما يسهم في بناء الفرد والمجتمع الإنساني عموما بناءً رصيناً وواقعياً.

اضف تعليق