إنسانيات - علم نفس

فيروسات ثقافية!

مع كل ما لديكم من تعاريف للثقافة، فأن أصدق وصف لها أنها "سائق السلوك"، ففي داخل كل واحد منا يوجد "مركز سيطرة ثقافي" هو الذي يحدد تصرف الفرد ويوجّه سلوكه، ويمكن تشبيه "مركز السيطرة الثقافي" هذا بالبرنامج الذي يتحكم بعمل الحاسوب. وفي سياق هذا التشبيه، فان ما يربك عمل الحاسوب هو أن يتلوث بـ(فيروس).

ومثل هذا يمكن أن يحصل للمثقف أيضا. فقبل أربع سنوات كان فيروس الدكتاتورية قد شطر المثقفين بين من هرب خارج الوطن، ومن انكفأ على نفسه، ومن أمسك بـ(بشعرة معاوية) في تعامله مع الثقافة والطاغية، وبين من تلوث بفايروس السلطة.

ومع أن فايروس الدكتاتورية أبيد تماما، فأن التغيير في 9/4/2003 أشاع من لحظتها ثقافة جديدة أسمها " ثقافة الضحية ". فالشيعة والأكراد أشاعوا بين ملايينهم -بسيكولوجية المظلومية- أنهم كانوا ضحية النظام الدكتاتوري السابق. والسنّة أشاعوا بين ملايينهم أنهم صاروا ضحية النظام الديمقراطي الجديد!.

واصبح الكل يرى في نفسه أنه " ضحية " ويرى في الآخر أنه " جلادّه ". وأفرخت " ثقافة الضحية " هذه عن فيروس أسمه " الانتقام " ينفرد بثلاث خصائص هي: سرعة العدوى، وشدة الفتك، والهوس العصابي الذي يدفع صاحبه قسرا الى أن يكون قاتلا أو مقتولا !. ولم يصب هذا الفيروس فقط العامة من الناس من ذوي جهاز المناعة الثقافي الضعيف، بل أصيب به الكثير من المثقفين، بين ظاهر عليه وكامن فيه.

ولقد التقى هذا الفيروس الجديد "الانتقام " بفيروس قديم كامن في مخزن قهرنا. ذلك أننا ورثنا من يوم امتلك معاوية السلطة الى يوم انتهاء آخر طغاتها، "بارانويا" مستقرة في لاشعورنا الجمعي، من ألف وأربعمائة سنة! هي أن " ثقافة الآخر خطر علينا "، بوصفها هدّامة أو ملحدة أو رجعية...وهي أوصاف تحمل ضمنا فايروس الانتقام.

غير أن هذا الفيروس كان في زمن الأنظمة الأربعة (الأموي والعباسي والعثماني والبعث) موجها ضد من يعادي السلطة، فيما هو الآن حالة هوسية أو جنون عام بين الناس، يستهدف الشخص حتى على أسمه ما اذا كان " عمر " أو " علي " أو " جورج " أو " كاكا سيروان"، في حالة الكل فيها بين قاتل وقتيل !. والمصيبة أن ما لدينا من " لقاحات " لقتل ما بنا من فيروسات، صارت فاسدة !. وأن دفاعاتنا ضد فيروسات الثقافة الوافدة، قد انهارت... إلا من ربايا يتخندق فيها مثقفون محصّنون مؤمنون عن يقين بأن صباحات الثقافة البهي حتما. ونرجو أن يكون إيمانهم كأيمان " نلسن منديلا " لا شبيها بأيمان العجائز!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1