مما لا شك فيه، بأن اعادة اعمار المناطق المتضررة بعد انتهاء العمليات العسكرية، هي من اصعب واعقد المهام التي تواجه الدول، اذ تعتبر تجربة العراق وخاصة مع تنظيم داعش الارهابي، من التجارب التي تُحاكي مثل هذا النوع من عمليات اعادة الاعمار، اذ تسبب التنظيم المتشدد في تهجير اهل تلك المناطق، وبالتالي تدمير البُنى التحتية من وسائل مواصلات وجسور ومباني ومستشفيات وغيرها من أُسس الحياة فيها، ولكن المواطنين يريدون العودة الى مناطقهم وبصورة تحفظ كرامتهم واعادة الأمان لمحافظاتهم.

ومن تلك المنطلقات، نرى بأن الحاجة الماسة لمثل تلك السياسات التي تدعو الى اعمار المناطق المتضررة، من خلال اعداد خطط عاجلة، تشترك فيها الحكومات المعنية والمنظمات الدولية، لتقديم المعونات والمنح الدولية، فسياسة اعادة الإعمار بعد انتهاء النزاعات، تعني في ابسط صورها: مجموعة من الاجراءات والتي تستهدف ابداء العون لتقديم المساعدات العاجلة للبلدان الخارجة من النزاعات وتشمل تلك المساعدات، تلبية الحاجات الضرورية للسكان المحليين، ومعالجة اسباب النزاع وبشكل جذري والمساعدة كذلك في عدم العودة من جديد لصيغة الاعمال العنفية، والعمل بكل جد الى تدعيم أُسس السلام المستدام، وذلك من خلال توفير الأمن والمساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان والمصالحة والمساواة بين افراد المجتمع وكذلك، العمل على تعزيز العملية التنموية واعمار المناطق المتضررة جراء العمليات العسكرية.

ومن الركائز الاساسية لعمليات اعادة الاعمار للمناطق المحررة، هو الأمن، اذ يعتبر من الدعامات الاساسية لأي مجتمع وبالتالي، لا يمكننا تصور فرض وجود اعمار للدول المتضررة بدون وجود حالة من الاستقرار الأمني لها، اذ كلما كان المجتمع مستقر امنياً، كلما كان ذلك يوفر لها سيطرة على اعمال التخريب التي تقوم بها الجماعات الارهابية، ولذلك يعد موضوع الأمن في مقدمة الاهتمامات الفعلية لصنع القرار في الدولة، اذ يرتبط مفهوم الأمن ودلالاته في القيام بمجموعة من الوظائف ومنها: فرض القانون وحماية الكيان الوجودي للدولة والبناء الاقتصادي وغيرها من الوظائف الاخرى التي تقوم بها الدولة، فكلما وفرت الدولة وعبر اجهزتها الأمنية، الأمن لسكانها ومواطنيها، كلما كان ذلك مدعاة للقيام بإعادة البناء لتلك المناطق، فإزالة اثار المظاهر المسلحة وبجميع صورها، والعمل على جعل السلاح فقط بيد الجهات الأمنية، كفيل بإعادة فرض الأمن والنظام فيها، واعتبار اي جهة تمتلك السلاح خارج حدود الدولة، من العناصر الارهابية وينبغي محاربتها باعتبارها خارجة عن سلطة القانون، وتضر بأمن المناطق.

ومن الدعامات الاخرى لعملية اعادة الاعمار في المناطق المحررة، الاستثمار في التنمية البشرية والاقتصادية، وذلك من خلال العمل على تشجيع المواطنين على الاندماج مجدداً في المجتمع، من خلال توفير الفرص لهم للبدء بحياة كريمة، واعطاء الاولوية للمشاريع ذات العوائد المالية ومن خلال المنح والقروض الصغيرة والتي تكفل لهم الحصول على مورد مالي، خصوصاً اذا ما علمنا بأن اغلب المواطنين، قد فقدوا اموالهم وكل ما يملكون عند تهجيرهم من مناطقهم، ولذلك تساعد تلك الفرص المقدمة من المساعدات والمنح الدولية، على تشجيع القيام بمثل تلك المبادرات.

وينبغي الاشارة الى تعزيز الجانب التربوي في تلك المرحلة، اي العمل على ايلاء البعد التربوي، الاهمية القصوى، من خلال الاهتمام بتعليم الأطفال واعادتهم لصفوف الدراسة، باعتبار ان الاطفال يمثلون الثروة المستقبلية للبلد، وعليه لابد من التفاعل الايجابي مع مسألة اعادة الأطفال لساحات الدرس، وعدم التفريط بهم وتسريبهم من المدرسة والتي كلفتهم سنوات ثلاث من اعمارهم، واعادة ادماجهم بالمجتمع واعادة بناء الثقة بقدراتهم، وتنويع مصادر المعرفة لديهم وتنميتها.

وكذلك العمل بموازاة ذلك، على العناية بالمرأة والاهتمام بها، باعتبار ان النساء في تلك المجتمعات، تعتبر من الفئات المهمشة من كل النواحي، ولذلك لا بد من انصاف تلك الشريحة المهمة في المجتمع واعتبارها اساس لبداية جديدة في المجتمع، وذلك من خلال العمل على تعليمهن والشروع بإجراءات من شأنها ان ترفع من قدرهن، وتخصيص الموارد المالية لإنجاح بعض المشاريع الخاصة بهن، ومن امثال تشجيع النساء على الانخراط بدورات لتعليم الخياطة وغيرها من المهن والحرف التي تدر مبالغ مالية لهن، وتساعدهن على الايفاء بمتطلبات الحياة لهن بعد التحرير.

وينبغي التأكيد ايضاً على الدور الذي يمكن ان تلعبه منظمات المجتمع المدني في اعداد التأهيل لشرائح المجتمع الذي تحرر من الخوف وقمع الحريات الذي فرضته ظروف وقوعهم تحت سلطة وسطوة المجاميع الارهابية، وذلك من خلال المباشرة بإعداد الدورات واقامة الندوات التثقيفية للمواطنين والعمل على المساعدة على تسريع اندماج المواطنين بالمجتمع، وكذلك التأكيد على مسألة في غاية الأهمية وهي التوعية، بالمواطنة واهميتها في هذه الظروف، وتنمية الشعور الوطني لجميع افراد المجتمعات في محاولة لامتصاص صدمة ما خلفتها الآثار السلبية للمجاميع الارهابية، وبالتالي تعزيز الانتماء الوطني، وعدم التفريق بين مكونات المجتمع الواحد، والذي سيكون بمثابة حائط الصد لكل المحاولات التي تستهدف النسيج الاجتماعي للبلد.

ومن اجل امكانية ان تذهب المنح والمساعدات الدولية الى الجوانب المخصصة لإعادة اعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش الارهابي، لابد من العمل على استثمار تلك الأموال وبشكل فعال، فلا بد من وضع تنظيم لمجموعة من الاجراءات التي ينبغي الالتزام بها عند صرف تلك المساعدات الدولية، اذ تعتبر تلك العملية، مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنظمات الدولية، اي بين المانح والمستفيد، وذلك من خلال:

1- ان المصلحة الوطنية للعراق، تتطلب ان تكون تلك المساعدات والمنح الدولية والتي من المؤمل ان يحصل عليها العراق، لا بد ان تضع المصلحة العليا للبلد فوق اي اعتبار، ولذلك ومن اجل تحقيق تلك الغاية والتي يسعى اليها العراق، لا بد من ارادة دولية تسهم في تعزيز تلك المصلحة.

2- ضمان المشاركة لجميع المكونات للمناطق المحررة، بحيث تكون هناك عدالة في تمثيلها في ادارة شؤون مناطقها، لأن تلك الادارات هي الاقدر على تشخيص الجوانب التي يجب ان تكون لها الاولوية في البدء بعملية اعادة الاعمار بعد انتهاء النزاع.

3- عدم تضمين تلك المساعدات والمنح، شروطاُ سياسية، اي تستهدف تحقيق اهدافاً سياسية في حالة تقديمها لتلك المساعدات، وبالتالي لا بد من تشخيص دقيق للوضع العراقي الحالي.

4- عدم اهدار تلك الاموال والمساعدات وكما حصل سابقاً وبالتالي ضياع فرص للتنمية والاعمار، اي التأكيد هنا على وجود سياسيات وخطط موضوعة من قبل الدولة لإدارة مثل تلك الاموال وصرفها في مجالاتها المرجوة منها.

5- العمل على تقاسم السلطات والصلاحيات بين الحكومة المركزية في بغداد والحكومات المحلية في تلك المناطق.

6-الشروع بتطبيق اجراءات عاجلة لإعادة اعمار الخدمات الاساسية للبُنى التحتية مثل اعادة خطوط شبكات الكهرباء والمجاري والمياه وغيرها من اساسيات الحياة.

7-تعويض مناسب ومجزي لأصحاب البيوت والدور السكنية والتي تهدمت بفعل العمليات العسكرية ووجود تنظيم داعش فيها.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق