نشر فريق من الأطباء النفسيين من داخل العراق وخارجه دراسة بعنوان: (The Iraqi National Study of Suicide: Report on Suicide Data in Iraq in 2015 and 2016) شارك فيها كل من الدكاترة :( محمد جمعه عباس، نصيف الحميري، عماد عبد الرزاق، شاكر نعوش، وباحث بريطاني).

وتمثل هذه الدراسة جهدا علميا كبيرا يستحقون عليها الشكر والثناء والتقدير كونها استهدفت أخطر ظاهرة تعرض لها الشباب والشابات بوصفهم اهم وأوسع شريحة اجتماعية في العراق. وتمتاز هذه الدراسة بالمنهجية العلمية العالية والدقة في تحليل البيانات الإحصائية، فضلا عن الجهود الكبيرة التي بذلها فريق البحث للحصول على المعلومات، والصعوبات التي واجهوها من مصادرها المتمثلة بالسلطات القضائية ومراكز الشرطة وعوائل المنتحرين.

ولأن الدراسة منشورة باللغة الانجليزية في مجلة علمية متخصصة (Journal of Affective Disorders)، ما يعني ان العالم سيأخذ فكرة عن (الانتحار) في العراق من فريق علمي متخصص ومعتبر، فان الصادم فيها انها خرجت باستنتاج رئيس هو أن نسب الانتحار في العراق اقل منها عالميا (the suicide rate in Iraq is lower than the global rate)!..ما يعني ان العراق بخير اذا ما قورن بنسب الانتحار في السويد او النرويج مثلا.

لنقدم اولا عرضا مركزا لخلاصة دراسة زملائنا الأطباء النفسيين المشهود لهم بالخبرة والمستوى العلمي الراقي والمهنية المنهجية.

تبدأ الدراسة بالقول بأنه لا يعرف الا القليل عن الانتحار في العراق، وأنها اعتمدت في بياناتها على سجلات الشرطة وتقارير عائلية واخرى خاصة بتحليل حالة الانتحار، وأنها شملت ثلاث عشرة محافظة من وسط العراق وجنوبه.

وتوصلت الى ان هنالك (647) حالة انتحار في العراق لعام 2015، بمعدل حالة واحدة لكل 100000، وبمعدل (1،21 للذكور, و 0،97 للأناث )، مقابل (1،31 للذكور و 1،07 للأناث) للعام 2016، وان 67,9% كانت بين الاعمار 29 سنة فما دون. وتوصلت الى ان وسائل الانتحار الأكثر شيوعا كانت هي الشنق (41%) تليه قتل النفس برصاصة (31%)، تليهما الحرق بنسبة (19%). وان (54%) منهم لم تكن لديهم محاولات انتحار سابقة. واشارت الى ان 24% منهم يعانون اضطرابات متعلقة بالطب النفسي psychiatric disorders، وان الاضطراب الأكثر شيوعا بينهم هو الاكتئاب بنسبة (54%)، فيما كانت نسبة الانتحار لسبب اقتصادي (12%).

ظاهرة الانتحار أكبر من ان تستوعبها دراسة

لا يمكن لأية دراسة علمية ان تقدم صورة كاملة لظاهرة الانتحار لاسيما في المجتمعات الشرقية والاسلامية، ليس فقط لتعقد أسبابها بل ولأن الباحث فيها لا يمكن ان يصل الى حقائق تخفيها عنه عوائل المنتحرين وأصدقاؤهم ومراكز الشرطة والمؤسسات الطبية المعنية بالأمر. ولا يعنينا هنا الجانب العلمي للدراسة الذي استوفى شروطه المنهجية، انما الذي دعانا الى كتابة هذه المقالة هو ان دراسة زملائنا الأطباء النفسيين نشرت بمجلة اجنبية، وان منظمة الصحة العالمية والمنظمات المعنية المرتبطة بالأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني العربية والعالمية، والقارئ الأجنبي بمن فيهم الأطباء النفسيون.. سيخرجون بانطباع ان الانتحار في العراق اقل من معدلاته في اوروبا، وان أهله لا يحتاجون الى مساعدات اقليمية ودولية للحد منه، بل ان الحكومات العراقية بعد التغيير ستعتمدها شهادة من علماء الطب النفسي بان معدلات الانتحار في زمنها هي اقل حتى من بلدان عربية تتمع بالاستقرار.. وهي بالضد تماما من حقيقة ان ظاهرة الانتحار في عراق ما بعد 2003 تعدّ كارثة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخه.

ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الأحصاء والثاني.. يعتمد الأحصاء ايضا ولكنه يحكّم المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق. والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ(quantities study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية)..اعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا.

والمؤسف ان التزامها الحرفي بالارقام دفعها الى ان تقول انها لا تمتلك ارقاما عن معدلات الانتحار في العراق قبل 2003 لتحكم ما اذا كانت قد ارتفعت معدلاته بعدها، وهو تبرير صحيح ايضا لأن الانتحار في العراق ما كان يشكل ظاهرة، فيما المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003، اليكم نماذج منها:

* نشرت مفوضية حقوق الأنسان تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق حددتها بـ(439 )حالة مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع 119 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة و16 بالمثنى و15 في ميسان و12 في واسط،،فيما كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام الجاري وحتى نهاية شهر آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز ،ايار 2013).

* اشارت إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أنها سجلت في العراق 633 حالة إنتحار خلال عام 2013 لوحده، بزيادة وصلت 60 في المئة عن عام 2012.

* خلية ازمة الانتحار في محافظة ذي قار، كشفت عن تسجيل مناطق المحافظة 26 حالة بشكل عام منذ بداية عام 2017، فيما سجلت احصائيات العام 2016 حالة انتحار واحدة اسبوعياً، وأن معظمهم من المتعلمين.

* سجلت جمعية "الأمل" لحقوق المرأة في محافظة كركوك، 20 حالة انتحار خلال شهر واحد داخل المحافظة.

* افادت وزارة حقوق الإنسان بأن أحد الباحثين أجرى في 2015 دراسة عن الظاهرة لمدة 11 شهراً سجل خلالها أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار في مدينة كربلاء غالبيتها بين الفتيات الشابات والمراهقات.

* في عام 2016 سجلت دائرة النجدة 251 حالة انتحار، منها 128 حالة في بغداد وكانت نسبة انتحار النساء أكثر من الرجال.

* شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في نسب الانتحار، خصوصا بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016).

* نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بواقع 199 حالة في 2013(القدس العربي). وفي تصريح حديث للقضاء العراقي فان بغداد وكربلاء وذي قار تصدرت حالات الانتحار للعام الماضي بواقع 22،23،38 حالة على التوالي (الحرة عراق،5/7/2017).

* اثار تزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات في محافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية إلى التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحدّ من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى).

* حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

* وسام (25) سنة خريج كلية، احرق نفسه ليلة تزوجت حبيبته من رجل ميسور!،و(س) في الثامنة والثلاثين، انهى حياته بطلقة من مسدسه في مدينة الشطرة، و(ص) في التاسعة والثلاثين القى بنفسه من فوق منارة مسجد في مدينة البطحاء!، و..عشرة شباب انتحروا بشهر واحد في ذي قار! (الشرقية 31 تموز 2017).

تلك نماذج من حقائق تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق شكلت ظاهرة اجتماعية خطيرة في عراق ما بعد 2003.

تغييب الفقر والبطالة ومحنة النازحين

وملاحظتنا النقدية الرئيسة على الدراسة والتي نهدف منها الى لفت انتباه الرأي العام العالمي لمحنة شباب العراق بشكل خاص، انها افادت بأن نسبة العامل الاقتصادي بوصفه احد اسباب الانتحار كان Financial problems 12.4%) )،فيما الواقع يقول ان البطالة في قطاع الشباب، والفقر (الشعبي)، والنزوح تعدّ أهم ثلاثة أسباب للأنتحار ينفرد بها شباب العراق لدى مقارنتهم بشباب دول اوربا التي يعزى الانتحار فيها لأسباب سيكولوجية بالدرجة الأولى. فالتقارير الرسمية العراقية وتصريحات مسؤولين تعترف بان معدلات البطالة بعد التغيير سجلت ارقاما قياسية على صعيد العراق والدول العربية والشرق الأوسط، حيث بلغت في ذي قار (34%)، وأن الاوضاع الاقتصادية ازدادت سوءا لتسجل هي الأخرى ارقاما قياسية حيث تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي، وان هنالك ما بين اربعة الى خمسة ملايين عراقي نزحوا من بيوتهم وسكنوا المخيمات.

والتحليل النفسي يوصلنا الى ان توالي الخيبات والتعرض الى الأحباط عبر اكثر من عشر سنوات والضائقة المالية التي يعاني منها الشباب لاسيما المتزوجين منهم تجعلهم عاجزين عن مواجهة الضغوط الحياتية والمتطلبات الأسرية، وشعور المواطن بانه غريب في وطنه،واحساسه بانعدام المعنى من وجوده في الحياة..دفعت بعدد كبير منهم للإنتحار في ظل غياب المعالجات الحكومية الحقيقية لمشكلة البطالة.

وهنالك قضية اجتماعية خطيرة شكلت سببا رئيسا للانتحار ولم تتعرض لها الدراسة، هي نزوح خمسة ملايين عراقي ليعيشوا حياة قاسية في مخيمات بائسة، فضلا عن تعرضهم الى اهانات واعتداءات على كرامتهم الإنسانية، ولكاتب هذه المقالة دراسة وثقت حالات او محاولات انتحار لعشرات الفتيات من عوائل النازحين في المخيمات.

ختاما: نعيد التوكيد بأننا نقدّر عاليا الجهد العلمي الكبير لزملائنا الاطباء النفسيين، وأن الهدف من هذه المقالة هو تصحيح الفكرة التي سيأخذها القارئ الأجنبي، والهيئات الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات المعنية بحقوق الانسان بأن انتحار الشباب في العراق لا يشكل مشكلة لأن نسبته اقل منها عالميا، وتعريفهم بان معدلات الانتحار بين شباب العراق تضاعفت بعد 2003، وانهم مهددون بالمزيد ان لم يتم معالجة اوضاعهم الاقتصادية بالدرجة الأولى، والقضاء على الفساد الذي يؤمن القضاء على الفقر (الشعبي) في بلد يمتلك كل مقومات الرفاهية لشعبه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2