تحيط بالإنسان ضغوطات نفسية نتيجة لصعوبات او مشكلات يفرضها عليه الواقع وتؤدي به الى ان يكون مضطرباً نفسيا، وهذه الاضطرابات بالطبع ستؤثر سلباً على وظائف الانسان السلوكية والانفعالية وحتى الوظائف العقلية، وهو ما يبرر تسميتها بـ(المرض النفسي) او (الاضطرابات النفسية)، ومن اكثر هذه الاضطرابات خطراَ على الانسان هي (ازدواجية الشخصية) والتي هي عبارة حالة مرضية نفسية تؤثر في سلوك الفرد مما يؤدي الى خلل واضح في شخصيته، ومفهوم "ازدواج الشخصية "هو مفهوم نفسي وليس مفهوم اجتماعي وحديثاً اصحاب الطب النفسي استبدلوه بمفهوم (اضطراب الهوية الانشطاري) بمعنى ان يملك الشخص المتصف به هويتين او شخصيتين وربما اكثر وقد يصل الى العشرات من الشخصيات المختلفة في ادراكها وسلوكها وطريقة تفكيرها واسلوبها وعلاقتها بالآخرين من حولها، فازدواج الشخصية ليس وهماً كما يدعي غير المختصين وانما مرض نفسي حقيقي حيث يظهر الشخص بأكثر من شخصية و مزاج وبإمكان صاحبها ان يقوم بدورين مختلفين في وقت واحد وبنجاح.

نذكر رأيين مفسرين لموضوع ازدواجية الشخصية الاول الذي يتبناه انصار علم النفس ويقول: ان انتقال الشخص من دور الى دور عند وجود ضاغط نفسي اجتماعي كبير فخلال ثواني فقط تتحول الفتاة الخجولة الى فتاة جريئة لا تتورع عن القيام بعمل غير طبيعي ومستغرب عن سلوكياتها المعتادة في طبيعتها العامة، ويذهب اصحاب هذا الراي الى اسباب تقف وراء تعدد الشخصيات في الفرد الواحد الى وجود خبرات مؤلمة محفوظة في خلد الفرد كالإيذاء الجسمي والنفسي في الطفولة وهذه الخبرات تمثل قوة ضغط عليه تظهر نتائجها من السلوكيات وعلاجها يكون عن طريق العلاج النفسي طويل المدى لتفريغ الصدمات النفسية المكبوتة والخبرات المؤلمة السابقة وهذا هو الراي الاكثر مقبولية وصواب بحسب المختصين في الشأن النفسي واللذين يكأدون على دقة رايهم من خلال الافعال التي ينتجها الواقع المعاش لذوي ازدواج الشخصية .

بينما يرى اصحاب الراي الثاني (اللذين لا يتعارضون مع الازدواجية) ان واحد من اهم اساب الازدواجية هو قدرة الانسان على اداء عدة ادوار في الحياة حسب ما يستدعي الموقف ليتمكن من مجاراة الحياة ويرون ان في ذلك توظيف طبيعي لمهارات وامكانات الانسان التي وهبها اياه الخالق بل ان التقيد بشخصية وطبيعة ونوع سلوك محدد هو فشل في اداء الادوار الاخرى التي يلزم على كل انسان تأديتها، ولعل اكثر مؤيدي هذا الراي هم انصار مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة ) وهذا المبدأ يأخذ عليه قربه من قانون الغاب (القوي يأكل الضعيف) او (البقاء للأقوى) وهذا مبدأ حيواني لا انساني، والمصداق على تبرير هذه الفئة لممارسة الازدواجية بدأنا نلحظ ان الازدواجية اصبحت وكأنها سمة من سمات الشخصية الطبيعية لكثرة اتصاف الناس بها في اغلب الاوقات والمواقف حتى اصبحت شيئاً عادي وغير ملفت يمارسه الفرد في حياته اليومية بشكل يومي، فحتى الشخص المعافى نفسياً (السوي) صار يمارسها وعن وعي تام، فالتناقضات التي تنتجها الازدواجية ذات اثر سلبي على البناء الاجتماعي والفكري والنفسي للمجتمع.

ويتخذ الازدواج شكلا آخر في الافعال والسلوكيات كما الحال لدى بعض الدعاة اومن يدعون التدين ووجوه (الشاشة) اللذين ينصحون الناس بترك ما يفعلوه هم انفسهم، والبعض من الناس يمارسون الازدواجية بشكل مخيف، فتراه يصلي في المسجد وبعد دقائق يروج لافكار وطروحات العلمانية والشيوعية وربما بعض الحركات الشاذة، او موظف يأخذ الرشى من الناس مقابل تسير امورهم في هذه الدائرة او تلك ثم يذهب بهذه الاموال لأمور عبادية ظناً منه ان تشفه له لكنها تمثل الرياء والنفاق، في الوقت الذي هو مقصر في واجباته اتجاه اسرته فلا ينفق على اطفاله بالشكل الذي يساويهم بأقرانهم من تعليم وصحة وحاجيات اخرى ضرورية وحتى التقصير في تربية الابناء ومراقبة حركاتهم بداعي الانشغال بالعبادة هو ازدواج واضح.

ختاماَ نقول: ان الازدواجية في الشخصية ناتج اضطراب نفسي او خلل في المنظومة النفسية للأفراد، يرفضها العقل والمنطق والعرف لان تأثيرها بليغ على المجتمع بأكمله وابلغ أثراً على الوجود الانساني والفطرة السليمة للإنسان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0