ملفات - عاشوراء

كربلاء.. ومسيرة الإصلاح

توقيت الثورة

ها قد اطل المحرم علينا من جديد وهو يحمل في طياته الكثير والكثير، فهو يحمل في طياته الثورة ضد الواقع المزري، ويحمل في طياته الغصة والألم العميقين لما حدث فيه سنة 61 هـ، تلك السنة التي استهلت بملحمة عاشوراء الخالدة.. تلك الملحمة التي ما زالت تتجدد سنويا بما تخلفه في قلوب محبي آل البيت من مشاعر عميقة، ودلالات كبيرة استطاعت البقاء لأكثر من اربعة عشر قرنا.

ملحمة عاشوراء التي مثلت الصراع الحقيقي بين الخير متمثلا بالحسين الذي قال عنه الرسول الأعظم (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، وهو سيد شباب أهل الجنة، وخامس أصحاب الكساء والمباهلة وبين يزيد وكل ما يمثله من شرور وآثام وأهواء منحرفة.

عاشوراء كانت الصدمة التي أعادت الأمة الإسلامية إلى نهج الرسالة الصحيح والذي كانت قد فارقته بعد وفاة النبي الأعظم (ص)، وما آلت إليه الأمور بعد السقيفة المشؤومة والتي مثلت بداية الإنحراف عن نهج النبوة. والذي لم يُصحح إلا بثورة الإمام الحسين وتضحياته العظيمة التي كانت وما زالت الشرارة التي تلهم جميع الثائرين.

فالوقوف الحقيقي في وجه طاغية عصره - يزيد- وتضحيته بكل شيء في سبيل رسالة جده، كان المسمار الأول الذي دقَّ في نعش تلك الدولة الظالمة والمنحرفة، وذلك الفوران لم يهدأ أبدا، فقد أجج الكثير من الثورات المتعاقبة والتي قوضت أركان تلك الدواة الأثيمة.

ولا جرم أن المحرم قد أطل فارضا الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى تتبع وتمحيص تأريخي لمحاولة فك أسرار ما حدث في تلك الواقعة. وقد يكون التساؤل الأول الذي يمكن طرحه في هذا الإطار، لماذا كان توقيت ثورة الإمام الحسين في زمن يزيد بالتحديد ولم يخرج في زمن معاوية؟؟.

والجواب عن هذا التساؤل يكمن في عدة اسباب منها:-

1- إن طبيعة المجتمع في عصر معاوية تتسم بالجهل المطلق، والتسليم لسياسة معاوية في إعلامه المنحرف والمظلل، والذي يتسم بالدهاء والمكر والخديعة. ذلك المجتمع الذي استطاع معاوية تضليله بشكل كامل وإبعاده عن المصدر الحقيقي للثقافة وهو القرآن والعترة، ومثال تلك الثقافة السيئة قصة أبي محجن ومعاوية الشهيرة.

2- قد يكون احترام الحسين (ع) للعهود بينه وبين معاوية والتي مثلتها هدنة الإمام الحسن (ع) والتي كانت سارية المفعول بوجود معاوية على قيد الحياة.

3- محاولة الامام الحسين (ع) تفويت الفرصة على معاوية في محاولاته للقضاء على كل رموز المعارضة على وجوده في سدة الحكم، ذلك الوجود الذي ذاق الإسلام منه الأمرين وبالأخص شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

4- قدرة معاوية الرهيبة على تضليل الرأي العام آنذاك، وقلبه في صالحه كما حدث في حرب صفين، وكيف استطاع قلب الأوضاع من الهزيمة إلى التحكيم الذي أنقذه بشكل كامل، ومنحه الفرصة في تغيير واقع الأمر.

كما أن اختيار الإمام الحسين لزمن يزيد تكمن وراءه أسباب كثيرة منها:-

1- تغيّر الكثير من الأمور في تلك الحقبة ومنها إنهيار المعاهدة بموت معاوية ولم يبق هناك مبرر لإلتزام الأمام الحسين بها.

2- شخصية يزيد المهزوزة والمتتبع لهذه الشخصية تأريخيا يجدها تدل وتشير إلى شاب متهتك مشغول بملذاته الدنيوية، من شرب خمر وفسوق وتهتك وابتعاد عن خط الإسلام المحمدي بشكل كامل، هذه الصفات جاءت من تربية يزيد لدى أخواله الذين كانوا يعتنقون الديانة المسيحية آنذاك، والتي أثرت في بناء شخصيته بشكل كامل.

3- سقوط الدعاية الدينية المضللة بعد موت معاوية. حيث آلت الأمور إلى يزيد المشهور بعدم التزامه الديني والأخلاقي وتهتكه الصارخ والمعلن وعدم قدرته ترك ملذاته والتجاهر بها مما كشف الستار عن الوجه الحقيقي للحكم في زمنه. فهو كما قال الإمام الحسين (يشرب الخمر ويلعب النرد ويلهو مع القرود).

4- قلة شعبية يزيد مقارنة بشعبية أبيه مما أدى إلى تحجيم نفوذ يزيد في المجتمع الإسلامي وفي العراق بالتحديد.

5- إنتهاء عهد القمع الذي كان يستخدمه معاوية ضد أتباع علي (ع) في العراق، شجع الكثير من أنصار الإمام ومحبيه إلى التحرك لاستقدامه ومبايعته على الثورة.

كل هذه الأسباب وأكثر جعلت من الإمام الحسين (ع) يعلن ثورته ضد يزيد، بعد ورود كتب المبايعة من عاصمة الإمام علي (ع)، مدينة الكوفة التي كانت تمثل وقتذاك قلب العالم الإسلامي، ومنها بدأت جميع الثورات ضد الإنحراف الأموي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0