إن الأخلاق هي العصا السحرية التي استخدمتها المجتمعات المستقرة المتوازنة لكي تصل إلى ما وصلت من تقدم وازدهار، الرسول الأكرم محمد (ص) صنع أعظم عملية تنوير اجتماعي بالأخلاق، وعليه فإن المسؤولية تطول الجميع، ولكن أهميتها تأتي بحسب المراكز القيادية السياسية والاجتماعية والدينية...

لا يريد أصحاب القرار أن يفتحوا عيونهم وعقولهم كي يروا المشاكل الكبرى التي تعصف بالمجتمع العراقي، وأسباب هذه الغفوة أو التجاهل كثيرة لكنها واضحة، فالسياسي وصانع القرار لم يعد يعبأ بشيء اسمه مجتمع، ولا بكيان اسمه دولة، ما يشغله – وليس في هذا مغالاة- كيف يحقق مكاسب مادية أكثر، وهو مرض أصاب الطبقة السياسية وحتى الاجتماعية في العقود الأخيرة، وظل ينمو ويتصاعد هذا المرض في خط بياني مرعب، ومع كل الأدلة التي يراها ويلمسها أصحاب القرار، فإنهم في وادٍ والدولة والشعب في وادٍ آخر.

وها هو التفكك الاجتماعي يقرع جرس الإنذار بكل قوة، منبّها كل من له علاقة بالقضايا الاجتماعية، ومحذرا إياهم بأن ما يحصل اليوم لا يُحمدُ عقباه، لاسيما أن المختصين عرّفوا هذا النوع من التفكك بأنه اتجاه المجتمع إلى التدهور أو التفكك مع مرور الوقت، وقد يكون ذلك نتيجة تردي أو انهيار أنظمة الدعم الاجتماعي التقليدية، وفي هذا السياق، يشير المجتمع إلى النظام الاجتماعي الذي يحافظ على النسيج المجتمعي، وليس النظام السياسي الذي يضع حدوده، والمجتمع بالمنظور الاجتماعي ليس هو نفسه الدولة، تعود الأصول النظرية لهذه الفكرة بحسب المختصين، إلى إميل دوركايم وفرديناند تونيز، فقد قام كلا الباحثين بتقسيم التفكك إلى نوعين وهو ما يتوافق مع مرحلتين تاريخيتين.

أولاً: يوجد تفكك بدائي قائم على التشابه والتفاعل الودي الذي أطلق عليه دوركايم التضامن الميكانيكي وسماه تونيز المجتمع المدني.

ثانيًا: يوجد تفكك أكثر تعقيدًا وحديث قائم على الترابط المجرد، المعروف باسم التضامن العضوي أو (المجتمع المدني).

تداعيات نسب الطلاق المرعبة

إن ما يجري في مجتمعنا اليوم من تهرّؤ في النسيج المجتمعي يعدّ من الأمور الخطيرة التي قد تقود بالنتيجة إلى الانهيار الاجتماعي الذي يعني فيما يعنيه نهاية المجتمع وانفراطه، ودخوله في دوّامة من المشكلات لا يمكن أن تُعرَف نتائجها، في حال استمرار المسؤولين على سياسة أو سلوك غض الطرف عمّا يحصل ويتفاقم في العلاقات الاجتماعية، ومنها ما يطول أهم مؤسسة مجتمعية وهي العائلة التي على أساسها تقوى بنية المجتمع أو تنهار، فالأسرة في حالة تغلغل الفساد والانحلال فيها، وتدهور العلاقات الأسرية بين أفراد الأسرة، فإن هذا الخلل الخطير سوف يتمدد ليطول المجتمع كله.

وما يحدث اليوم من حالات طلاق، تصل إلى نسب يمكن نصفها بـ المرعبة، ما هي إلا علامة من علامات التفكك المجتمعي ومن ثم الخطوة القادمة التي ستكون الانهيار المجتمعي، ففي إحصائية رسمية صادرة عن دار القضاء في العراق، أظهرت أنه في شهر أيلول من 2018 فقط، تم تصديق عقود زواج خارج المحكمة يصل عددها إلى 5246، يقابلها حالات تصديق طلاق خارجي تصل إلى 4207 حالة، أما مجموع التفريق بحكم قضائي فوصل إلى 1677 حالة تفريق، أما حالات الطلاق الخارجي فوصل إلى 4207 حالة، هذه الأرقام تعود لشهر واحد فقط، فما بالك إذا تحدثنا عن شهور أو سنوات؟

إن هذه الدلائل لا تحتاج إلى شرح، أو إلى تذكير، إنها في الحقيقة بمثابة جرس الإنذار وقد يكون الأخير قبل أن نصل إلى حالة تفكك وانهيار وانحلال اجتماعي يندم عليهم الجميع، ويعزو معظم المفكرين المختصين خصوصا من علماء الاجتماع أسباب تنامي هذه الظاهرة إلى ظاهرة الفساد الأخلاقي، والفساد في معاجم اللغة هو في (فسد) ضد صَلُحَ (والفساد) لغة البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطُلَ واضمحل، وهي كل ممارسة تشذ عن الفطرة الإنسانية، وتتعارض مع الدين القويم، وتتنافى مع العقل السليم، وهذه الظاهرة بحسب مختصين لا تتخذ نمطا واحدا ولا شكلا محددا، فهي تتزين في كل عصر بلون، وتتدثر في كل يوم بدثار، وقد تُدخل المجتمع بشكل علاقة غير مشروعة بين رجل وامرأة باسم الزنا، ومرة باسم الحب، وأخرى باسم كيل فريند (Girl friend).

فمن يوقف زحف الفساد والانحلال، ومن يبحث في أسباب ضمور المنظومة الأخلاقية التي تشكل الضابط والرابط المشترك لمتانة النسيج المجتمعي، وفي حال تهرّؤ الأخلاق، فإن كل شيء سيكون مصيره الانحلال والتلاشي، فأهل العلم جميعا وكبار القوم وقياديوه يعرفون تمام المعرفة ماذا يعني اضمحلال المنظومة الأخلاقية، حتى يمكننا القول أن مجتمعا بلا أخلاق يعني الضياع والسقوط الحتمي في براثن التيه والجهل والضعف الذي يؤدي بالنتيجة إلى تمزيق المجتمع بشكل تام، هذا يفرض علينا السؤال التالي:

ماذا نفعل كي نتخلص من الانهيار الذي لا يمكن المفر منه في حال استمرت الأمور والأوضاع الاجتماعية على ما هي عليه؟، ما الإجراءات التي يجب اتخاذها لكي تعود الأخلاق إلى الواجهة، وتعيد المجتمع إلى توازنه المطلوب، وتحميه مما يتربص به من ظواهر وعواقب لا يعرف مدى أضرارها إلا الله، وكيف يصل المجتمع كله إلى قناعة تامة بأن الأخلاق هي الماسك الأعظم لمتانة المجتمع، وكيف يفهم بأن ضياع الأخلاق يعني ضياعه الآن، وضياع الأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد؟.

مقترحات لاستنهاض القيم الأخلاقية

إن المسؤولية تطول الجميع، ولكن أهميتها تأتي بحسب المراكز القيادية السياسية والاجتماعية والدينية، فرجل الدولة ذو مسؤولية تفوق الكل، وصاحب المركز الاجتماعي العالي مسؤوليته أكبر بكثير من المواطن العادي، ورجل الدين تقع عليه مسؤوليات مضاعفة في مجال إعادة الروح لمنظومة الأخلاق وتنميتها وجعلها العمود الأول في حماية ضعضعة الأخلاق أو إهمالها، وهنا نضع بعض الحلول والمقترحات التي يمكن أن تحمينا من خطر التفكك الاجتماعي ومنها:

- لا يكفي أن نتكلم عن الأخلاق وقيمتها، أو دورها في بناء الفرد والمجتمع، فالمهم كيف تتحول الأخلاق في الميدان العملي، وكيف يتصرف الإنسان وفق المنظومة الأخلاقية.

- على الأسرة، الأب والأم وكبار الأولاد والبنات، تقع مسؤولية كبرى في غرس الأخلاق بنفوس وقلوب وأذهان الأطفال، ليس بالوعظ الخالي من التطبيق، فهذا الأسلوب لا يجدي نفعا لأن الطفل يحتاج إلى نموذج أخلاقي عملي يراه بعينه ويلمسه بيده.

- المنبر الديني بكل أنواعه وأشكاله مطالب باستنهاض الجهود المختلفة للقيام بدور المربي الأخلاقي للناس.

- المدرسة غير معفاة من دورها هذا، والمعلم هو النموذج الأهم لطلابه أخلاقيا، فغرس القيم النبيلة من المهمات المعلم قبل غيره.

- وسائل الإعلام المختلفة، التلفاز، الاذاعة، الصحف الورقة والالكترونية، المؤسسات الإعلامية المختلفة، تقع عليها مهمة التنوير الكبرى في حملات النهوض بالأخلاق ونشرها بين الجميع.

- وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة يجب أن يتم تنظيمها بما يخدم هذا الهدف على الرغم من صعوبة السيطرة عليها، ولكن من الأفضل استخدام هذه المواقع بأقصى ما يمكن لاستنهاض الأخلاق الداخلة في نوع من حالة السبات.

- إن الأخلاق هي العصا السحرية التي استخدمتها المجتمعات المستقرة المتوازنة لكي تصل إلى ما وصلت من تقدم وازدهار.

- الرسول الأكرم محمد (ص) صنع أعظم عملية تنوير اجتماعي بالأخلاق، فما حققته الرسالة النبوية في 23 سنة يعجز عن تحقيقه الآخرون في مئات السنين، وكان العامل المساعد الأعظم هو الأخلاق.

- القادة السياسيين، الحكومة، الوزارات المعنية، مؤسسات الدولة الدستورية، لا يصح أن تدس رؤوسها في الرمال كالنعام، عليها أن تواجه هذه الظاهرة بمسؤولية وعلم وتخطيط وصبر وشجاعة، حتى نستوعب بالفعل جرس الإنذار الذي يقرعه التفكك الاجتماعي ونسمعه بملء أسماعنا.

اضف تعليق


التعليقات

محمد الدجيلي
سامراء
ياريت تصير حملات أخلاقية في عموم العراق لأن وصلنا قريبا من الدرك الأسفل.. كم نحن بحاجة إلى خطط عمل بل الكلام لوحده، الكلام مهم لكن معه عمل خصوصا التجارب الأخلاقية...2018-11-25
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بالخلق السوي الذي يصلح دنيانا وآخرتنا وهو خلق القرآن
لكننا بكل أسف نتحدث بكلام جميل مزين بعبارات رنانة لكن الفعل يتناقض مع ماقاله الإنسان2018-11-26