للمهنة التي يمتهنها الانسان علاقة وطيدة بشخصيته، فلم يكن اختيار المهن عشوائياً ابداً بل لسبب جعله يفضل هذه المهنة عن تلك والتفضيل مرجعه نفسي حتماً، فكل منا يختار مهنة يعتاش منها طوال حياته ولابد ان هذه المهنة تضفي عليه راحة نفسية او تجعل فاخراً بها، او انه يمتلك قدراً من الارتياح حين يمارسها او يشعر انها تنفعه ومجتمعه، وهذا الذي يجعل للحياة معنى ويجعل للإنسان نفسه قيمة حيث يمثل اهم ادواره الاجتماعية في الحياة ولأجل هذا الغرض برزت الحاجة الى الارشاد المهني.

يعرف الارشاد المهني بأنه الخط الذي يرسم للأفراد لمساعدتهم على اكتساب المعرفة والمعلومات والمهارات والخبرة اللازمة لتحديد الخيارات المهنية وتضييق نطاق اتخاذ قرار مهني واحد، وهذا القرار المهني يؤدي إلى تحقيق رفاههم الاجتماعي والمالي والعاطفي.

ويعرف ايضاً على أنّه العملية التي يتبين من خلالها الفرد حظوظه في النجاح على الميدان سواء في دراسة معينة، وفي مستوى محدد أو في تخصص مهني معين، وفي درجة ما من التأهيل.

ولان الانسان سيما في مراحل عمره الاولى قد يجهل ما ينفعه من مهن او قد يتأثر بمهنة احد لأنه قريب منه نفسياً ربما، ففترة المراهقة تمتاز فيها شخصية الانسان بمحاولة تجريب كل ما يراه او يسمع به، والإنسان في هذه الفترة سهل الانقياد وعلى عمى ودون وعي للاختيار، لذا جاء دور الارشاد المهني ليساعد التائهون في هذه المرحلة العمرية من اختيار المهنة التي تناسب قدراته النفسية والجسمانية والمكانية والزمانية وتناسب ايضاً حاجة المجتمع لهذا التخصص او ذاك.

الحاجة الى الارشاد المهني متأتية من تنوع الفروق الفردية بين الناس في الإمكانات والقدرات والميول والاستعدادات و التقدم العلمي و التقني الذي يشهده العصر مما زاد في عدد المهن و انواع التخصصات الدراسية ونوع في فرص العمل بشكل كبير جداً، لذا يعتبر ضروري لرفع انتاجية الانسان وتحقيق الجودة في العمل اضافة الى تجنيب الانسان لما يعرف بـ(الاحتراق الوظيفي) الذي يصيب الفرد في حال فرض عليه العمل في مكان عمل لا يحبذه ولايرى نفسه فيه.

فأهداف الارشاد المهني مزدوجة ترمي بأتجاه فائدة المجتمع من خلال توظيف الفرد المناسب في المكان المناسب من جهة، ومن جهة اخرى ترمي بأتجاه الاستثمار الامثل لما يملك الانسان لكي لا يكون اختياره لمهنة معينة بداعي التقليد غير الناضج وهو ما يتسبب في فشله في مهنته او كره لها لاحقاً وبالتالي يتحول الى الة تنتج دون ان تختار طريقة عملها اي تصبح اداة للتنفيذ فقط، فلو وظفوا اعضاء المجتمع في وظائف تناسبهم وتعود عليها بالرحة النفسية سيكونون عاملين متقنين و راضيّن مهنياً و منتجين سعداء لان قرار اختيار المهنة من اهم قرارات الحياة واصعبها.

للتنويه ايها القارئ الكريم ان الارشاد المهني من اقدم مجالات الارشاد النفسي ومن اهم مجالات علم النفس اساساً حيث يعتبر الارشاد برمته احد ابناء علم النفس، فقد بدأ بالظهور حين ظهرت الحاجه الى المزاوجة بين الفرد و المهنة التي يعمل بها، ومحور عملية الارشاد المهني الفرد نفسه لكن المرشد هو من يقوم بتصويب اختياره بعد ان يختار هو مهنته المستقبلية التي سيؤهل نفسه لها ويدخلها برغبة وحب وهذا ما يجعله يتكيف معها تكيفاً سليماً، الا انه هذا المجال المهم مهمل في الكثير من البلدان العربية عموماً والعراق على وجه الخصوص لجهل الناس به وبعلم النفس بالأساس وماذا يقدم هذا الفرع من العلوم الانسانية الجليلة للانسان وبماذا يسهم في سبيل خدمة النفس الانسانية وتطورها ونموها نمواً فعال .

ومن الاسس المهمة في الارشاد المهني التي يراد افهامها الى الناس هي: احترام رغبة الفرد وعدم قمعها في اختيار المهنة المناسبة شريطة ملائمة المهنة لمهاراته وامكاناته، وحث الافراد على الموضوعية والعلمية في اختيار مهنهم بدلا من الطموح والاحلام التي لا تستند إلى أساس واقعي، كما من المهم النظر الى كل فرد بأنه ذو كيان مستقل ومختلف ومتميز على الرغم من تشابه البشر في الصفات الشخصية العامة، ويعمل الارشاد المهني مساعدة الأفراد معرفة مصادر قوتهم وضعفهم عند اتخاذ القرار المناسب لاختيار مهنهم، ومهم الا يختار الفرد مهنته كردة فعل على نجاح غريم في مجال معين او ان يختار المهنة عن طريق تقليد لاحد الناجحين في مهنة معينة، وضروري جدا ان يكون اختيار المهن لتحقيق غاية الفرد وتلبية مطالب المجتمع ونموه الاقتصادي والاجتماعي والتربوي وغيرها.

في الخلاصة نقول: من الاهمية بمكان ان يفعل دور الارشاد المهني سيما للإفراد الذين يقبلون على تخصص دراسي جديد او مرحلة عمل جديدة لان الاختيار تحت مغريات الناتج المادي من المهن او التقليد لآخرين قد نجحوا سابقاً لا يعني بالضرورة ان ينال نفس الدرجة من النجاح بالنسبة للاحقين وهو ما يؤثر في مستقبل مهنة الانسان ومكانته الاجتماعية وعائده الاقتصادي.

اضف تعليق