حين تكون إنساناً متجدداً في شخصيتك ومظهرك وعملك وإضاءات روحك وحبك وحياتك كلها، وبطرائق تجعلك ذا طلة مشرقة تشيع البهجة في محيطك وأعماقك، فإنك بذلك توفر لنفسك فرصاً للفرح، تصنعها بيديك، وسط زخم الحياة اليومية المتعبة بضغوطها، بدلاً من أن تأخذك الهموم بعيداً الى حيث تجد نفسك محشوراً في ثقب أبرة لاتستطيع التنفس فيها.

إن التجدد يقترن بالروح المبدعة الخلاقة، او المتمرنة على هذا النوع من العطاء، بحيث يكون صاحبها مبدعاً وذا لمسة خاصة به في كل شيء.

ويعني التجدد في الحب خلق أجواء فريدة، مبتكرة، مرحة، متنوعة للمشاعر وأساليب التعبير عنها، بحيث يجعل ندى الروح يهبط على الورد الذابل، ويمنحه فرصة جديدة للتفتح والحياة، فيسعد المحبوب وينقذه من شرك النمطية. ذلك أن من أهم أسباب فشل العلاقات العاطفية او الزوجية : الروتين وجفاف الحياة اليومية وخلوها من صخب الروح.

ولايعني التجدد في الحب تبديل المحبوب كما قد يتوهم البعض، فهذا يعد آخر حل قد يلجأ اليه المرء، وهو إن لجأ اليه فمعنى ذلك أن علاقته او مشاعره تجاه محبوبه لم تكن متينة بالأساس، وإن توهم العكس.

وربما لاينطوي التجدد على سوى لمسات بسيطة لكن فيها سحراً خاصاً وحرارة اللقاء الأول او شرارة الحب الأولى، فيراها المحبوب فريدة من نوعها.

لكن سمة التجدد لاتنحصر بأحدهما دون الآخر، فقد لايتساوق الطرف النمطي والجاف منهما مع روحية التجديد في الطرف الآخر، مما يخلق هوة تؤدي الى انطفاء الطرف المتجدد وانكفائه على ذاته، لأنه لم يلمس من الشريك او الحبيب استجابة. وقد يصل الى اليأس بحيث يكف عن العطاء. وهنا يدق ناقوس الخطر.

إن التجدد هو الانطلاق الى رحاب جديدة للحياة، ذلك أن الروتين اليومي يحصر الإنسان في زاوية ضيقة قد يتوقف عندها البعض باستسلام، وقد يهرب البعض منها بسعيه الى أن يكون يومه مختلفاً عن أمسه، لذا يخرج في نزهة مثلاً او يغير الأمكنة التي يرتادها، حتى إن بعض الناس يميلون الى تغيير أعمالهم قتلاً للملل، لكن هذا التغيير فيه الكثير من المحاذير بينما بإمكانهم أن ينسفوا الضجر من خلال تجديد أسلوبهم في المهنة نفسها. إذ يرتبط التجدد في العمل بالثورة على الأساليب التقليدية التي تعيق التقدم، والبحث عن سبل التطوير الدائم، سواء بمواكبة التغييرات التكنولوجية المستمرة او بإضافة اللمسات الشخصية والفنية او اكتساب المعلومات الجديدة في ميدان الاختصاص من اجل إبداع أكثر.

ويشمل التجدد في الشخصية زيادة المعارف والاستزادة من ينابيع الثقافة، كي يتسع أفق الإنسان ويتحسن كل شيء فيه حتى أسلوب كلامه من خلال اكتسابه المزيد من المفردات. وقد يؤدي به ذلك الى أن يكون له سحراً خاصاً في أحاديثه.

كما إن التجدد في المظهر مهم ليبدو المرء كل يوم شخصاً مختلفاً، شريطة أن لايقوده الى الإسراف، ولايتضمن اختيار مالايليق بالعمر او المكان او المجتمع.

ولايعني التجدد المبالغة في التغيير من أجل التمرد فقط، وعلى نحو يظهر الإنسان مبتذلاً او مرتبكاً نفسياً او غير مستقر بسبب لهاثه وراء التقليد الأعمى وعلى نحو يضيع عليه السمات الأصيلة لشخصيته وأخلاقياته.

يحدد علم النفس نمطين أساسيين في تكوين شخصية الإنسان، هما التصلب او المحافظة، والمرونة او التجدد. فإذا كانت الشخصية متزنة وتتسم بالثقة بالنفس وتميل الى الطموح المشروع واحترام السياق الاجتماعي، فإن صاحب هذه الشخصية يسمو الى ماهو أفضل دائماً، ويكون متجدداً فكرياً وسلوكياً بحيث يبحث عن بدائل سامية لمعالجة سلوك لايستطيع أقرانه البحث عنها.

بينما إذا ارتبط هذا التجدد بنمط الشخصية غير المتزنة، فإن أغلب منافذ الفعل والسلوك لشخصية كهذه تميل الى الانحراف، فيكون التجدد هنا تقليداً أعمى مقروناً بالنظرة الضيقة للأمور وبالتهور والميل الى القشور والمظاهر الخادعة وضعف الثقة بالنفس والانسحاب الى الذات.

إذن، أليست بنا حاجة دائمة الى التجدد المتوازن من أجل استمرار الحياة بشكل أكثر مرحاً وحيوية، ونحن نفيق صباح كل يوم دون أن يستيقظ معنا شيء من رواسب الأمس؟

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0