من عيوبنا أننا نميل الى التطرّف في الحكم على الأمور والناس، فإذا أعجبنا بشيء أو شخص مثلا نصعّده الى السماء وإذا كرهناه مسحنا به الأرض "ولعنّا سلفه سلفاه ". وأننا حين يبلغ أحدنا الخامسة والستين ويحال على التقاعد، أوحينا له نفسيا بأنه وصل المحطة الأخيرة وأن انتظاره قطار الموت مسألة وقت ليس إلا، فيتلقى بذلك أول " كفخه – سطرة " يفهم منها أن " التقاعد " لا يعني قولا جميلا مثل: شكرا على خدماتك الجليلة للمجتمع الذي جاء دوره ليقول لك استرح وتمتع بحياتك.

إنما يعني له في نظر الآخرين أنه صار عديم الفائدة و" خارج نطاق التغطية "، فنعمل نفسيا ليس فقط على تسّريع الشيخوخة بل على استعجال الموت لمن بلغ الستين. عكس العالم تماما، الذي يعمل على إطالة عمر الإنسان بعد إن اكتشفت فرنسا " إنزيما " يجعل الشيخوخة تبدأ في الثمانين، ووعد علمي بأن عمر الإنسان سيكون في المستقبل 400 سنة، فيما نعده نحن بالموت قبل أوانه، مع أنه عاش مثل عمر المدعو " جبر.. من بطن أمّه للكبر!".. وهو مثل لحكاية عراقية عن عراقي دعاه صديقه بريطاني لزيارة لندن في آب اللهاب في بغداد. وكانا يتمشيان في مقبرة بلندن، فرأى جبر أمرا غريبا هو أن القبور مكتوب عليها أعمار المتوفين بالسنين وكلها صغيرة تتراوح بين خمس الى عشرين سنة.

فسأل صديقه الإنكليزي فأجابه أن العمر هنا لا يعني العمر الذي عاشه المتوفى فقد يكون سبعين سنة، لكن قبل أن يموت الشخص يسألونه: كم سنة من عمرك استمتعت فعلا بحياتك ؟ فيجيبهم: عشر سنوات مثلا فيكتبونها على قبره. عندها ضحك جبر ساخرا من حياته وقال: إذن أنا حين أموت سيكتبون على قبري: "جبر..من بطن أمه للقبر !".".

وأذكر أنني عملت فاحصا للنصوص الدرامية التلفزيونية فاستوقفني حوار بين امرأتين تسأل إحداهما عن عمر الذي جاء بخطبها وكان أربعين، فتجيبها محذّرة : " لا عيني لا، ما تكليلي شباقي بيه، هذا رجليه على باب كبره ". سألت كاتب النص عن عمره فأحاب : 45 فقلت أمازحه : لكنك تقول عن الذي يصل الأربعين بأن رجليه على باب قبره، وأنت 45 وما تزال عيناك تلاحق بنهم هذه وتلك من الممثلات!.

أجابني : أكتب ما يعتقده الناس. وهذا صحيح. فمجتمعنا العربي متخم بالخرافات ومنها خرافة من يصل الستين يكون من "الميتين"، فيما الحقيقة السيكولوجية تقول إن الشيخوخة يمكن أن تكون سعيدة لصاحبها اذا ظل يعمل في نشاطات لها معنى عنده حتى لو تخطى الثمانين. فرائد جراحة القلب ما يكل ديبكي ظل يجري عمليات جراحية دقيقة وهو في الخامسة والتسعين. وبيكاسو ظل يعجن الطين وينحت وينتج أكثر من الفنانين الشباب وهو في أواخر ثمانيناته. وفرويد ظل يكتب بإبداع ونشاط وأنتج " موسى والتوحيد " وهو في الثالثة والثمانين. والآخرون المبدعون في تاريخنا العربي والكردي والإسلامي تعرفونهم أكثر مني.

وكنت اقترحت على وزير التعليم العالي السابق الأستاذ سامي المظفر، بوصفي رئيس رابطة أساتذة جامعة بغداد، أن لا يحال الأستاذ الجامعي على التقاعد إلا من يطلب هو ذلك، لأن الأستاذ حين يبلغ الستين يكون في قمة نضجه العقلي وأوج عطائه الفكري. ورجوته استبدال مفردة " الأستاذ المتقاعد " بـ" الأستاذ القدوة " أو " أستاذ الشرف " أو " الأستاذ المتفرغ ". وأن يبقى على اتصال بقسمه العلمي في التدريس والإشراف والاستئناس بالرأي.

نأمل من وزارتي التعليم العالي في بغداد وأربيل تبني هذا المقترح وطرحه على وزراء التعليم العالي في الدول العربية لمناقشته. واعادة النظر بفلسفة التقاعد فيما يخص الأستاذ الجامعي الذي يصل في الستين الى مرتبة " عالم ". فـ" العلم " هو الوسيلة الأكيدة التي تجعلنا نلحق بالركب الحضاري الذي نحن الآن في آخره، بعد أن كنّا في المقدمة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0