لا شك أن ثورة بحجم ثورة الإمام الحسين لم تكن وليدة الصدفة أو بدافع عشائري تنازعي كما يزعم البعض بل إنها كانت ثورة وكما نعرف ضد الظلم والطغمة الفاسدة التي فعلت ما فعلت بالمسلمين.

فهل كان اختيار مكان انطلاق الثورة اختيارا عشوائيا قادته الظروف وجعلت من الإمام الحسين يتجه إلى كربلاء، أم أن الإمام الحسين قد خطط للأمر وفق منهجية مدروسة.

ما هي العلة في ذلك؟ كانت هناك عدة خيارات للإمام الحسين بإمكانه أن يتوجه إليها ليعلن ثورته منها فهو أما أن يبقى في مكة في موسم الحج ويدعو أصحابه أو أن ينتقل إلى المدينة أو أن يقصد اليمن أو أن يقصد الشام أو العراق وهو الخيار الذي قرر أن يسير باتجاهه فلماذا لم يختر الإمام كل تلك البقاع واتجه إلى كربلاء؟؟

1- مكة:

رفض الإمام الحسين التوجه إلى مكة لعدة أمور منها:

أ- أراد الإمام الحسين الحفاظ على حرمة بيت الله من أن ترتكب فيه مجزرة ويدنس بهذا الشكل.

ب- إنعدام الوعي السياسي لأهل مكة كون أغلبهم تجار.

ج – كانت مكة وما زالت مركز قريش الموالي لآل أمية.

د – ومكة أيضا كانت خالصة الولاء لعبد الله بن الزبير وهو من أعداء آل محمد.

هـ - كانت احتمالية تعرض الإمام الحسين للإغتيال المدبر في مكة كبيرة جدا.

لهذه الأسباب ولغيره قرر الامام الحسين الإنتقال من مكة.

2- المدينة:

رفض الإمام خيار المدينة لأسباب منها:

أ- الولاء الإقتصادي لمجتمع المدينة كان لآل أبي سفيان بسبب استيلاء معاوية على أغلب الأراضي في المدينة بواسطة الشراء أو المصادرة.

ب – وجود معارضة تقليدية متمثلة بعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وقد تمثلان قنبلتين موقوتتين في وجه التحرك الحسيني.

ج – الأغلبية الساحقة في المدينة كانت على غير خط آل علي وكلام الإمام السجاد خير دليل ومصداق على ذلك وله أهميته وهذا نصه:

"الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارى الخلائق أجمعين، الذي بَعُدَ فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفواجع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة. أيها القوم، إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبو عبد الله وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية. أيها الناس، فأي رجالات منكم يسرّون بعد قتله؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن أنهما لها؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون. أيها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين مذمومين شاسعين عن الأمصار، كأننا أولاد ترك أو كابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في ابائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق. والله، لو أن النبي صلى الله عليه واله تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمرّها وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا، إنه عزيز ذو انتقام".

3- اليمن:

إن عدم اختيار الإمام الحسين لليمن رغم أن ابن عباس قد اشار عليه بذلك كانت لأسباب كثيرة منها:

أ- إنعزال اليمن جغرافيا فهي في طرف الجزيرة العربية البعيد ولا تأثير لها في الواقع الإسلامي.

ب- الثورة في اليمن لاتغير من الواقع الإسلامي شيئا.

ج– فقر الواقع الإقتصادي في اليمن وفقر المجتمع فيها لا يمد الثورة بالأموال اللازمة للنهوض.

د– أهل اليمن لم يتمرسوا على القتال كأهل العراق وغيرهم.

هـ- إن أغلب شيعة علي في اليمن قد انتقلوا للعيش في الكوفة أيام حكومة الإمام علي ولم يبق منهم الكثير فهم أقلية هناك.

العراق

إذن لم يتبق للإمام الحسين بدٌّ سوى التوجه للعراق وقد كانت هناك اسباب كثيرة منها:

أ – كان العراق وما يزال مركزا للتشيع لآل البيت.

ب- اتصاف أهل العراق بوعي سياسي مهم.

ج- وقوع العراق في قلب العالم الإسلامي جغرافيا واقتصاديا.

د – التنوع السكاني في العراق بين حضر وريف كان ذي اهمية في دعم الثورة.

هـ - كانت في الكوفة حامية عسكرية ذات أهمية كبيرة في الواقع اللوجستي.

و- في العراق كان هناك عدد كبير من المعارضين لآل أمية

لكل هذا الأسباب وأكثر اتجه الإمام الحسين إلى العراق حاطا رحاله في كربلاء ليرسم فيها لوحة للتضحية والفداء ما زالت ممتدة لأكثر من اربعة عشر قرنا.. تلك الثورة التي ما فتئت تنير درب الأجيال وتعطيهم العزم والقوة والثبات مستمدين من المحرم سنويا الطاقة الروحية والنفسية في مواجهة الطغاة.

اضف تعليق